[
(( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلعِ الْفجرِ (5) ))
( صدق الله العلي العظيم)
إن موضوع ليلة القدر يستوقفنا لننتهل منه العديد من الدروس التي نشير إلى بعضها ـ بإيجاز ـ :.
1 ـ مدى رأفة الله تعالى بهذه الاُمة حيث جعل لهم مواسم الفضيلة خصوصاً ليلة القدر التي يتضاعف فيها اجر العمل، أضعافاً مضاعفةً مما يفسح المجال لكل مؤمن أن يغسل درن أعماله وأخطائه خلال مسيرة حياته. وقد جاء في الحديث عن ابن عباس قال: (( ذُكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله تعالى ألف شهر، فعجب من ذلك رسول (الله صلّى الله عليه وآله وسلم) عجباً شديداً، وتمنى أن يكون ذلك في أمته، فقال: يارب، جعلت أمتى أقصر الناس أعماراً، وأقلها أعمالا، فأعطاه الله ليلة القدر، وقال: ليلة القدر خير من ألف شهر، ... لك ولأمتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان )).
2 ـ إن تميّز ليلة القدر ونحوها من الأيام والليالي المباركة عن باقي أيام السنة يدفع استبعاد العقول الضيقة التي لا تستوعب تميّز بعض البشر كالأنبياء والأئمة بالفضل والمكانة الرفيعة عند الله تعالى، فإنه إذا امكن أن يكون لليلة القدر هذا التميّز بالفضيلة فما المانع من أن ينطبق ذلك على الإنسان الذي يتحدث القرآن الكريم عنه بقوله ((لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) فيميّز الله تعالى أنبياءه وأولياءه ويرفع شانهم بعدما عَلِم منهم استقامتهم وقدرتهم على تحمّل المسؤوليّة الثقيلة على طول الخط.
3 ـ ان اقتران نزول القرآن الكريم بليلة القدر وتأكيد الكتاب العزيز والسنّة على ذلك ((إنا أنزلناه في ليلةٍ مباركة)) إنما يؤكد مدى عظمة القرآن الكريم، لما
يتضمّنه من تعاليم الإسلام الناصعة في مجالات العقيدة والتشريع والتربية وغيرها. فلا غرابة في وصية النبي (الله صلّى الله عليه وآله وسلم) لاُمته به عند وفاته باعتباره الثقل الأكبر الذي خلّفة لاُمته: (( إني تاركُ فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)).
4 ـ إنّ تعرّض الإنسان العادي للتأثر بهوى النفس والمؤثرات الاخرى التي تحيد به عن الطريق المستقيم خلال مسيرة حياته اليومية يدعو كل مسلم إلى الحرص على استثمار الفرص المتاحة للإنابة والتوبة والعزم على انتهاج الخط المستقيم في مستقبل حياته، خاصة إذا كانت الفرصة بحجم ليلة القدر وما تختزنه من فضائل وبركات.
ختاماً نرفع أكف الضراعة سائلين الباري عزّوجل أن يوفق الجميع لاستثمار هذه الليلة الشريفة وأداء حقها والتعويض عن التقصير السالف في ليالي وأيام الشهر المبارك وبدء صفحة جديدة في حياتنا لتعود وجوهنا بيضاء نقية مغمورة بالرحمة الإلهية والمغفرة .
1/ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان منكم ملتمساً ليلة القدر، فليلتمسها في العشر الأواخر، فإن ضعف أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي.
2/ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير، وفي ليلة إحدى وعشرين القضاء، وفي ليلة ثلاث وعشرين إبرام ما يكون في السنة الى مثلها، ولله عز وجل أن يفعل ما يشاء في خلقه.
3/ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: نزلت التوراة في ست مضت من شهر رمضان، ونزل الإنجيل في اثني عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، ونزل الزبور في ليلة ثماني عشرة مضت من شهر رمضان، ونزل القرآن في ليلة القدر.
4/ عن حُمران أنه سأل أبا جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام عن قول الله عزّ وجل: ]إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيلة مُبَارَكة[ قال: نعم؛ هي ليلة القدر، وهي في كلِّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر. فلم ينـزل القرآن إلاّ في ليلة القدر، قال الله عز وجل: ]فيهَا يفرق كُلّ أمْر حَكيمْ[قال: يقدر في ليلة القدر كلُّ شيء يكون في تلك السنة الى مثلها من قابل؛ من خير أو شر، أو طاعة أو معصية، أو مولود أو أجل، أو رزق؛ فما قدّر في تلك الليلة وقضي، فهو من المحتوم ولله فيه المشيّة.
5/ سأل رجل الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فقال: أخبرني عن ليلة القدر، كانت أو تكون في كل عام؟ فقال: لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن.
6/ سئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام؛ كيف تكون ليلة القدر خير من ألف شهر؟ قال: العمل الصالح فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
7/ قال سليمان المرزوي للإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: ألا تخبرني عن ]إنَّا أنْزلْنَاه في لَيْلةِ القَدْر[ في أيّ شيء اُنزلت؟ قال: يا سليمان؛ ليلة القدر يقدّر الله عز وجل فيها ما يكون من السنّة الى السنّة، من حياة أو موت، أو خير أو شرّ، أو رزق. فما قدّره في تلك الليلة فهو من المحتوم.
8/ سئل الإمام محمد الباقر عليه السلام عن ليلة القدر، فقال: تنـزّل فيها الملائكة والروح والكتبة الى السماء الدنيا، فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة وما يصاب العباد فيها. قال: وأمر موقوف لله تعالى فيه المشيّة، يقدم منه ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، وهو قوله تعالى: ]يَمْحُو الله ما يَشَاء وَيُثَبّت وَعِنْده أمّ الكِتَابْ[.
9/ قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله؛ يا علي أتدري ما معنى ليلة القدر؟ فقلت: لا يا رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: إن الله تبارك وتعالى قدّر فيها ما هو كائن الى يوم القيامة، فكان فيما قدَّر عز وجل ولايتك وولاية الائمة من ولدك الى يوم القيامة.
10/ قال المفضل بن عمر: ذكر أبو عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام إنّا أنزلناه في ليلة القدر، قال: ما أبين فضلها على المشهود. قال: قلت وأي شيء فضلها؟ قال: نزلت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فيها. قلت: في ليلة القدر التي نرتجيها في شهر رمضان؟ قال: نعم؛ هي ليلة قدرت فيها السماوات والأرض، وقدرت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فيها.
11/ عن أبي جعفر الثاني (الإمام محمد الجواد عليه السلام) قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: إن ليلة القدر في كل سنة، وأنه يتنـزّل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال ابن عباس: من هم؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون.
12/ قيل لأبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام: تعرفون ليلة القدر؟ فقال: وكيف لا نعرف والملائكة تطوفون بنا بها.
13/ عن أبي الهذيل، عن أبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام قال: يا أبا الهذيل؛ أما لا يخفى علينا ليلة القدر، إن الملائكة يطيفوننا فيها.
14/ عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: قال موسى: إلهي اُريد قربك. قال: قربي لمن استيقظ ليلة القدر. قال: إلهي اُريد رحمتك. قال: رحمتي لمن رحم المساكين ليلة القدر. قال: إلهي اُريد الجواز على الصراط. قال: ذلك لمن تصدق بصدقة في ليلة القدر. قال: إلهي اُريد من أشجار الجنة وثمارها. قال: ذلك لمن سبّح تسبيحة في ليلة القدر. قال: إلهي اُريد النجاة من النار. قال: ذلك لمن استغفر في ليلة القدر. قال: إلهي اُريد رضاك. قال: رضاي لمن صلى ركعتين في ليلة القدر.
15/ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: إذا كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، اُنزلت صكاك الحاج، وكتب الآجال والأرزاق، واطلع الله الى خلقه، فغفر لكل مؤمن، ما خلا شارب مسكر، ولا صارم رحم مؤمنة ماسّة.
16/ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: صبيحة يوم ليلة القدر مثل ليلة القدر، فاعمل واجتهد.
17/ قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: ليلة القدر في كل سنة، ويومها مثل ليلتها...
ليلة القدر
هي اللية التي أنزل الله تعالى فيها القرآن ، وهي التي قال عنها تعالى (ليلة القدر خير من ألف شهر) ، وقد اختلف في تحديدها غير أن المستفاد من أحاديث كثيرة أنها الليلة الثالثة والعشرون ، وهي ليلة الجهني ، وفيها يقدر كل أمر حكيم ، ولهذه الليلة عدة أعمال خاصة سوى الأعمال العامة لشهر رمضان المبارك وليلتا التاسع عشر والحادي والعشرين منه
الأول : قراءة سورتي العنكبوت والروم وقد آلي الصادق عليه السلام أن من قرأ هاتين السورتين في هذه الليلة كان من أهل الجنة
الثاني : قراءة سورة حـم دخان
الثالث : قراءة سورة القدر ألف مرة
الرابع : أن يكرر في هذه الليلة (بل في جميع الاوقات) هذا الدعاء : اللهم كن لوليك .. الى آخره
الخامس : يقول : اللهم امدد لي في عمري و أوسع لي في رزقي و أصح لي جسمي وبلغني أملي وإن كنت من الأشقياء فامحني من الأشقياء واكتبني من السعداء فإنك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل صلواتك عيه وآله : يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب
السادس : يقول : اللهم اجعل فيما تقضي وفيما تقدر من الأمر المحتوم وفيما تفرق من الأمر الحكيم في ليلة القدر من القضاء الذي لا يرد ولا يبدل أن تكتبني من حجاج بيتك الحرام في عامي هذا ، المبرور حجهم المشكور سعيهم المغفور ذنوبهم المكفر عنهم سيئاتهم واجعل فيما تقضي وتقدر أن تطيل عمري وتوسع لي في رزقي
السابع : يدعو بهذا الدعاء المروي في الإقبال : يا باطناً في ظهوره و يا ظاهراً في بطونه ويا باطناً ليس يخفى و يا ظاهراً ليس يرى يا موصوفاً لا يبلغ بكينونته موصوف ولا حد محدود ويا غائباً غير مفقود و يا شاهداً غير مشهود يُطلب فيصاب ولم يخل منه السماوات والارض و ما بينهما طرفة عين لا يدرك بكيف ولا يؤين بأين ولا بحيث أنت نور النور ورب الأرباب أحطت بجميع الأمور سبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره .. ثم تدعو بما تشاء
الثامن : أن تأتي غسلاً اخر في آخر الليل سوى ما تغسله في أوله
واعلم أن للغسل في هذه الليلة وإحيائها وزيارة الحسين عليه السلام فيها والصلاة مئة ركعة فضل كثير وقد أكدتها الأحاديث
روي الشيخ في التهذيب عن أبي بصير قال : قال لي الصادق عليه السلام صل في الليلة التي يرجى أن تكون ليلة القدر مئة ركعة تقرأ قل هو الله أحد عشر مرات قال : قلت جعلت فداك فإن لم اقو عليها قائماً قال : صلها جالساً قلت فإن لم اقو ، قال أدها وأنت مستلق في فراشك
وعن كتاب دعائم الاسلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يطوي فراشه ويشد مئزره للعبادة في العشر الأواخر من شهر رمضان وكان يوقظ أهله ليلة ثلاثة وعشرين وكان يرش وجوه النيام بالماء في تلك الليلة وكانت فاطمة صلوات الله عليها لا تدع أهلها ينامون في تلك الليلة وتعالجهم بقلة الطعام وتتأهب لها من النهار أي كانت تأمرهم بالنوم نهاراً لئلا يغلب عليهم النعاس ليلاً وتقول محروم من حرم خيرها
وروي أن الصادق عليه السلام كان مدنفاً فأمر فأخرج إلى المسجد فكان فيه حتى أصبح ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان
قال العلامة المجلسي رحمه الله : عليك في هذه الليلة أن تقرأ من القرآن ما تيسر لك و أن تدعو بدعوات الصحيفة الكاملة لا سيما دعاء مكارم الأخلاق و دعاء التوبة وينبغي أن تراعي حرمة أيام ليالي القدر والاشتغال فيها بالعبادة وتلاوة القرآن المجيد والدعاء فقد روي بأسناد معتبرة أن يوم القدر مثل ليلته.
معنى القدر:
القدر كون الشيء مساوياُ لغيره من غير زيادة ولا نقصان وقدر الله هذا الأمر بقدره قدراُ إذا جعله على مقدار ما تدعو إليه الحكمة .
لماذا سميت هذه الليلة بليلة القدر ؟
اختلف العلماء في معنى هذا الاسم ومأخذه فقيلٍ
(1) سميت ليلة القدر لأنها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها من كل أمر .
(2) هي الليلة المباركة في قوله "إنا أنزلناه في ليلة مباركة "
(3) لأن الله ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة .
(4) هي ليلة القدر أي ليلة الشرف والخطر وعظم الشأن .
(5) سميت ليلة القدر لأنه أنزل فيها كتاب ذو قدر إلى رسول ذي قدر لأجل أمة ذات قدر على يدي ملك ذي قدر .
(6) وسميت بذلك لأنها ليلة التقدير لأن الله تعالى قدر فيها إنزال القرآن .
(7) وقيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة لنزولهم في تلك الليلة وذلك من قولة ( ومن قدر عليه رزقه ) أي ضاق عليه ويراد به ضيق الأرض وربما تكون هذه المعاني كلها مقصودة من لفظ كلمة القدر ].