الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
المقدمة
الحمد لله الذي له الحمد كله , و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , و أشهد أن محمدا عبده و رسوله , صلى الله عليه و على آله و أصحابه وسلم.
أما بعد: فإن راحة القلب و سروره و زوال همومه و غمومه , هو المطلب لكل أحد , و به تحصل الحياة الطيبة , و يتم السرور و الابتهاج , و لذلك أسباب دينية , و أسباب طبيعية , و أسباب عملية , و لا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين , و أما من سواهم فإنها و إن حصلت لهم من وجه و سبب يجاهد عقلاؤهم عليه , فاتتهم من وجوه انفع و اثبت و احسن حالاَ و مالاَ.
و لكني سأذكر برسالتي هذه ما يحضرني من الأسباب لهذا المطلب الأعلى , الذي يسعى له كل أحد .
فمنهم من أصاب كثيرا منها فعاش عيشة هنيئة , و حيي حياة طيبة , و منهم من أفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء و حيي حياة التعساء . و منهم من هو بين بين , بحسب ما وفق له . والله الموفق و المستعان به على كل خير و على دفع كل شر.
فصل
1- اعظم الأسباب لذلك و أصلها و أسها هو : الإيمان و العمل الصالح و قال تعالى : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) {النحل:97}
فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان و العمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار ,و بالجزاء الحسن في هذه الدار و في دار القرار.
و سبب ذلك واضح : فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح , المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب و الأخلاق و الدنيا و الآخرة , معهم أصول و أسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور و الابتهاج , و أسباب القلق و الهم و الأحزان .
يتلقون المحاب و المسار بقبول لها , و شكر عليها , و استعمال لها فيما ينفع , فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها , و الطمع في بقائها و بركتها , و رجاء ثواب الشاكرين , أمورا عظيمة تفوق بخيراتها و بركاتها هذه المسرات التي هي ثمراتها .
و يتلقون المكاره و المضار و الهم و الغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته و تخفيف ما يمكنهم تخفيفه , و الصبر الجميل لما ليس لهم عند بد , و بذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة , و التجارب و القوة , و من الصبر و احتساب الأجر و الثواب أمورا عظيمة تضمحل معها المكاره , و تحل محلها المسار و الآمال الطيبة , و الطمع في فضل الله و ثوابه , كما عبر النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا في الحديث الصحيح أنه قال : " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير , إن أصابته سراء شكر فكان خير له , و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له , و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " { رواه مسلم } .
فأخبر صلى الله عليه و سلم أن المؤمن يتضاعف غنمه و خيره و ثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور و المكاره .
لهذا تجد اثنين تطرقهما نائبة من نوائب الخير أو الشر , فيتفاوتان تفاوتا عظيما في تلقيها , و ذلك بحسب تفاوتهما في الإيمان و العمل الصالح .
هذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير و الشر بما ذكرناه من الشكر و الصبر و ما يتبعهما , فيحدث له السرور و الابتهاج , و زوال الهم و الغم , و القلق , و ضيق الصدر , و شقاء الحياة , و تتم له الحياة الطيبة في هذه الدار .
و الآخر يتلقى المحاب بأشر و بطر و طغيان , فتنحرف أخلاقه و يتلقاها كما تتلقاها البهائم بجشع و هلع , و مع ذلك فإنه غير مستريح القلب , بل مشتتة من جهات عديدة , مشت من جهة خوفه من زوال محبوباته , و من كثرة المعارضات الناشئة عنها غالبا , و من جهة أن النفوس لا تقف عند حد بل لا تزال متشوقة لأمور أخرى , قد تحصل و قد لا تحصل , و إن حصلت على الفرض و التقدير فهو أيضا قلق من الجهات المذكورة . و يتلقى المكاره بقلق و جزع و خوف و ضجر , فلا تسأل عن ما يحدث له من شقاء الحياة , و من الامراض الفكرية و العصبية , و من الخوف الذي قد يصل به إلى أسوأ الحالات و أفظع المزعجات , لأنه لا يرجو ثوابا و لا صبر عنده يسليه و يهون عليه .
و كل هذا مشاهد بالتجربة , و مثل واحد من هذا النوع إذا تدبرته و نزلته على أحوال الناس , و رأيت الفرق العظيم بين المؤمن العامل بمقتضى أيمانه , و بين من لم يكن كذلك , و هو أن الدين يحث غاية الحث على القناعة برزق الله , و بما أتى العباد من فضله و كرمه المتنوع .
فالمؤمن إذا ابتلى بمرض أو فقر , أو نحوه من الأغراض التي كل أحد عرضة لها , فإنه بإيمانه و بما عنده من القناعة و الرضى بما قسم الله له , تجده قرير العين , لا يتطلب بقلبه أمرا لم يقدر له , ينظر إلى من دونه , و لا ينظر إلى من هو فوقه , و ربما زادت بهجته و سروره و راحته على من هو متحصل على جميع المطالب الدنيوية , إذا لو يؤت القناعة .
كما تجد هذا الذي ليس عنده عمل بمقتضى الإيمان , إذا ابتلي بشئ من الفقر , أو فقد بعض المطالب الدنيوية , تجده في غاية التعاسة و الشقاء .
و مثل آخر: إذا حدثت أسباب الخوف و ألمت بالإنسان المزعجات تجد صحيح الإيمان ثابت القلب , مطمئن النفس , متمكنا من تدبيره و تسييره لهذا الأمر الذي دهمه بما هو في وسعه من فكر و قول و عمل , قد وطن نفسه لهذا المزعج الملم , و هذه أحوال تريح الإنسان و تثبت فؤاده .
كما تجد فاقد الإيمان بعكس هذه الحال إذا وقعت المخاوف انزعج لها ضميره , و توترت أعصابه , تشتت أفكاره , و داخله الخوف و الرعب , و اجتمع عليه الخوف الخارجي , و القلق الباطني الذي لا يمكن التعبير عن كنهه, و هذا النوع من الناس ; إن لم يحصل لهم بعض الأسباب الطبيعية التي تحتاج إلى تمرين كثير , انهارت قواهم و توترت أعصابهم و ذلك لفقد الإيمان الذي يحمل على الصبر , خصوصا في المحال الحرجة , و الأحوال المحزنة المزعجة .
فالبر و الفاجر , و المؤمن و الكافر يشتركان في جلب الشجاعة الاكتسابية , و في الغريزة التي تلطف المخاوف و تهونها و لكن يتميز المؤمن بقوة إيمانه و صبره و توكله على الله و اعتماده عليه , و احتسابه لثوابه- أمورا تزداد بها شجاعته , و تخفف عنه وطأة الخوف , و تهون عليه المصاعب , كما قال تعالى : ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون ) { النساء:104 } , و يحصل لهم من معونة الله و معينه الخاص و مدده ما يبعثر المخاوف , و قال تعالى : (و اصبروا إن الله مع الصابرين) { الانفال :46}.
2- و من الأسباب التي تزل الهم و الغم و القلق : الإحسان إلى الخلق بالقول و الفعل , و أنواع المعروف . و كلها خير و إحسان , و بها يدفع الله عن البر و الفاجر الهموم و الغموم بحسبها , و لكن للمؤمن منها أكمل الحظ و النصيب , و يتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص و احتساب لثوابه فيهون الله عليه بذل المعروف لما برجوه من الخير , و يدفع عنه المكاره بإخلاصه و احتسابه , قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس و من يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) { النساء:114}.
فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت منه , و الخير يجلب الخير , يدفع الشر , و أن المؤمن المحتسب يؤتيه الله اجرا عظيما , و من جملة الأجر العظيم : زوال الهم و الغم و الأكدار و نحوها .
فصل
3- ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب , و اشتغال القلب ببعض المكدرات : الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة , فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه , و ربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم و الغم , ففرحت نفسه , و ازداد نشاطه , و هذا السبب أيضا مشترك بين المؤمن و غيره , و لكن المؤمن يمتاز بإيمانه و إخلاصه و احتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه , و يعمل الخير الذي يعلمه , إن كان عبادة فهو عبادة , و كان عبادة فهو عبادة , و ن كان شغلا دنيويا أو عادة دنيوية أصحبها النية الصالحة , و قصد الاستعانة بذلك على طاعة الله , فلذلك أثره الفعال في دفع الهم و الغموم و الأحزان , فكم من إنسان ابتلي بالقلق و ملازمة الأكدار , فحلت به الأمراض المتنوعة فصار دواؤه الناجع : ( نسيانه السبب الذي كدره و أقلقه , و اشتغاله بعمل من مهماته ).
و ينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس و تشتاقه ; فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود النافع , و الله أعلم.
4- و مما يدفع به الهم و القلق : اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر , و قطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل , و عن الحزن على الوقت الماضي , و لهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم و الحزن , فالحزن على الأمور الماضية الي لا يمكن ردها و لا استدراكها , و الهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل , فيكون العبد ابن يومه , يجمع جده و اجتهاده في إصلاح يومه و وقته الحاضر , فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال , و يتسلى به العبد عن الهم و الحزن , و النبي صلى الله و عليه وسلم إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء فهو يحث – مع الاستعانة بالله و الطمع في فضله – على الجد و الاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله , و التخلي عما كان يدعو لدفعه ; لأن الدعاء مقارن للعمل , فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين و الدنيا , و يسأل ربه نجاح مقصده , و يستعينه على ذلك , كما قال صلى الله عليه وسلم : "احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز , و إذا أصابك شئ فلا تقل : لو أني فعلت كذا كان كذا و كذا , و لكن قل : قدر الله و ما شاء فعل , فإن لو تفتح عمل الشيطان " {رواه مسلم}
. فجمع صلى الله عليه وسلم بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال , و الاستعانة بالله و عدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار , و بين الاستسلام للأمور الماضية النافذة , و مشاهدة قضاء الله و قدره .
و جعل الأمور قسمين : قسما يمكن العبد السعي في تحصيل ما يمكن منه , أو دفعه أو تخفيفه فهذا يبدي فيه العبد مجهوده و يستعين بمعبوده , و قسما لا يمكن فيه ذلك , فهذا يطمئن له العبد و يرضى و يسلم , و لا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور و زوال الهم و الغم .
فصل
5- و من أكبر الأسباب لانشراح الصدر و طمأنينته : ( الإكثار من ذكر الله ) فإن لذلك تأثيرا عجيبا في انشراح الصدر و طمأنينته , و زوال همه و غمه , قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) {الرعد:28}, فلذكر الله أثر عظيم في حصول هذا المطلوب لخاصيته , و لما يرجوه العبد من ثوابه و أجره .