العودة   منتديات الطرف > الواحات الاجتماعية > واحة النقاش والحوار الجاد




إضافة رد
   
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 13-09-2003, 08:46 PM   رقم المشاركة : 1
batrol2002
طرفاوي نشيط
 
الصورة الرمزية batrol2002
 







افتراضي الوسائل المفيدة للحياة السعيدة

الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
المقدمة
الحمد لله الذي له الحمد كله , و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , و أشهد أن محمدا عبده و رسوله , صلى الله عليه و على آله و أصحابه وسلم.

أما بعد: فإن راحة القلب و سروره و زوال همومه و غمومه , هو المطلب لكل أحد , و به تحصل الحياة الطيبة , و يتم السرور و الابتهاج , و لذلك أسباب دينية , و أسباب طبيعية , و أسباب عملية , و لا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين , و أما من سواهم فإنها و إن حصلت لهم من وجه و سبب يجاهد عقلاؤهم عليه , فاتتهم من وجوه انفع و اثبت و احسن حالاَ و مالاَ.

و لكني سأذكر برسالتي هذه ما يحضرني من الأسباب لهذا المطلب الأعلى , الذي يسعى له كل أحد .

فمنهم من أصاب كثيرا منها فعاش عيشة هنيئة , و حيي حياة طيبة , و منهم من أفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء و حيي حياة التعساء . و منهم من هو بين بين , بحسب ما وفق له . والله الموفق و المستعان به على كل خير و على دفع كل شر.

فصل

1- اعظم الأسباب لذلك و أصلها و أسها هو : الإيمان و العمل الصالح و قال تعالى : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة و لنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) {النحل:97}

فأخبر تعالى ووعد من جمع بين الإيمان و العمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الدار ,و بالجزاء الحسن في هذه الدار و في دار القرار.

و سبب ذلك واضح : فإن المؤمنين بالله الإيمان الصحيح , المثمر للعمل الصالح المصلح للقلوب و الأخلاق و الدنيا و الآخرة , معهم أصول و أسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من أسباب السرور و الابتهاج , و أسباب القلق و الهم و الأحزان .

يتلقون المحاب و المسار بقبول لها , و شكر عليها , و استعمال لها فيما ينفع , فإذا استعملوها على هذا الوجه أحدث لهم من الابتهاج بها , و الطمع في بقائها و بركتها , و رجاء ثواب الشاكرين , أمورا عظيمة تفوق بخيراتها و بركاتها هذه المسرات التي هي ثمراتها .

و يتلقون المكاره و المضار و الهم و الغم بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته و تخفيف ما يمكنهم تخفيفه , و الصبر الجميل لما ليس لهم عند بد , و بذلك يحصل لهم من آثار المكاره من المقاومات النافعة , و التجارب و القوة , و من الصبر و احتساب الأجر و الثواب أمورا عظيمة تضمحل معها المكاره , و تحل محلها المسار و الآمال الطيبة , و الطمع في فضل الله و ثوابه , كما عبر النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا في الحديث الصحيح أنه قال : " عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير , إن أصابته سراء شكر فكان خير له , و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له , و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " { رواه مسلم } .

فأخبر صلى الله عليه و سلم أن المؤمن يتضاعف غنمه و خيره و ثمرات أعماله في كل ما يطرقه من السرور و المكاره .

لهذا تجد اثنين تطرقهما نائبة من نوائب الخير أو الشر , فيتفاوتان تفاوتا عظيما في تلقيها , و ذلك بحسب تفاوتهما في الإيمان و العمل الصالح .

هذا الموصوف بهذين الوصفين يتلقى الخير و الشر بما ذكرناه من الشكر و الصبر و ما يتبعهما , فيحدث له السرور و الابتهاج , و زوال الهم و الغم , و القلق , و ضيق الصدر , و شقاء الحياة , و تتم له الحياة الطيبة في هذه الدار .

و الآخر يتلقى المحاب بأشر و بطر و طغيان , فتنحرف أخلاقه و يتلقاها كما تتلقاها البهائم بجشع و هلع , و مع ذلك فإنه غير مستريح القلب , بل مشتتة من جهات عديدة , مشت من جهة خوفه من زوال محبوباته , و من كثرة المعارضات الناشئة عنها غالبا , و من جهة أن النفوس لا تقف عند حد بل لا تزال متشوقة لأمور أخرى , قد تحصل و قد لا تحصل , و إن حصلت على الفرض و التقدير فهو أيضا قلق من الجهات المذكورة . و يتلقى المكاره بقلق و جزع و خوف و ضجر , فلا تسأل عن ما يحدث له من شقاء الحياة , و من الامراض الفكرية و العصبية , و من الخوف الذي قد يصل به إلى أسوأ الحالات و أفظع المزعجات , لأنه لا يرجو ثوابا و لا صبر عنده يسليه و يهون عليه .

و كل هذا مشاهد بالتجربة , و مثل واحد من هذا النوع إذا تدبرته و نزلته على أحوال الناس , و رأيت الفرق العظيم بين المؤمن العامل بمقتضى أيمانه , و بين من لم يكن كذلك , و هو أن الدين يحث غاية الحث على القناعة برزق الله , و بما أتى العباد من فضله و كرمه المتنوع .

فالمؤمن إذا ابتلى بمرض أو فقر , أو نحوه من الأغراض التي كل أحد عرضة لها , فإنه بإيمانه و بما عنده من القناعة و الرضى بما قسم الله له , تجده قرير العين , لا يتطلب بقلبه أمرا لم يقدر له , ينظر إلى من دونه , و لا ينظر إلى من هو فوقه , و ربما زادت بهجته و سروره و راحته على من هو متحصل على جميع المطالب الدنيوية , إذا لو يؤت القناعة .

كما تجد هذا الذي ليس عنده عمل بمقتضى الإيمان , إذا ابتلي بشئ من الفقر , أو فقد بعض المطالب الدنيوية , تجده في غاية التعاسة و الشقاء .

و مثل آخر: إذا حدثت أسباب الخوف و ألمت بالإنسان المزعجات تجد صحيح الإيمان ثابت القلب , مطمئن النفس , متمكنا من تدبيره و تسييره لهذا الأمر الذي دهمه بما هو في وسعه من فكر و قول و عمل , قد وطن نفسه لهذا المزعج الملم , و هذه أحوال تريح الإنسان و تثبت فؤاده .

كما تجد فاقد الإيمان بعكس هذه الحال إذا وقعت المخاوف انزعج لها ضميره , و توترت أعصابه , تشتت أفكاره , و داخله الخوف و الرعب , و اجتمع عليه الخوف الخارجي , و القلق الباطني الذي لا يمكن التعبير عن كنهه, و هذا النوع من الناس ; إن لم يحصل لهم بعض الأسباب الطبيعية التي تحتاج إلى تمرين كثير , انهارت قواهم و توترت أعصابهم و ذلك لفقد الإيمان الذي يحمل على الصبر , خصوصا في المحال الحرجة , و الأحوال المحزنة المزعجة .

فالبر و الفاجر , و المؤمن و الكافر يشتركان في جلب الشجاعة الاكتسابية , و في الغريزة التي تلطف المخاوف و تهونها و لكن يتميز المؤمن بقوة إيمانه و صبره و توكله على الله و اعتماده عليه , و احتسابه لثوابه- أمورا تزداد بها شجاعته , و تخفف عنه وطأة الخوف , و تهون عليه المصاعب , كما قال تعالى : ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون و ترجون من الله ما لا يرجون ) { النساء:104 } , و يحصل لهم من معونة الله و معينه الخاص و مدده ما يبعثر المخاوف , و قال تعالى : (و اصبروا إن الله مع الصابرين) { الانفال :46}.

2- و من الأسباب التي تزل الهم و الغم و القلق : الإحسان إلى الخلق بالقول و الفعل , و أنواع المعروف . و كلها خير و إحسان , و بها يدفع الله عن البر و الفاجر الهموم و الغموم بحسبها , و لكن للمؤمن منها أكمل الحظ و النصيب , و يتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص و احتساب لثوابه فيهون الله عليه بذل المعروف لما برجوه من الخير , و يدفع عنه المكاره بإخلاصه و احتسابه , قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس و من يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) { النساء:114}.

فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت منه , و الخير يجلب الخير , يدفع الشر , و أن المؤمن المحتسب يؤتيه الله اجرا عظيما , و من جملة الأجر العظيم : زوال الهم و الغم و الأكدار و نحوها .



فصل

3- ومن أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب , و اشتغال القلب ببعض المكدرات : الاشتغال بعمل من الأعمال أو علم من العلوم النافعة , فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه , و ربما نسي بسبب ذلك الأسباب التي أوجبت له الهم و الغم , ففرحت نفسه , و ازداد نشاطه , و هذا السبب أيضا مشترك بين المؤمن و غيره , و لكن المؤمن يمتاز بإيمانه و إخلاصه و احتسابه في اشتغاله بذلك العلم الذي يتعلمه أو يعلمه , و يعمل الخير الذي يعلمه , إن كان عبادة فهو عبادة , و كان عبادة فهو عبادة , و ن كان شغلا دنيويا أو عادة دنيوية أصحبها النية الصالحة , و قصد الاستعانة بذلك على طاعة الله , فلذلك أثره الفعال في دفع الهم و الغموم و الأحزان , فكم من إنسان ابتلي بالقلق و ملازمة الأكدار , فحلت به الأمراض المتنوعة فصار دواؤه الناجع : ( نسيانه السبب الذي كدره و أقلقه , و اشتغاله بعمل من مهماته ).

و ينبغي أن يكون الشغل الذي يشتغل فيه مما تأنس به النفس و تشتاقه ; فإن هذا أدعى لحصول هذا المقصود النافع , و الله أعلم.

4- و مما يدفع به الهم و القلق : اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر , و قطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل , و عن الحزن على الوقت الماضي , و لهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الهم و الحزن , فالحزن على الأمور الماضية الي لا يمكن ردها و لا استدراكها , و الهم الذي يحدث بسبب الخوف من المستقبل , فيكون العبد ابن يومه , يجمع جده و اجتهاده في إصلاح يومه و وقته الحاضر , فإن جمع القلب على ذلك يوجب تكميل الأعمال , و يتسلى به العبد عن الهم و الحزن , و النبي صلى الله و عليه وسلم إذا دعا بدعاء أو أرشد أمته إلى دعاء فهو يحث – مع الاستعانة بالله و الطمع في فضله – على الجد و الاجتهاد في التحقق لحصول ما يدعو بحصوله , و التخلي عما كان يدعو لدفعه ; لأن الدعاء مقارن للعمل , فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين و الدنيا , و يسأل ربه نجاح مقصده , و يستعينه على ذلك , كما قال صلى الله عليه وسلم : "احرص على ما ينفعك و استعن بالله و لا تعجز , و إذا أصابك شئ فلا تقل : لو أني فعلت كذا كان كذا و كذا , و لكن قل : قدر الله و ما شاء فعل , فإن لو تفتح عمل الشيطان " {رواه مسلم}

. فجمع صلى الله عليه وسلم بين الأمر بالحرص على الأمور النافعة في كل حال , و الاستعانة بالله و عدم الانقياد للعجز الذي هو الكسل الضار , و بين الاستسلام للأمور الماضية النافذة , و مشاهدة قضاء الله و قدره .

و جعل الأمور قسمين : قسما يمكن العبد السعي في تحصيل ما يمكن منه , أو دفعه أو تخفيفه فهذا يبدي فيه العبد مجهوده و يستعين بمعبوده , و قسما لا يمكن فيه ذلك , فهذا يطمئن له العبد و يرضى و يسلم , و لا ريب أن مراعاة هذا الأصل سبب للسرور و زوال الهم و الغم .

فصل

5- و من أكبر الأسباب لانشراح الصدر و طمأنينته : ( الإكثار من ذكر الله ) فإن لذلك تأثيرا عجيبا في انشراح الصدر و طمأنينته , و زوال همه و غمه , قال تعالى : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) {الرعد:28}, فلذكر الله أثر عظيم في حصول هذا المطلوب لخاصيته , و لما يرجوه العبد من ثوابه و أجره .

 

 

 توقيع batrol2002 :
الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
~©~®][§][أبكيــتني وأنا أحـسـبك تكـره بـكـاي....وأثـرك تـلـذذ فـي دمــوعي وأنـا أبـكـي ][§]
batrol2002 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 13-09-2003, 08:47 PM   رقم المشاركة : 2
batrol2002
طرفاوي نشيط
 
الصورة الرمزية batrol2002
 







افتراضي

6- و كذلك التحدث بنعم الله الظاهرة و الباطنة , فإن معرفتها و التحدث بها يدفع الله به الهم و الغم , و يحث العبد على الشكر الذي هو ارفع المراتب و أعلاها حتى و لو كان العبد في حالة فقر أو مرض أو غيرهما من أنواع البلايا . فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا يحصى لها عد و لا حساب , و بين ما أصابه من مكروه , لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة .

بل المكروه و المصائب إذا ابتلى بها العبد , و أدى فيها وظيفة الصبر و الرضى و التسليم , هانت وطأتها , و خفت مؤنتها , و كان تأمل العبد لأجرها و ثوابها و التعبد لله بالقيام بوظيفة الصبر و الرضى , يدع الأشياء المرة حلوة فتنسيه حلاوة أجرها مرارة صبرها .



7- و من أنفع الأشياء في هذا الموضع : استعمال ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال : " انظروا إلى من هو أسفل منكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه اجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " { رواه البخاري و مسلم }, فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل , رآه يفوق جمعا كثيرا من الخلق في العافية و توابعها , و في الرزق و توابعه مهما بلغت به الحال , فيزول قلقه و همه و غمه , و يزداد سروره و اغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها .

و كلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة و الباطنة , الدينية و الدنيوية , رأى ربه قد أعطاه خيرا كبيرا و دفع عنه شرورا متعددة , و لا شك أن هذا يدفع الهموم و الغموم , و يوجب الفرح و السرور .


فصل

و من الأسباب الموجبة للسرور و زوال الهم و الغم : السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم , و في تحصيل الأسباب الجالبة للسرور و ذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها , و معرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث و المحال , و أن ذلك حمق و جنون , فيجاهد قلبه عن التفكر فيها و كذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله , مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته , فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهول ما يقع فيها من خير و شر و آمال و آلام , و أنها بيد العزيز الحكيم , ليس بيد العباد منها شئ إلا السعي في تحصيل خيراتها , و دفع مضراتها و يعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره , و اتكل على ربه في إصلاحه , و اطمأن إليه في ذلك إذا فعل ذلك اطمأن قلبه و صلحت أحواله , و زال عنه همه و قلقه .

9- و من انفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور : استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به :" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري , اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي , اللهم أصلح لي آخرتي التي إليها معادي , و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير , و اجعل الموت راحة لي من كل شر" {رواه مسلم}.

و كذلك قوله : " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني على نفسي طرفة عين , و أصلح لي شأني كله , لا إله إلا أنت " { رواه أبو داود بإسناد صحيح }.

فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني و الدنيوي بقلب حاضر , نية صادقة , مع اجتهاده فيما يحقق ذلك , حقق الله له ما دعاه و رجاه و عمل له , و انقلب همه فرحا و سرورا .

فصل

10- و من انفع الأسباب لزوال القلق و الهموم إذا حصل على العبد من النكبات : أن يسعى في تخفيفها بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر , و يوطن على ذلك نفسه , فإذا فعل ذلك فليسع إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان , فبهذا التوطين و بهذا السعي النافع , تزول همومه و غمومه , و يكون بدل ذلك : السعي في جلب المنافع , و في دفع المضار الميسورة للعبد .

فإذا حلت به أسباب الخوف , و أسباب الأسقام , و أسباب الفقر و العدم لما يحبه من المحبوبات المتنوعة , فليتلق ذلك بطمأنينة و توطين للنفس عليها , بل على أشد ما يمكن منها فإن توطين النفس على احتمال المكاره يهونها و يزيل شدتها , و خصوصا إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره , فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب , و يجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره , مع اعمتاد في ذلك على الله و حسن الثقة به , و لا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور و انشراح الصدور , مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل و الآجل , و هذا مشاهد مجرب , و وقائعه ممن جربه كثيرة جدا .

فصل

11- و من أعظم العلاجات لأمراض القلب العصبية , بل و أيضا للأمراض البدنية : قوة القلب و عدم انزعاجه و انفعاله للأوهام و الخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة ; لأن الإنسان متى استسلم للخيالات ; و أنفعل قلب للمؤثرات : من الخوف من الأمراض و غيرها , و من الغضب و التشوش من الأسباب المؤلمة , و من توقع حدوث المكاره و زوال المحاب أوقعه ذلك في الهموم و الغموم و الأمراض القلبية و البدنية , و الانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة .


12- و متى اعتمد القلب على الله , و توكل عليه , و لم يستسلم للأوهام و لا ملكته الخيالات السيئة , و وثق بالله و طمع في فضله – اندفعت عنه بذلك الهموم و الغموم , و زالت عنه كثير من الأسقام البدنية و القلبية , و حصل للقلب من القوة و الانشراح و السرور ما لا يمكن التعبير عنه , فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام , و الخيالات الفاسدة و كم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء , فضلا عن الضعفاء , و كم أدت إلى الحمق و الجنون ! و المعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب , الدافعة لقلقه , قال تعالى : (و من يتوكل على الله فهو حسبه )

{الطلاق:4} أي كافية جميع ما يهمه من أمر دينه و دنياه .

فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام , و لا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس , و من الخور و الخوف الذي لا حقيقة له , و يعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة , فيثق بالله و يطمئن لوعده , فيزول همه و قلقه , و يتبدل عسره يسرا , و ترحه فرحا , خوفه أمنا , فنسأله تعالى العافية , و أن يتفضل علينا بقوة القلب و ثباته بالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير , و دفع كل مكروه و ضير .

13- و في قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يفرك مؤمن مؤمنة إ ان كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر" {رواه مسلم} , فائدتان عظيمتان :

إحداهما : الإرشاد إلى معاملة الزوجة و القريب و المعامل , و كل من بينك و بينه علقة و اتصال , و أنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص أو أمر تكرهه ; فإذا وجدت ذلك , فقارن بين هذا و بين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الإتصال و الإبقاء على المحبة , بتذك ما فيه من المحاسن و المقاصد الخاصة و العامة , و بهذا الإغضاء عن المساوئ و ملاحظة المحاسن , و تدوم الصحبة و الاتصال و تتم الراحة و تحصل ذلك.

الفائدة الثانية: و هي زوال الهم و القلق , و بقاء الصفاء و المداومة على القيام بالحقوق الواجبة و المستحبة, و حصول الراحة بين الطرفين , و من لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بل عكس القضية فلحظ المساوئ , و عمي عن المحاسن , فلابد أن يقلق , و لا بد أن يتكدر ما بينه و بين من يتصل به من المحبة , و يتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهما المحافظة عليها .

و كثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث و المزعجات على الصبر و الطمأنينة , لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون , و يتكدر الصفاء, و السبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار , و تركوها عند الأمور الصغار فضرتهم و أثرت في راحتهم , فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة و الكبيرة و يسأل الله الإعانة عليها , و أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين فعند ذلك يسهل عليه الصغير , كما سهل عليه الكبير , و يبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحا.


14- العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة و الطمأنينة , و أنها قصيرة جدا , فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم و الاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة , فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم و الأكدار , و لا فرق في هذا بين البر و الفاجر , و لكن المؤمن له من التحقق بهذا الوصف الحظ الأوفر و النصيب النافع العاجل و الآجل .


15- و ينبغي أيضا إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية , و بين أصابه من مكروه فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم و اضمحلال ما أصابه من المكاره .

و كذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه , و بين الاحتمالات الكثيرة في السلامة منها , فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة و القوية , و بذلك يزول همه و خوفه , و يقدر اعظم ما يكون من الاحتمالات التي يمكن أن تصيبه , فيوطن نفسه لحدوثها إن حدثت , و يسعى في دفع ما لم يقع منها و في رفع ما وقع أو تخفيفه .


16-و من الأمور النافعة : أن تعرف أن أذية الناس لك و خصوصا في الأقوال السيئة , لا تضرك , بل تضرهم , إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , و سوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تضع لها بالا لم تضرك شيئا .


17- و اعلم أن حياتك تبع لأفكارك , فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة , و إلا فالأمر بالعكس .


18- و من أنفع الأمور لطرد الهم : أن توطن نفسك على أن لا تطلب الشكر إلا من الله , فإذا أحسنت إلى من له حق عليك أو من ليس له حق فاعلم أن هذا معاملة منك مع الله , فلا تبال بشكر من انعمت عليه , كما قال تعالى في حق خواص خلقه : (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا ) {الإنسان:9}.

و يتأكد هذا في معاملة الأهل و الأولاد و من قوي اتصالك بهم , فمتى وطنت نفسك على إلقاء الشر عنهم فقد أرحت و استرحت , و من دواعي الراحة أخذ الفضائل و العمل عليها بحسب الداعي النفسي دون التكلف الذي يقلقك , و تعود على أدراجك خائبا من حصول الفضيلة , حيث سلكت الطريق الملتوي , و هذا من الحكمة , و أن تتخذ من الأمور الكدرة أمورا صافية حلوة و بذلك يزيد صفاء اللذات , و تزول الأكدار .

19- اجعل الأمور النافعة نصب عينيك و اعمل على تحقيقها , و لا تلتفت إلى الأمور الضارة لتلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم و الحون و استعن بالراحة و إجماع النفس على الأعمال المهمة .


20- و من الأمور النافعة : حسم الأعمال في الحال و التفرغ في المستقبل , لأن الأعمال إذا لم تحسم اجتمع عليك بقية الأعمال السابقة , و انضافت إليها الأعمال اللاحقة , فتشتد وطأتها , فإذا حسمت كل شئ بوقته أتيت الأمور المستقبلة بقوة تفكير و قوة عمل .


21- و ينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم , فالأهم و ميز بين ما تميل نفسك إليه و تشتد رغبتك فيه , فإن ضده يحدث السآمة و الملل و الكدر , و استعن على ذلك بالفكر الصحيح و المشاورة , فما ندم من استشار و ادرس ما تريد فعله درسا دقيقا , فإذا تحققت المصلحة و عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين .

و الحمد لله رب العالمين , و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم.

المصدر : كتاب من تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (رحمه الله )

تحياتي

***10***

 

 

 توقيع batrol2002 :
الوسائل المفيدة للحياة السعيدة
~©~®][§][أبكيــتني وأنا أحـسـبك تكـره بـكـاي....وأثـرك تـلـذذ فـي دمــوعي وأنـا أبـكـي ][§]
batrol2002 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 02:23 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

ما ينشر في منتديات الطرف لا يمثل الرأي الرسمي للمنتدى ومالكها المادي
بل هي آراء للأعضاء ويتحملون آرائهم وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
رحم الله من قرأ الفاتحة إلى روح أبي جواد