الأمر الآخر: الذي نود الإشارة إليه أنه ليس من السهل أن اعتقد شيئا بسبب ورود رواية صحيحة سواء كانت واحدة أو متعددة إذا كانت هناك روايات أخرى تدل على مضمون آخر لأن حديثهم صعب مستصعب وكلامهم له ظهر وبطن ولكل بطن بطن وهكذا إلى سبعين بطناً وأكثر، فمثلاً:
اورد لنا الأخ (وقلبي بحك متيما) حديثا صحيح السند وهو أن ليلة القدر هي إحدى ليالي شهر رمضان المبارك، ورد الحديث القائل أنها السيدة الزهراء عليها السلام ، فلو فهم قاعدة (لا تنافي بين المثبتات) لما ردها حتى لو كان الإسناد ضعيفا.
علما/ أنه باتفاق جميع علماء الطائفة يحرم رد الحديث الضعيف وإن له فوائد جمة ذكرها بعض المحققين فراجع.
تنبيه/
إن أي علم كما قلنا له أسس وأصول يستند عليها وهي كلية ولكن الخلاف في تفاصيل هذه الأصول والأسس والقواعد فلا يوجد من يقول أنه يؤخذ بأقوال الأئمة من علماء الطائفة ولكن كيفية الأخذ هو ما فيه الإختلاف:
1ـ بعض يقول لابد أن يصح السند ويكون صحيحا او قريبا من الصحة وما إلى ذلك حتى يؤخذ بالحديث وما لم يصح لا يؤخذ به بل بعضهم زاد وقال: أنه لا يؤخذ بالحديث الصحيح إن كان مخالفا لمحكمات القرآن وهو ما يسمى بمبنى الوثاقة والذي عليه السيد الخوئي وجملة من تلاميذه المجتهدين رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين.
2ـ بعض قال: إن كان مضمون هذا الحديث يوافق محكمات القرآن فيؤخذ به وهو ما يسمى بمبنى الوثوق وعليه كثير من المراجع والمحققين الكبار من السابقين والتالين.
تنبيه آخر/ لابد من معرفة أن في الأخذ بالحديث ورده ليس فقط الإهتمام بالسند وعدمه بل ينطلق من منطلقات هي الاساس في كل منطلق ومنها:
1ـ المدرسة الكلامية التي يعتقد بها البعض فبعض يعتقد أن الإمام منصوص عليه ومعصوم فقط وهي أدنى مراتب الإعتقاد بالإمامة وعدم الإعتقاد بواحد من هذين الأمرين (النص والعصمة) يعني الخروج من دائرة التشيع لهم عليهم السلام.
فيبني جمي معتقداته على هذين الاصلين وحسب ولا يؤمن الكثير من على هذا الرأي بكثير من روايات العجائب والغرائب والكرامات لأنها تعتبر عنده غلو، وهذه هي مدرسة النجاشي وابن الغضائري وهو ظاهر في توثيقهم وتضعيفهم للرجال فترى كثير ممن جرحهم النجاشي وابن الغضائري ومن هم على هذه الطريقة هم من أصحاب الأسرار والتابعين الكبار كالمفضل بن عمرو وجابر الجعفي وعمرو بن شمر ويونس بن ظبيان وغيرهم الكثير.
وعلى هذا الأساس جرت منهجية القميين القدماء وهم الأشعريون الذين اسسوا (مدينة قم) حتى أنه تم طرد المحدث الكبير (ابو جعفر احمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفى عام 274 أو 280هـ) لأنه كان يعتقد بأكثر مما يعتقدون ولكن في آخر المطاف أرجعه كبير القميين احمد بن محمد بن عيسى واعتذر إليه بل ومشى حاسرا حافيا ليبرئ نفسه مما قد قذفه به(2).
2ـ بعض يعتقد بأكثر من ذلك فيعتبر من تقدم كالقميين مقصرة ويعتبر من يعتقد أكثر منه أنه مغال.
3ـ بعض يعتقد بكل ما جاء من فضائل ومناقب فيهم عليهم السلام حتى لو كانت الأخبار ضعيفة الإسناد إلا أنه موافقة للقرآن ولا شئ يعارضها فيعتبر من تقدم في كلامنا مقصرة.
ونفس الأمر يجري في الخطبة التطنجية والبيان وغيرهما من الخطب، وعلى هذا المنوال تجري رياح الاعتقاد.
إذن/ تبين لنا أن المدرسة الإعتقادية لرواة الأخبار أو الرجاليين لها مدخل كبير جدا في منهج بعض الرجاليين من حيث التوثيق والتجريح، وعليه يتضح أن كل علم هو أدرى فالسيد كمال الحيدري والسيد عادل العلوي ومن المتقدمين كالسيد هاشم البحراني والعلامة الحلي والمجلسي والفيض الكاشاني فهم أعرف بتخصص العقيدة وما يرتبط بها.
وعليه/ يجب عدم التدخل في تخصصات الآخرين والتي هي من اختصاص علماء اجلاء ، فليس من السهل الإعتقاد بأمر وترك الآخر بسبب رواية سواء صحيحة أم غير ذلك، بل نجد أن العلماء الكبار لا يجزمون بشئ ولا يكون لهم رأي في أي علم إلا بعد أن مخض العلم مخضا ، وحصه تمحيصا ولن يبلغ اقصاه لأنه قطرة من بحر ولكن حتى يبرء ساحته أمام الله فلا يتجرأ بقول شئ يندم عليه لاحقا.
والمهم / هو أنني أردت تبيان شئ مما قد يقع فيه الكثير من الشبهات والمغالطات وإن كان الحديث يطول ولو تحدثنا لمدة شهر وأكثر عن هذه الأمور فلن ننتهي، ولكن ليكون القارئ العزيز على اطلاع من خطورة هذا الأمر وأنه قد يؤدي إلى الإنحراف والعياذ بالله.
وكذا تنبيها لمن انخرط في التدخل فيما لا يعنيه وليتذكر أن كل علم كما بينا يحتاج إلى درب من العلم والمقدمات الأساسية القوية والمتينة ليدخل في ذلك.
وكذلك أيضا/ أنبه أن ما جرى من مناوشات في المنتدى لم تكن إلا حماسة مراهقة، وإلا فهناك أمور أوجب وأهم يجب تعلمها كمسائل الصلاة والصيام وغيرها وكذا يجب مسائل التوحيد والإمامة وأصول الدين لدفع شبهات الآخرين وليس الدخول في متاهات ظلماء فيشرب البول يحسب أن ماءاً، ويأكل العذرة يحسب أنه أكل لحما.
كل ذلك لأنه في ظلام ولأنه عطشان وجائع فيؤكل ما يجد ويشرب ما يجد ولكن في نفس الأمر لو لم يقصر هذا الإنسان في المقدمات لوجد ما يأكل وما يشرب مما أباحه الله تعالى.
وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين
*****
(1)هامش: بحار الأنوار ج26 باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية ص2.
(2)هامش: المحاسن للبرقي ج1 مقدمة الكتاب.
للزيادة في هذا الأمر: راجع كتاب الاجتهاد والتقليد واثره في التراث الاعتقادي من سلسلة بحوث في مباني علم الرجال للمحقق آية الله الشيخ محمد السند ج2.
(الموضوع من إنشائي)