|
|
رد: السكن مع أهل الزوج للنقاش
السلام عليكم :
أشكر صاحبة الموضوع هتاف المحبة , وقد كتبتُ بعض السطور في مداخلة لي سابقة تضمنت نفس الموضوع , لا بأس من أنْ أعيدها مع بعض التصرف , وأتمنى أنْ تكون فيها ولو بعض الفائدة , وهي في عدّة وقفات :
الوقفة الأولى
تمهيد :
في الموضوع عنصران بارزان يعتبران مرتكزين هامـّين لتحديد المسار الصحيح في قبول الزوجة أو حتى أهلها السكنى مع زوجها في بيت أهله أو الرفض , فالكل ( أهل الشاب وأهل البنت ) يهدف إلى تحقيق هذين العنصرين في آنٍ معاً , وهذان العنصران هما :
1- ضمان السعادة الزوجية بين الزوجين والمحافظة على استمراريتها .
2- المحافظة على الآصرة الأسرية بين الزوج وأهله .
لذا لابدّ لنا من توفير الظروف الملائمة التي تضمن لنا استمرارية هذين العنصرين بعيداً عن العواطف المجرّدة , أو الفرضيات الهزيلة , بمعنى أنّ قرار القبول أو الرفض ينطلق على ضوء تحقيق هذين العنصرين , وإنْ خالف ذلك رغبات أي طرفٍ من الأطراف .
الوقفة الثانية:
ما هي مبررات من يرفضون السكن مع أهل الزوج ؟
1- فقدان الخصوصية التي يسعى إليها الزوجان ولا يمكن تحقيقها إلاّ من خلال سكن ٍ خاص بهما
وهذه الخصوصية قد تغيب في ظل القيود التي تحيط بالزوجين , فإذا كان بيتا ً مكتظا ً بأفراده , فما من شك أن ّ تحصيل الخصوصية في مثل هذه الحالة صعب ٌ جدا ً , فأوقات الراحة الخاصة بهما ليس بأيديهما , وهما ملزمان باقتناص الفرصة ليتحقق لهما جزء ٌ بسيط مما يتطلعانِ إليه .
فحصول الزوجة على غرفة بدورة مياه مشتركة في البيت سيختلف كثيراً عن حصولها على غرفة ودورة مياهٍ خاصة بها , وهكذا فعيشها في جناحٍ خاصٍ في البيت بكامل خدماته سيعطي الزوجة خصوصية أكثر , وستكون الخصوصية أوسع مع حصولها على شقةٍ كاملة تابعةٍ للبيت , وخلاصة ذلك : إنّ قبول الزوجة بالعيش في بيت زوجها سيكون أقرب إلى القبول كلّما كانت نسبة الخصوصية أعلى تناسباً طردياً .
2 - قلق البنت أو أهلها من عدم الانسجام مع أهل هذا البيت , ومحاولة درء أي إشكالية قد تحصل في المستقبل بين البنت وأهل زوجها خصوصا ً إذا كان للزوج أخوة ٌ متزوجون في نفس البيت وعندهم أولاد ٌ, وهذا قد يحصل نظرا ً لاختلاف الطبائع , وتزاحم المصالح , وفي أحيانٍ أخرى قد تلعب الغيرة دورها في هذا الجانب , فهذه الأم قد يداخلها إحساس بالتهميش من ابنها وهي ترى جل ّ اهتمامه ينصب على زوجته , وربما يكون عند الزوجة نفس الشعور تجاه أم زوجها في أحيانٍ أخرى ( رغم أنّ هذه الفرضية ستبقى قائمةً حتى مع بعد الولد عن أمه ولكنّها بصورة أقلّ ) , وفي جانب آخر وجود زوجات الإخوان , وما قد يتسبب فيه توزيع المسئوليات داخل البيت من اختلافٍ أو رفض أو تمرد كلّي ٍ أو جزئي ٍ من هؤلاء الزوجات أو إحداهن , وليست هذه النظرة تشاؤمية ً بقدر ما هي واقع لا يسعنا الهروب منه , فبيتٌ هكذا مواصفاته لا بدّ له من إدارة حكيمة وواعية فهل إلى ذلك من سبيل .
3- قد يكون حجم المسئوليات المطلوبة من البنت كبيرا ً بحيث يتعارض أحيانا ًمع الخط الذي رسمته لحياتها , ومن ذلك إذا كانت طالبة ً وتريد مواصلة دراستها أو دراسة تخصص يتطلب منها جهدا ً مضاعفا ً خصوصا ً إذا كانت فكرة مواصلة الدراسة مقبولة عند الزوج أصلاً , أو كانت موظفةً معلمة ً أو غير ذلك , وطبيعة عملها قد يفرض عليها نمطا ً خاصا ً بها في حياتها , وجدولة ً معينةً لأوقاتها , ويمكنها تحقيق ذلك كله من خلال القبول والتفاهم في هذا الأمر بين الزوجين , من خلال سكن ٍ خاص ٍ بهما .
قد يبدي أهل الزوج عند خطبتهم هذه البنت ترحيبهم بالطريقة التي تريد أن تنتهجها البنت في حياتها , وأنـّهم ليسوا ضد طموحاتها , ولا يطالبونها بأي مسئولية , والمهم عندهم سعادة ابنهم لا غير ( وقد تغلب عند الخطبة المجاملات وحب الظهور في صورة المتسامح السهل الليّن في كل شيء ) , إلاّ أنّ هذه النظرة قد تتغير أحيانا ً بعد الزواج , فيبدون شيئاً فشيئاً تذمّرهم من البنت وتخليها عن بعض المسئوليات التي يرون أنـّه من واجبها فعلها .
يضاف إلى ذلك أنّ أسباب الرفض للسكن مع أهل الزوج أحياناً تعود للولد نفسه ( الزوج ) , ومن بين الأسباب ما يلي :
1- وجود تجربة سابقة في البيت تعكس الصورة المستقبلية لزواجه من خلال أخوته المتزوجين قبله وكان الحلّ الأجدى فيها هو الاستقلال في السكن .
2- وجود أب متسلط أو أم متحكمة إلى الحد الذي يلغي شخصية الولد ( الزوج ) أمام زوجته , أو يضيّق عليه حياته , ويهزّ استقراره , والسعي للهروب في سكنٍ خاص لئلا يكون جبهةً معارضةً لأبويه , فقد سمعنا عن أبٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً على الابن إلاّ أحصاها وحاسبه عليها .
3- غياب الوعي الكافي عند الولد ( الزوج ) عن كيفية التوفيق بين رغبات زوجته وحقوق أهله عليه , فيلجأ إلى السكن الخاص هروباً من المشكلة .
4- توفر المقدرة المادية على الاستقلال في السكن وحب الخصوصية .
الوقفة الثالثة :
ما هي مبررات المؤيدين للسكن مع أهل الزوج ؟
يغلب أن يكون هؤلاء هم أهل الزوج نفسه , والأسباب كثيرة منها :
1- ما من شكٍ أنّ الوالدين يزعجهما ابتعاد ابنهما عنهما واستقلاله في سكنٍ خاصٍ ( حتى على فرض أنّ بيت هذا الولد هو ملك وليس استئجاراً ) فالأصل أنّ الوالدين يسعدهما قرب أبنائهم منهم ورغم فرحهم بما يستجدّ في حياة أبنائهم وبناتهم من أمور إلاّ أنّهما يحزنان لفراقهم كمثل فرحهم بزواج ابنتهما إلاّ أنّ خروجها إلى بيت الزوجية يصعب على نفسيهما , وملخص القول : إنّ التركيبة النفسية للوالدين لا يزيدهما قرب أبنائهما إلاّ سعادة , وبعدهم عنهما إلاّ ألماً .
2- أن يكون هذا الولد هو عماد البيت الذي يتكئون عليه ويرمون أحمالهم فوقه .
3- شفقةً على الولد من العبء المادي من الاستئجار وما يلحقه من تبعات خصوصاً إذا كان ذا راتبٍ قليل .
4- لمّ شمل الأسرة وتوطيد الرابطة بين الأبناء , والكون بالقرب لخدمة الوالدين خصوصاً إذا كانا ضعيفين , أو كان هذا الولد وحيدهما .
الوقفة الرابعة
كيف نعالج شرط السكن المستقل ؟
تحدثنا آنفاً عن بعض مبررات الرافضين لفكرة السكن مع أهل الزوج , ولكن كيف سيواجه الشاب هذا الشرط ويتعاطى معه ؟
سأورد هنا بعض أسس المعالجات الخفيفة التي تتعلق مباشرةً بالزوج نفسه , ولست أدّعي أنــّها معالجات جذرية , ولن أحاول الإسهاب في بعض النقاط منعاً للإطالة , وإنـّما أتركها لفهم القارئ الكريم :
1- أهمية الإحاطة بملامح الوسط الاجتماعي الذي تعيش فيه البنت ومدى توافقه مع الوسط الاجتماعي الذي يعيشه هو :
نعلم أنّ البنت في السابق وبسبب ثقافة اجتماعية عامة مقيّدة في أطرٍ معينة لا تكاد تتجاوزها , حتى طموحها كان محدوداً إن لم تكن بلا طموح يتخطى الزواج والإنجاب وتقديم الخدمة المنزلية لأفراد ذلك البيت الذي تعيش في وسطه فقط رغم قداسة هذه الرسالة الاجتماعية , ولكن أصبح بمقدور البنت اليوم أن تواصل رسالتها وتعطي أكثر من خلال انطلاقها في الميادين الحياتية وتفاعلها مع محيطها بالدراسة والتدريس وتطبيب المرضى وغيرها , ورغم أنّ هذه الانطلاقة جميلةٌ ولكنـّها أفقدتنا رونق الماضي والبيوت الكبيرة ذات الأسر المتعددة , بل إنّ هذه الانطلاقة فرضتْ علينا نمطاً جديداً لحياتنا , لذا من المهم جدّاً التعاطي معها بإيجابية ودون احتقانٍ اجتماعي نحوها .
والخلاصة من هذه النقطة : إذا كان ليس بإمكان هذا الشاب توفير سكنٍ مستقل لزوجته عند الزواج أو في فترة مستقبلية قريبة فمن الأولى أن يقع اختياره على بنت بحيث يكون الوسطان الاجتماعيان لهما منسجمين , وسأضرب لذلك مثلاً :
شاب لا يملك القدرة البتـّة على توفير سكن مستقل , فكيف له أن يتزوج بطبيبة أو طالبة تدرس في كلية الطب مثلاً ولا تعدو خصوصيته في البيت سوى غرفته ودورة مياه , والكل مطالب في هذا البيت بالخدمة والقيام بالأعمال المنزلية مقسـّمةً بين نساء العائلة في الوقت الذي تحتاج فيه هذه البنت إلى من يخدمها ؟
2- عمل دراسة شاملة وتقنين للميزانية العامة للزواج ابتداء من المهر ومروراً بعقد القران وانتهاءً بحفل الزفاف لا أن يكون الصرف عشوائياً وحسب الحاجة , فمن الضروري إحصاء ما لديك من نقدٍ متوفر ٍ , وكم ينقصك لاستكمال المبلغ , وما هي الوسائل المتاحة التي يمكن بها توفير هذا المبلغ , وما هي خطّة الصرف ؟
في تصوري بالنظر إلى ما يدفع من أموالٍ طائلة في مشروع الزواج فلدى الشاب مساحة مرنة يستطيع التحرك في كنفها بحرية بحيث يقتصد في الصرف في أمورٍ عدّةٍ أو يلغيها تماماً حسب تشخيصه للموضوع عسى أن يوّفر مبلغاً من المال يكون صرفه في شئون السكن أولى مضافاً إليه الاستفادة من المنح والقروض الحكومية من فروع بنك التسليف وغيرها التي نشطتْ كثيراً مؤخراً , وانضوائه تحت مظلة مهرجان الزواج الجماعي للتخفيف من عبء الضيافة .
3- قد يكون هناك انسجامٌ بين أخوين فيستثمران هذا الانسجام بينهما في أن يعملا معاً على أن يستقلاّ سكناً خاصٍاً بهما الاثنين شراءً أو بناءً أو استئجاراً بحيث يكون لكل واحدٍ جزءٌ خاص , وأعني من هذه النقطة هو تفعيل روح الشراكة والتعاون بين الإخوان من أجل هدفٍ واحد , فقد لا يستطيعُ شابٌ تملك بيتٍ بمفرده , ولكن بالتعاون مع أحد إخوانه وحسن التوكل على الله سبحانه ستتهيأ لهما الأسباب للحصول على مرادهما .
الوقفة الخامسة:
ما مدى تمسك أهل البنت ( الزوجة ) بشرط السكن المستقل إذا تقدّم لابنتهم شاب مؤهل اجتماعياً للزواج من الناحية الدينية والأخلاقية والوظيفية ولكنــّه لا يمتلك القدرة على الاستقلالية في السكن لأسبابٍ مادية ؟ أم سيكون شرط السكن المستقل ملّحاً ويـــُبنى عليه قرار القبول أو الرفض ؟
هذا الشرط في المنظور الشرعي هو شرطٌ نافذٌ يجب الوفاءُ به , وتبعاً للظروف النفسية والاجتماعية المحيطة بالبنت فقد تأخذ مسألة السكن المستقل أهميةً كبرى في بناء السعادة الزوجية , ولكن ماذا نصنع إذا كان المتقدم للخطبة ممن يصعب التفريط فيه لامتيازه دينياً وأخلاقياً ؟
إنّ الأمر بالفعل محيــّرٌ جداً ويبقى الفيصل هو التعاطي بكل موضوعية مع الواقع بحشد كل الإيجابيات والسلبيات وما نستطيع التغاضي عنه وما لا نستطيع التغاضي عنه في خصوص هذه الناحية , ولكن بمعايير متوازنة لا دخل للعواطف فيها , فليس من الحكمة التشبث بهذا الشاب إذا كانت لدينا مؤشراتٌ سلبية لمستقبل حياتهما الزوجية خصوصاً إذا كانت البنت ( الزوجة ) نفسها متمسكةً بهذا الشرط ولا تجد في نفسها مجالاً للتغاضي عن هذا الشرط , وليس من العقل التفريط فيه ما دامت المؤشرات إيجابيةً , كما لو أبدتْ البنت استعداداً نفسياً للقبول بهذا الشاب بغض النظر عن الاستقلال في السكن , فليس للأهل وضع العراقيل الكثيرة لإقناعها بضرورة تمسكها بهذا الشرط , خصوصاً إذا كانت مسألة السكن الحالي مؤقتة إلى حين وتتغير الظروف إلى الأحسن , ولا يعني هذا تغييب دور الأبوين في الحالتين في ضرورة تبادل وجهات النظر ومحاولة وضع حلول مريحة لجميع الأطراف .
الوقفة السادسة ( الأخيرة ) :
وحيد والديه وهمسة في أذن الزوجة :
في تصوري : إنّ الزوجة ستكون حاكمة هذا البيت وأميرته ما دام الشاب هو وحيد والديه , فليس من الحكمة إجباره على الخروج عن البيت والسكن بعيداً عنهما وعن خدمتهما , بل بمقدور الزوجة تحقيق كل ما تتمناه كما لو كانت في سكنٍ مستقل خاص بها متى ما استشعرت في نفسها المسئولية تجاه هذا الزوج ووالديه , بل من الجميل أن ترفض هي هذا الإجراء من الزوج متى ما فكّر الانعزال عن والديه وهو وحيدهما , فهي بالسهل اليسير تستطيع كسب قلبيهما لتصبح لهما بنتاً بارةً وهما لها والدين عطوفين رحيمين بها , وهذا جزءٌ من التعبير عن حبها لزوجها وإكرامها لأهله , قد يشتكي بعض زوجات الأبناء أنّ هذين الوالدين أو أحدهما يختلقان المشاكل وهنا يبرز دور الزوجة العاقلة في تفهم هذا الوضع ومجاراته بكسب المواقف وتسجيلها لصالحها , فجزءٌ من مساندة الزوج والوقوف معه هو تحملها بعض ما يصدر من أبويه من أخطاء أو فضاضة في الأخلاق .
هذا بعض ما استجمعته من خلال استقراءي لبعض الصور في مجتمعنا الحبيب وأملي أن أكون قد وفقت ُ للتعبير عنها بما فيه الفائدة .
تحياتي
|