السلام عليكم :
النظرة السلبية للعاملات في المستشفيات لا زالت تسيطر على فهم شريحة من المجتمع , وإن قلّت حدّتها عن السابق , ولعلّ هذه النظرة لها جذورها حينما كانت أغلب العاملات في المستشفيات هنّ من جنسيات أخرى عربية وغير عربية لهنّ سلوكهنّ الخاص المستوحى من بيئتهنّ وثقافة مجتمعاتهن , على أنّنا لانبرأ بنات وطننا من بعض السقطات التي أكّدت النظرة عند المتشائمين من عمل المرأة في المستشفيات , ولكن لا بدّ لنا أن نكون منصفين في الحالات كلّها , فلماذا لا نتحدث عن الشاب الذي يعمل في أجواء مختلطة بينما نرّكز على الفتاة فقط , بمعنى آخر هل سنبرر رفض فتاة لشاب يعمل في المستشفى ؟ الجواب : لا لا أعتقد ( طبعا هذا هورأيي الشخصي ) , هل سترفض الفتاة الاقتران بطبيب أو ممرض أو أي شاب آخر يعمل في مستشفى ؟ لو فعلت لا شكّ سيقال عنها : ساذجة أو مجنونة أو أو ....... , إذن المشكلة ليست في الاختلاط نفسه ولكنّها أزمة ثقة في مجتمعنا تجاه فتياتنا , فنحن لا نثق في البنت ولا في تصرفاتها ولا مقدرتها أن تكون نموذجاً مثالياً إلاّ تحت نظرنا وبشدّة مراقبتنا لها فمتى غابت عن أعيينا أخذت تساورنا الشكوك والطعون في سلوكياتها , رغم أنّ هذه الأزمة ( أزمة الثقة ) نحن من خلقناها , وساهمنا في تجذيرها كمبدأٍ خالصٍ من مبادئنا في حين أنّنا قادرون على أن ننميَ هذه الثقة , ونصنع من ضعف الفتاة قوّة من خلال زيادة وعي الفتاة بطبيعتها وطبيعة من حولها من الرجال , فليس من الصواب أن تخرج فتاة من بيت منغلقٍ بالكامل عن كل ما حولها حتى عن بعض التقنيات الحديثة كالجوال والانترنت مثلاً ولم تختلط حتى مع مثيلاتها من الفتيات , ونزجّ بها في أجواء كهذه مختلطة دون أن نخضعها لدورة مكثّفة عن طبيعة ما ينتظرها في مثل هذه الأجواء , وأن نضع يدها على بعض ما يهمّها معرفته عن هذه الأجواء , فسلوك الأسرة وثقافتها له دوره الذي ينعكس على سلوك الفتاة في مجتمع مختلط كالمستشفى خصوصاً إذا كانت حديثة السن أو غير متزوجة , فكثيرٌ من الأخطاء الأخلاقية التي تقع فيها بعض العاملات من بناتنا ناتجٌ عن جهلها بمحيطها وعدم وعيها بطبيعة الرجل .
قد يقول قائل : إنّ أزمة الثقة مصدرها الخوف على الفتاة , لذلك نمنعها البتّة من العمل في هذا الأجواء , لأنّنا رغم ثقتنا بتربية ابنتنا التربية الصالحة غير أنّنا لا نثق بمن حولها ولانأمن جانبهم , وهذا صحيح غير أنّ ما نسميه بالتربية الصالحة هو خير ضمان من الوقوع فيما لا تحمد عقباه , أمّا الخوف من تعرضها لبعض المضايقات والمشاكل فهذا واردٌ , وما ستتعرض له الفتاة في المستشفى من بعض الساقطين أخلاقياً , قد تتعرض له في الأماكن العامة كالأسواق , والمتنزهات وغيرها من الأماكن المختلطة , فإذا اجتمع عند الفتاة عنصران : التربية الصالحة والوعي بالمحيط أصبحت في حصنٍ حصين عن أن تقع في فخّ المعتوهين أخلاقياً , وأعتقد أنّ هذين العنصرين متلازمان ولا يمكن الفصل بين أحدهما والآخر .
وممّا يثار في هذا الشأن أيضاً : أنّ من أهمّ النقاط التي تجعل بعض الشباب تحجم عن الاقتران بفتاة تعمل في المستشفى هو أنّ الفتاة تفقد بعضاً من أنوثتها التي تتسم بالنعومة والرّقة ,, وذلك لتعوّدها على التعاطي مع الرجال , وهذا شبيه بمن يقول : إنّ البنت التي تنشأ وحيدة بين إخوانٍ ذكورٍ تميل إلى السلوك الذكوري في تعاطيها مع مثيلاتها , والعكس بالنسبة للشاب الذي ينشأ وحيداً بين أخواتٍ إناثٍ , وفي الحقيقة لا أعلم مدى دقّة هذه الفكرة أو هل هناك من بحثها بحثاً دقيقاً , غير أنّنا لو فرضنا أنّ فيها شيئاً من الصحة , لن تبلغ إلى الحدّ الذي يكون ظاهرةً مزعجةً وواضحةً للعيان , وإلاّ لكانت كل امرأة متزوجة ولديها أبناء ذكور فقط بالإضافة إلى زوجها بنفس المثابة , و هذا ما لم يسجّل قط .
لكن ممّا يؤخذ في هذا الإطار هو أنّ الفتاة في بداية عملها في هذه الأجواء قد تكون متحفظةً كثيراً في خصوص تعاطيها مع الرجل , فهي قليلة التعامل مع الرجال ( العاملين أو المراجعين ) إمّا حياءً , وإمّا خوفاً , وإمّا تعففاً , ولكنّها مع مرور الوقت قد تتخلى شيئاً ما عن تحفظها ليصبح التعامل سهلاً وتلقائياً قد يصل أحياناً إلى رفع التكلّف والمزاح بحكم قربها من الرجل وهذا سببه الاختلاط , ولي هنا تعليقٌ في نقاط :
1- تغيّر درجة التعاطي مع الرجل من صفر مثلاً إلى 50% أو إلى أي نسبة شيءٌ طبيعيٌ , فأي أمر يواجه الإنسان ككل سيكون تعاطيه معه في البداية ضعيفاً ومع مرور الأيام سيتكون نوعٌ من الألفة والقبول والاندماج , قد يكون هذا الأمر إنساناً آخر , قد يكون مكاناً أو يكون زماناً أو يكون عملاً وغيره , ولذا حال المتزوجين حديثاً يختلف من بداية الزواج عنه بعد سنوات عدّة فقد سقطت كثير من الحواجز النفسية بين الطرفين مما جعل طريقة التعامل أكثر جدّية وأكثر جرأة , وهذا يحدث كذلك بين العاملين في موقع واحد فالأيام كفيلة بأن تسقط الحواجز النفسية ولو بنسبة بسيطة شرط أن لا تخرج عن حدودها الشرعية والأخلاقية , وهذا يجرنا للنقطة التالية .
2- ضرورة استحضار القيم الدينية والأخلاقية في طريقة التعامل بين العاملين سواء من الرجل تجاه المرأة أو العكس فليس الأمر مقتصراً على المرأة فحسب غير أنّ المجتمع يحسب على المرأة أنفاسها , أمّا الرجل فهما يكن لا بدّ أن تحفظ له رجولته وأن لا يقلل من شأنه , ولذلك بعض من يقولون : إن الفتاة في البيئة المختلطة تفقد بعض خواصها ومنها جرأتها في الحديث مع الرجل , فأنا أجزم أنّ ذلك صحيحٌ مئة بالمئة , ولكن هناك من تكون معاييرهم معتلّةً ومضطربة , فعندهم تلك الفتاة الهادئة الخجولة التي لا يسمع منها الهمس , أصبحت اليوم تتكلم بطلاقة مع الرجل بحكم تعاطيها اليومي معه , وهذا دليل على الخلل الذي تعيشه هذه الفتاة بعملها في هذا الجو المختلط , وهذا القول غير مقبولٍ بتاتاً لأنّنا نطبق معايير مجتمعية خاصة تتوافق مع طبيعة مجتمعنا في الحياة العامة , وهذا هو الخلل الحقيقي الذي يقع فيه كثير من الناس , إذْ لا بد أن يكون للمنشأة الصحية معاييرها الخاصة بها تقتضيها طبيعة العمل بما لا يخرج عن الإطار الشرعي الذي يدين به الجميع ( وهذا ما نؤكد عليه , ولا نقبل التنازل عنه ) فليس لنا أن نطالب الفتاة العاملة بالمستشفى أن تتعاطى مع شريكها في العمل كما تتعاطى مع رجل الشارع فالمعايير بين هنا وهناك مختلفة , ولذا تجد بعض الفتيات اللاتي يردن أن يلتزمن بالمعايير المجتمعية العامة لا يلاقون قبولاً في دوائر عملهم فهذه الفتاة لا تريد أن تقترب من الرجل ولا أن تتحدث إليه , , ولا أن تتلقى أوامر منه وتريد أن تحتفظ بخصوصية في العمل تناسبها هي مما يحدث إرباكاً للعمل نفسه , ممّا جعل البعض يفضّل العاملة الأجنبية على بنت الوطن لهذه الأسباب , لذا نقول لمثل هذه الشريحة وأولياء أمورهم : إذا كنتم تجدون الحرج من وجود ابنتكم في هذا الجو ولا تريدون التقيد بما يستوجبه وجود بناتكم هنا فمن المفترض عليكم أن ترفضوا من البداية دراسة ابنتكم لهذا التخصص , أمّا أنّكم توافقون عليه ومن بعد ذلك تكون عندكم تحفظات ومخاوف وتحاولون أن تفرضوا طابعاً خاصاً بكم في جو العمل فهذا غير صحيح , وكل من له رؤية سلبية لعمل بنات الوطن في الأجواء المختلطة فرأيه محترم , ولكن لا يحق له أن يلقي بالتهم جزافاً على كل من تعمل في هذا المجال , على أنّ هناك أخطاءً تحدث من بعض العاملين والعاملات من أبناء وبنات الوطن لها أسبابها , ولكن لا يسع المجال لذكرها في هذه الإطالة السريعة .
أأسف على الإطالة , وأشكر صاحب الطرح على موضوعه , وأسأل الله لكم التوفيق .
تحياتي