بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
إشكال الدكتور محمد على الرواية الأولى :
قال : (( هذه هي أولى روايات عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، وبشيء من التأمل يمكن لمس الطابع السردي الأسطوري المهيمن على مضمونها؛ فقارئ النصّ يتخيّل له استقرار الإله والملائكة على جانب يقابله آخر يقطنه أهل الأرض، وأنّ هناك معركة دائمة ومبيّتة.
أما نار جهنم فهي ما تفتأ أن تدخل صراعاً مع من هو موكّل بها من الملائكة، فتشهق وتزفر فيتدخّل الملائكة حفاظاً ورأفةً بأهل الأرض للحدّ من غضبها.
إنّ هكذا نوع من الخطاب لا يتلاءم مع المخاطب ـ أي أبي بصير ـ ولا هو من شأن المتكلّم وهو الإمام، فما ورد في هذا المتن كفيلٌ بإثبات الافتعال والوضع فيه، مضافاً لكون كتاب الراوي خير دليل على الخبث والتهافت في المعتقد حسب رأي العلامة الحلي )).
أولاً : يجب علينا أن نعرف " ان السند إذا صح كان حجة على العباد لأن خبر الثقة حجة - وهذا الأمر ثابت في علم الأصول - , وإن لم يصح لا يجوز رده لاحتمال أن يكون قد صدر عن أهل البيت ( عليهم السلام ) فيكون ردا عليهم كما ورد في الخبر الشريف " (1) , الذي رواه الشيخ الكليني والصفار رحمة الله عليهما بإسنادهما عن أبي عبيدة الحذاء قال : (( سمعت أبا جعفر ( عليه السلام ) يقول : والله إن أحب أصحابي إلي أورعهم وأفقههم وأكتمهم لحديثنا وإن أسوأهم عندي حالا وأمقتهم للذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا فلم يقبله اشمأز منه وجحده وكفر من دان به وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا أسند ، فيكون بذلك خارجا عن ولايتنا )) (2) , وقال العلامة المجلسي رحمه الله عن سند الحديث الذي رواه الكليني رحمه الله (( صحيح )) (3) , وسند الشيخ الصفار رحمه الله أيضاً صحيح.
بيان :
قال ابن منظور : (( واشمأز الشئ : كرهه )) (4).
وقال العلامة المجلسي رحمه الله : (( الشمز : نفور النفس مما تكره ، وتشمز وجهه تمعر وتقبض واشمأز انقبض واقشعر أو ذعر ، والشئ كرهه ، والمشمئز : النافر الكاره والمذعور انتهى.
" وهو لا يدري " إشارة إلى قوله تعالى : " بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله " ويدل على عدم جواز إنكار ما وصل إلينا من أخبارهم ، وإن لم تصل إليه عقولنا ، بل لابد من رده إليهم حتى يبينوا )) (5).
- ولا يحق لنا أن نكذب بالحديث إذا رواه شخص من غير أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام , وتدل على ذلك الروايات :
1/ روى البرقي بسند صحيح عن أبي بصير ، عن أحدهما - الإمام الباقر أو الصادق - عليهما السلام قال :
(( لا تكذبوا الحديث إذا أتاكم به مرجئ ولا قدري ولا حروري ينسبه إلينا ، فإنكم لا تدرون لعله شئ من الحق فيكذب الله فوق عرشه )) (6).
2/ وروى الشيخ الصفار رحمه الله بسند صحيح عن أبي بصير عن أحدهما - الإمام الباقر أو الصادق - عليهما السلام قال (( لا تكذبوا بحديث اتاكم أحد فإنكم لا تدرون لعله من الحق فتكذبوا الله فوق عرشه )) (7).
3/ وروى الشيخ الصدوق رحمه الله بإسناده عن أبي بصير ، عن أحدهما - الإمام الباقر أو الصادق - عليهما السلام قالوا : (( لا تكذبوا بحديث أتاكم به مرجئي ولا قدري ولا خارجي نسبه إلينا ، فإنكم لا تدرون لعله شئ من الحق فتكذبوا الله عز وجل فوق عرشه )) (8).
وكذلك لو كان من أهل الغلو.
ثانياً : قوله " فما ورد في هذا المتن كفيلٌ بإثبات الافتعال والوضع فيه ".
أقول : إمارات الوضع لا توجد في متن الحديث , وقد ذكر الدكتور عبد الهادي الفضلي حفظه الله تعالى هذه الإمارات في كتابه أصول الحديث ص 161 - 163 :
1/ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر القرآن الكريم ، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.
2/ أن يخالف مضمون الحديث ظاهر السند القطعية ، ولا يقبل التأويل بما يوافقه.
3/ أن يخالف مضمون الحديث بديهيات العقول.
4/ أن يخالف مضمون الحديث حقائق العلم وسنن الحياة ونتائج التجارب الناجحة والمشاهدات الصادقة.
5/ أن يحتوي متن الحديث إسرائيليات تخالف العقيدة الاسلامية.
6/ أن يحتوي متن الحديث فكرة من أفكار الغلو.
7/ أن يحتوي متن الحديث أسطورة من أساطير الأولين التي لا بينة على صحتها.
8/ أن يحتوي متن الحديث منقبة أو فضيلة لشخص أو جماعة أو بلد ، هو دون مستوى هذه المنقبة أو الفضيلة.
9/ أن يحتوي متن الحديث الإشارة إلى معجزة أو كرامة في موقف لا يقتضيها ولا يتطلبها.
رابعاً : قوله " مضافاً لكون كتاب الراوي خير دليل على الخبث والتهافت في المعتقد حسب رأي العلامة الحلي ".
أقول : ثبت فيما سبق أن هذا ليس كلام العلامة الحلي رحمه الله وإنما هو كلام الغضائري وكتاب الغضائري مشكوك فيه وحتى لو ثبت الكتاب فإن شهادة الغضائري مبنية على الحدس لا الحس.
أما ما جاء في كتاب النجاشي رحمه الله بأن كتابه فيه تخليط - غلو - فإن القائل مجهول الحال , في هذه الحاله لا يمكن الإعتماد على ما قيل حول كتاب الأصم.
--------------
الهامش :
1. منازل الآخرة هامش ص 262.
2. بصائر الدرجات ص 557 وأيضاً الكافي ج 2 ص 223.
3. مرآة العقول باب الكتمان.
4. لسان العرب ج 5 ص 362.
5. بحار الأنوار ج 72 ص 76.
6. المحاسن ج 1 ص 230 - 231.
7. بصائر الدرجات ص 558.
8. علل الشرائع ج 2 ص 395.