جهود الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي في دراسة العربية وتدريسها
(العرض. التعريف. الملامح)
الهدف من الكتابة في هذا العنوان هو الرغبة في قراءة الأبحاث والدراسات اللغوية التي أنجزها ش.د الفضلي على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في دراسة العربية وتدريسها، وهذه القراءة ضرورية ومهمة للاطلاع على قرابة الثلاثين كتابا في مختلف لغات العربية وآدابها .
عبدالهادي الفضلي ودراسة العربية:
حين عزمتُ على إعداد هذه المشاركة كان أمامي عدة خيارات، فاخترتُ منها أن أتحدث حول عنوان (جهود الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي في دراسة العربية وتدريسها)، فقمتُ بقراءة ما تيسر لي من كتبه حول عنوان الموضوع، مثل: (دراسات في الفعل)، و(التذكرة في اللغة العربية وآدابها)، و(البحث اللغوي في النجف الأشرف)*، والاطلاع على بعضها ولو لماما، مثل: (فَهرَسْت الكتب النحوية المطبوعة)، ومنها ما كنتُ قد قرأتُه سابقا، مثل: (مختصر النحو)، و(مركز الدراسات النحوية)، و(تهذيب البلاغة)، و(الشيخ محمد أمين زين الدين ودوره في إنماء الحركة الأدبية في النجف الأشرف وتطويرها)، وغير ذلك من مقالات أو دراسات من هنا وهناك .
كما قمتُ بقراءة فهرست مؤلفات ش.د عبدالهادي الفضلي، المنشور بمجلة الكلمة، العدد 55، خصوصا ما يتعلق بحقل علوم العربية وآدابها .
ولكن يبدو أنه من الصعب جدا الحديث في مقالة مختصرة في جلسة محددة الوقت والزمان عن تلكم الجهود التي قدمها ش.د عبدالهادي الفضلي في دراسة العربية وتدريسها لغة ونحوا وصرفا وأدبا وعروضا ونقدا وتاريخَ أدب، ولكن حسب المقولة الشهيرة (ما لا يُدَركُ جلُّه، لا يُتركُ كُلُّه)، لا بدَّ من الحديث في هذا العنوان، ولو بشكل موجز !!
منذ نعومة أفكاره كانت العربيةُ ولعَهُ وعشقه قبل أن تكون تخصصه، ولعلَّ لحضور المكان بعبقريته الجغرافية دورًا مؤثرا في ذلك، فقد كان مسقط رأسه في مدينة (البصرة) في العراق عام 1354هـ/ 1935م، ولقد كانت البصرةُ مدينة رائدة في دراسة العربية وتدريسها في مساجدها وجوامعها منذ أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي، وما قبله وما بعده .
في مدينة (البصرة) درس ش.د عبدالهادي الفضلي معظم مقررات مرحلة المقدمات الحوزوية، وعن البصرة يقول ش.د الفضلي:" حافظتِ البصرةُ على إرثها وتاريخها الحضاري منذ تأسيسها، ومنذ رجالها الأوائل: الفرزدق، والجاحظ، وبشار، والخليل، ففي كل أزمانها التي تعاقبت عليها كان للبصرة حركتها الثقافية (..) وخصوصا في الجوانب اللغوية والأدبية؛ حتى يمكن تسميتها (مدينة اللغة العربية وآدابها) الفقيه المثقف ص19 .
هذا ما كان من دور المكان، كما هي عبقرية العراق في مدنه وقراه من الموصل شمالا حتى البصرة جنوبا، هو مكان يضجُّ بالعبقريات العربية المتقدة دوما باللغة؛ حتى كأن اللغة هوية المكان !! أليس اللغة البابلية والسومرية والعربية من لغات المكان ؟! ولهذا كان للعراق النصيب الأوفى في نشأة علوم العربية ودراستها، فقد تأسست في العراق سبعة مراكز لدراسة العربية وتدريسها منذ بداية عصر التدوين، كما يذكرها ش.د الفضلي في كتابه (مراكز الدراسات النحوية)، هي: (البصرة)، و(الكوفة)، و(بغداد)، و(النجف)، و(الموصل)، و(الحلة)، و(إربل) .
ثم يأتي دور (الأم السيدة عقيلة البطاط)، وهي من البصرة أيضا، فهي تعرف معنى اللغة بوصفها (أُمًّا)، كما تعرف معنى أن تولد في البصرة، وتلد طفلها فيها، فاحتضنت الطفل اليانع منذ نعومة أفكاره ثلاث حواضن: (الأم) و(البصرة) و(اللغة)، فأين يذهبُ من قدره !؟
أخذته والدته مرةً، وهو طفل صغير معها، وكانت في زيارة للنجف الأشرف، وابتاعت من دكان صغير لبيع الكتب يقع في أول سوق العمارة كتابا صغيرا في النحو يسمى (الآجُرُّوميَّة)، وبعد عودتها من النجف إلى البصرة أعطته والده الشيخ المولع باللغة ليدرسه الكتاب، وكان لتوّه قد أكمل الصف الرابع الابتدائي في التعليم الحكومي، ثم توالى والده في تعليمه متون النحو وشروحه من (قطره)، ثم (ألفيته)، ثم (مغنيه)، ثم أتبع ذلك متون الصرف وشروحه من (مراحه)، ثم (شافيته)، ثم (مقصوده)، ثم أتبع ذلك متون البلاغة وشروحها من (مختصرها)، ثم (مطولها)، ثم (جواهرها) .. وهكذا؛ حتى استبدَّ الولعُ الفطريُّ فاستحال تَولُّعًا واشتغالا، ثم ما كان من دور بالغِ الأثرِ لأستاذه الشيخ الفقيه الأديب محمد أمين زين الدين، وأخيه في تغذيته بآداب العربية وأساليبها؛ حتى اشتد عوده، ونضجت سليقته اللغوية والأدبية واكتمل ذلك التولع بالدراسة الأكاديمية، فقد درس في مرحلة البكالوريس النحو والصرف على يد الشيخ عبدالمهدي مطر، ودرس تاريخ الأدب العربي على يد الدكتور عبدالرزاق محي الدين، ثم تبع ذلك دراسته في مرحلة الماجستير النحو لدى الأستاذ كمال إبراهيم، وفقه اللغة لدى الدكتور إبراهيم السامرائي، والبلاغة لدى الدكتور عبدالرزاق محي الدين، والأمثال العربية لدى الدكتور صفاء خلوصي، وتحقيق المخطوطات لدى الدكتور مصطفى جواد، وكان لأساتذته في هذه المرحلة كما في المرحلة التي قبلها بالغُ التأثير في دراسته وتعميقها، خصوصا الدكتور مصطفى جواد، والدكتور إبراهيم السامرائي .
ثم تلا ذلك تحضيره لرسالة الماجستير بعنوان (أسماء الأفعال والأصوات) 1390هـ/1970م، بإشراف الدكتور إبراهيم السامرائي، ومناقشة الشيخ عبدالمهدي مطر، والأستاذ كمال إبراهيم، والدكتور مهدي المخزومي . (وقد شملت الدراسة 81 اسمَ فعلٍ استوعبها المؤلف دراسة وبحثًا واستقصاءً في مصادرها من أُمَّاتِ الكتب النحوية واللغوية) .
بعد ذلك أكمل دراساته الأكاديمية العليا في (كلية العلوم) جامعة القاهرة بمصر، وذلك بتحضير رسالة الدكتوراه، وكانت بعنوان (قراءة ابن كثير وأثرها في الدراسات النحوية) عام 1395هـ/ 1975م؛ بإشراف الدكتور أمين علي السيد، ومناقشة كل من: الدكتور الشيخ إبراهيم نجا (وكيل جامعة الأزهر)، والأستاذ علي النجدي ناصف (عضو مجمع اللغة العربية) .
ش.د عبدالهادي الفضلي وتدريس العربية:
لم يعد درسُ العربيةِ ولغاتِها وآدابِها ونحوِها وصرفِها متوقفا عند حد التحصيل العلمي وحسب، وإنما غدا اهتماما خاصا، واجتهادا متواصلا، ولم يتوقف على درس المتون التراثية الأصيلة، بل أصبح موصول الوشائج بالدرس اللغوي الحديث درسا وتحصيلا .. قراءة وكتابةً .. توضيحا وتدريسا .. تهذيبا وتجديدا .. تعلُّمًا وتعليما !!
وقد مارس ش.د عبدالهادي الفضلي تدريس العربية ونحوها في الحوزة العلمية بالنجف، فقد درّس (قطر الندى وشرحه)، و(ألفية ابن مالك وشرحها)، و(مغني اللبيب عن كتب الأعاريب وتفاصيله)، كما أنه درّس شرح النظام للنيسابوري في الصرف، ودرّس علوم البلاغة من خلال (مختصر المعاني)، و(المطول) للتفتازاني، و(جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع) للسيد أحمد الهاشمي .
وقد مارس تدريس نحو العربية وصرفها في التعليم الجامعي بجامعة الملك عبدالعزيز في مدينة جدة . فهو حسب ما صرح به في إحدى محاضراته قد مارس تدريس العربية لمدة ثلاثين عاما .
ولا مِرْيَةَ في أنه أصبح خبيرا في مجال تخصصه، وموسوعيا في دراساته اللغوية والنحوية والأدبية، ومختلف التخصصات الأخرى ذات العلاقة بدراسة العربية وتدريسها .
وقد أشرف على رسائل علمية، مثل:
1ـ من الظواهر النحوية للحروف المستخدمة في القرآن الكريم (دكتوراه)، صباح بافضل، كلية التربية للبنات بجدة (إشراف بالاشتراك مع د. مصطفى الصاوي الجويني) .
2ـ الرومانسية عند بعض الشعراء السعوديين (ماجستير)، الشفاء بنت عبدالله زيني عقيل ، كلية التربية للبنات بجدة (مناقشة) .
3ـ الأجوبة المرضية عن الأسئلة النحوية، للغرناطي، (ماجستير)، تحقيق سلامة عبدالقادر، كلية الشريعة، جامعة أم القرى (مناقشة) .
وقد كتبت بعض المقالات حول حقل اهتمام ش.د عبدالهادي الفضلي بالعربية دراسة وتدريسا، ولكنها تحتاج إلى قراءة نقدية ومراجعة، وهي كالآتي:
1ـ الدكتور عبدالهادي الفضلي علم من أعلام العربية، وفخر للنحويين السعوديين المعاصرين، محمد خضر عريف، مجلة الموسم، العدد 9ـ10، 1411هـ/1991م .
2ـ أسماء عربية، الدكتور عبدالهادي الفضلي، الأستاذ حسين بافقيه .
3ـ الدكتور عبدالهادي الفضلي (النحوي الأكاديمي)، الأستاذ جعفر العمران .
4ـ الدكتور عبدالهادي الفضلي (عالم اللغة والنحوي السعودي)، عبدالإله صالح آل علي، بحث جامعي بإشراف الدكتور حمزة المزيني، وهذا الأخير أكبرها حجما، وأشملها .
ملامح عامة حول منهج التأليف في حقل العربية وتدريسها:
من خلال قراءتي في كتب ش.د عبدالهادي الفضلي يمكنني تسجيل الملاحظات الآتية حول (الملامح) العامة التي ينتهجها في كتاباته وتأليفه:
1ـ يحرص ش.د عبدالهادي الفضلي بشكل دائم على حضور (العربية) في كتاباته ومحاضراته وإشاراته من خلال التعريف بالمفاهيم والمصطلحات العلمية (تعريفا لغويا)، سواء كانت في الفقه، أو الأصول، أو الأدب، أو التاريخ، أو النقد (...)، وهي ـ بلا ريب منهجية علمية لا يكاد يحيد عنها، باعتبار أن (العربية) نحوا وصرفا ولغةً تشكل ركيزة أساسية سواء في عرض الأفكار وتوضيحها، أو بسط الآراء وشرحها، أو نقل الأقوال ونقدها .
ومثال ذلك يمكن أن نقرأ بحثه (المال دراسة فقهية مقارنة)، أو بحث (الغناء دراسة فقهية الحقيقة والحكم)، أو بحثه (الموجز في علم التجويد)، أو بحثه (التقليد والاجتهاد)، أو بحثه (بيع العربون)، أو بحثه (التبليغ الإسلامي)، وغير ذلك، فهو يهتم اهتماما خاصا في شرح المعنى اللغوي للمفاهيم محل الدراسة، بل ربما يستفيضُ في بيان وجوه المعاني اللغوية كما في تعريفه بمصطلح (التبليغ)، وهذه نقطة مهمة من نقاط اهتمامه بمنهجية البحث العلمي، وتأصيل المفاهيم تأصيلا لغويا، ثم اصطلاحيا .
وقد يتبنى رأيا فقهيا، أو يجتهد في استخراجه بناء على الاختلاف في تأصيل المفردة لغويا، كما في مناقشته لمادة (قوم)* اللغوية أثناء بحوثه الفقهية .
2ـ اهتمامه الخاص بالتنوع الكتابي في حقول العربية المختلفة سواء في اللغة، أو الأدب، أو النحو، أو الصرف، أو العروض، أو تاريخ الأدب، أو تحقيق التراث اللغوي المخطوط، وهذا جليٌّ وواضح من خلال ثَبَتِ كتبه ومسردِها، وقد تجلّى ذلك بشكل أوضح بتأليف كتابٍ خاصٍ حول ذلك بعنوان (تحقيق التراث)، يحكي تجربته في هذا الجانب، وكان لأستاذه الدكتور مصطفى جواد بالغ الأثر في هذا المجال بالذات .
ربما تناول البحث ـ أحيانا ـ بأسلوب العرض التاريخي الموجز، كما في كتابه مراكز الدراسات النحوية، وهو لا يقصد (الاستقصاء التام، أو الإحصاء المستوعب) لعنوان البحث، وإنما يفتح الباب لمن أراد أن يكمل هذا الجانب بشكل أكثر استقصاء واستيعابا، وفي كتابه الآخر (التذكرة في علوم اللغة العربية وآدابها) شيء كثير من هذا المعنى .
3ـ اهتمامه بعمل المشجرات والجداول والتصنيف العلمي أثناء التقسيم للأنواع، ويعبر عنه أحيانا بالخلاصة كما في كتابه (مختصر النحو)، ويرمي من ذلك إلى إعادة التركيز على النقاط الأساسية في الموضوع؛ لاستيعابها وسرعة تذكرها .
4ـ اهتمامه بعمل الإحصائيات ومراعاة التصنيف العلمي أيضا في دراسة الظواهر، ويمكن أن يكون كتابه (فهرَسْت الكتب النحوية المطبوعة) مثالا على ذلك، فقد احتوى الكتاب على 1265 عنوانا لكتاب نحوٍ عربي مطبوع حتى عام 1986م .
5ـ انعكاس أثر تجربته في التعليم الحوزوي والأكاديمي على منهجه في التأليف اللغوي، فقد استفاد الأصالة والعمق من التعليم الحوزوي، كما أنه استفاد المعاصرة والجدة وحسن التنظيم والاتساق وعمق التخصص من تعليمه الأكاديمي، وهذا يبدو واضحا في كتبه بشكل عام، وفي كتبه في علوم العربية وآدابها بشكل خاص .
6ـ محاولة الجمع بين رأي النحويين، ورأي الأصوليين، ورأي المدرسة اللغوية الحديث في مناقشة المسائل اللغوية أو النحوية . ويتضح هذا المعنى من خلال هذين المثالين من كتابه (دراسات في الفعل):
المثال الأول: في تناوله لموضوع اشتقاق الفعل، وعرضه الاختلاف بين النحويين البصريين والكوفيين في مسألة أصل الاشتقاق، هل هو الفعل أم المصدر، واستعراض أن العرب اشتقت من أسماء المعاني، وأسماء الأعيان( أذهب من الذهب، فضض من الفضة، أبحر من البحر، أثلج من الثلج)، واشتقوا أيضا من أسماء الأعيان المعربة (هندس، درهم، فهرس)، أشار أيضا إلى ميل الباحثين المحدثين، مثل: د. مصطفى جواد، ود. مهدي المخزومي، ود. إسرائيل ولفنسون إلى المدرسة الكوفية في مقاربتها لما تبنته المدرسة اللغوية الحديثة، والدرس اللغوي المقارن بين اللغات السامية، ثم ينقل في ص39 رأي مدرسة النجف الأصولية الحديثة بأن مبدأ الاشتقاق هو (المادة)، " ويريدون بالمادة الحروف التي تتألف منها المشتقات من دون ملاحظة وضع الهيئة والدلالة على النسبة، كمادة (ك.ت.ب) .
ويقول:" غير أن المشكلة لا تزال قائمة؛ لأنها مسألة تاريخية، وليست مسألة عقلية تخضع للتصور العقلي، والقواعد المنطقية" ويشير فيما بعد إلى ما انتهى إليه تطور المسألة لدى اللغويين المحدثين الذي أفادوا من مناهج البحث الحديث في دراسة اللغات دراسة مقارنة وتاريخية، وكان الرأي الذي انتهوا إليه هو أن أسماء الأعيان أو أسماء المعاني الحسية هي أصل الاشتقاق .
وفي نهاية المطاف يخرج بالنتيجة النهائية بعد عرض الأقوال ومناقشتها إلى القول ص45:" إن الرأي الذي يتمشى وطبيعةَ اللغة هو رأي المدرسة اللغوية الحديثة القائلة بأن مبدأ الاشتقاق هو اسم المادة، وأن الفعل هو الآخر مشتق منها "
المثال الثاني: في مسألة تقسيم الفعل، فقد قسم النحويون ـ حسب سيبويه ـ الفعل إلى ثلاثة أقسام، هي:" ما مضى (الفعل الماضي)، ما يكون ولم يقع (فعل الأمر والفعل المضارع الدال على المستقبل)، ما هو كائن لم ينقطع (الفعل المضارع الدال على الحال) . هناك تفاصيل (...) !!
ثم يقول:" أما ما قاله الأصوليون (حسب صاحب الكفاية) إن استقراء أمثلة الفعل تنهي ـ بداهة ـ إلى أن (الأمر) لا دلالة فيه على الزمان، وأن دلالته مقتصرة على طلب إيقاع الفعل فقط " .
ثم استعرض "المآخذ التي أخذها الأصوليون على تقسيم النحويين للفعل إلى ثلاثة أقسام مع سلامة الأساس، ولكن الاشتباه في التطبيق، فالأمثلة المأخوذة من الذهاب مثلا هي (ذهب) (يذهب) (اذهب)، فالأول يدل على وقوع حدث الذهاب في الزمان الماضي، والثاني يدل على وقوع حدث الذهاب في الزمان الحاضر، والثالث يدل على طلب إيقاع حدث الذهاب" .
ويضيف:" ويرجع هذا ـ كما يقول الأصوليون ـ إلى أن صيغ الأوامر ألفاظ إنشائية خالصة، والإنشائيات لا اقتران لها بالزمان (...) "
ثم استعرض ص54 جملة من الآيات القرآنية تدل سياقاتها على أن الأفعال يأتي كل منها لزمان غير زمانه إذا اقترن بما يصرفه إلى ذلك، مثل: دلالة الماضي على المستقبل، دلالة المضارع على المستقبل، ثم ينتهي إلى النتيجة النهائية في خاتمة الفعل، وهي أن الفعل ينقسم إلى قسمين: ماضي وحاضر .
7ـ مراعاة المنهج النحوي القديم، والمنهج الحديث في مناقشة الآراء، ففي تناوله لتعريف الفعل ومدلوله استعرض آراء النحاة القدماء، وذكر طرائقهم في تعريف الفعل، وهي: التعريف بالمثال (سيبويه، أبوبكر الزبيدي )، والتعريف بالقسمة أو الإسناد (أبوبكر ابن السراج، ابن مالك، بدر الدين محمد ابن الناظم، الاشموني)، والتعريف بالحد (الكسائي، ابن كيسان )، والتعريف بالعلامة أو الدلالة (أبوالقاسم الزجاجي، أبوعلي الفارسي ..) .
وفي ص16 يقول:" وبعد هذا العرض المقتضب لطرائق تعريف الفعل في المنهج النحوي القديم؛ لا بُدَّ من محاولةٍ لاستجلاء مدلول الفعل في ضوء المنهج الحديث (...) باعتبار أن الفعلَ وحدةٌ لفظيةٌ؛ أي مجموعة أصوات ذات نظام معين يأخذُ وظائفَ معينةً في الاستعمال اللغوي الاجتماعي، فيأخذ وظيفةً دلاليةً، وأخرى صرفيةً، وثالثةً نحويةً، ومن خلال معرفتنا لهذه الوظائف نستطيع أن نتبين مدلول الفعل بوضوح .."
8ـ مراعاة الاختيار بين مختلف المدارس النحوية في تبني الآراء وترجيحها، فهو ليس مقلدا للمدرسة البصرية، رغم أنها (مسقط رأسه)، وإنما يستعرض الآراء ويناقشها حسب المنهج العلمي، فهو يقول في كتابه دراسات في الإعراب، ص157:" وبعد هذا التطواف مع الإعراب تعريفا ونقدا، والذي كَوّفْتُ فيهِ وبَصّرْتُ مغرقًا مع تاريخ الفكر النحوي في ترامي أزمانه ثم عدت فَعَاصَرْتُ متعاملا مع الفكر النحوي الحديث في تجاربه ونقداته وآراء رائديه "
ما زال الشيخ الدكتور عبدالهادي الفضلي مدرسةً من مدارس تعلّم العربية وتعليمها، وحرِيٌّ بنا أن نتعلمَ منها فَنَّ الدّرسِ اللغويِّ، وفنَّ إتقانِه، وقبلَ ذلكَ وبعدَه نتعلمَ أدبَ الدّرسِ والنّفسِ .
جابر عبدالله الخلف
11رمضان 1432هـ
ـــــــــ
الهوامش والتعليقات:
* في البداية لا بد من الشكر والعرفان للأخ أبي حيدر أحمد الفايز فقد استفدتُ منه كثيرا، فقد شارك في توفير مجموعة من المصادر والمراجع القيمة من كتب ش.د عبدالهادي الفضلي، والشكر والعرفان موصولان للأخ حسين منصور الشيخ فقد استفدت من بعض كتاباته حول الشيخ الدكتور الفضلي خصوصا فهارس كتبه، وكتابه الآخر (الدكتور عبدالهادي الفضلي تاريخ ووثائق) .
* قرأتُ كتاب (الدرس اللغوي في النجف الأشرف)، شركة المصطفى، الطبعة الأولى، 1426هـ ـ 2005م، وهو (دراسة جديدة ورائدة) كما ورد في التقديم، وكنتُ أحسبُ الكتاب دراسةً في مناهج الدرس اللغوي في النجف ومستوياته، وأثره في فهم النص الشرعي باعتبار أن النجف مركزا من مراكز الدراسات الشرعية واللغوية، ولكن بعد قراءته تبين أن الكتابَ هو عبارة عن (فهْرَسْت) بأسماء المؤلفين في الدرس اللغوي، وعناوين كتبهم، والتعريف بها، وهو جهد قيّمٌ، وقد أولى المؤلفُ (شافاه اللهُ وعافاه) الشيخَ أبا جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت 460هـ)، والمحققَ رضيَّ الدين محمد بن الحسن الاسترآبادي (ت 688هـ حسب ترجيح المؤلف) بالغَ عنايته وبليغَها حيث درسَ جهودهما النحوية واللغوية وآراءهما دراسة وافية، خصوصا (رضي الدين الاسترآبادي)، وقد عرّفَ الكتابُ وترجمَ لـ(208) شخصية لها جهودها وكتبها في الدرس اللغوي النجفي .
* ترجمة صاحب الآجُرُّوميَّة: هو أبو عبد اللَّه محمد بن داود الصنهاجي النحوي المشهور بابن آجُرُّوم - بفتح الهمزة الممددة, وضم الجيم والراء المشددة، ومعناه بلغة البربر: (الفقير الصوفي)، وُلِدَ - رحمه اللَّه - بمدينة فاس بالمغرب العربي سنة اثنتين وسبعين وستمئة من الهجرة - 672هـ، قال ابن العماد في - شذرات الذهب - 62/3 عن ابن آجُرُّوم : نحوي مقرئ له معلومات من فرائض وحساب وأدب بارع, وله مصنفات وأراجيز، توفى - رحمه اللَّه - بفاس سنة ثلاث وعشرين وسبعمئة - 723هـ .
* يقول السيد محمد الحسيني:" وربما يتفردّ الشيخ الفضلي في هذه المسألة بقراءة أقرب ما تكون إلى السياق القرآني، إذ أنه بعد الإشارة إلى ما يعنيه هذا اللفظ (قوّامون) وأنه ليس حقيقة شرعية ولا مصطلحاً فقهياً، أشار إلى ما ورد في القرآن في مادة (قَوَم)، وانتهى إلى ما أفاده نصاً: "ونستفيد من هذا أن القوّامية لا تعني القيمومة التي فهم منها المستدلون التسلط والتصرف وإنما تعني إناطة مسؤولية رعاية مصالح النساء وتدبير شؤونهن بالرجال. ومن أظهر مصاديق تلك الرعاية وذلك التدبير، هو وجوب إنفاق الرجل (الزوج) على زوجته، وهذا يعني أن الإنفاق من القوّامية، وليس من القيمومة، وقد يرجع هذا إلى أن أكثر المجتمعات – ومنها المجتمعات العربية التي نحاول معرفة معنى القوّامية لديهم – مجتمعات ذكورية، تحمَّل الرجل مسؤولية رعاية مصالح المرأة وتدبير شؤونها، وهم لا يرمون من هذا إلى أن تلك الرعاية وذلك التدبير هما من نوع الولاية السلطوية، وإنما هما شأن من شؤون تركيبة المجتمع ...ونخلص من كل ذلك إلى أن القوّامية غير القيمومة.." انظر الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي فقيهًا، بقلم: السيد محمد طاهر الياسري الحسيني .