• كيف يمكن ان نبدأ حوارا عاديّا مع شاعر غير عادي؟ أيهما يسيطر عليك الآن جاسم الإنسان أم جاسم الشاعر؟
- في البداية.. لا أعتقد أنني شاعر غير عادي إلا في حالة واحدة وهي كوني أكتب الشعر العمودي في زمن القصيدة النثرية «إذا كان اعتبار ذلك شيئا غير عادي».. فالشعراء الذي يكتبون القصيدة العمودية في هذا الزمن قلّة قليلة إلا أنّهم كما يقول أحد الأدباء الغربيين «قلّة هائلة»!! أما من جهة من يسيطر عليَّ: هل هو جاسم الشاعر أم جاسم الإنسان.. فأعتقد أنّ المسافة بينهما معدومة في حياتي حيث أصبح الشعر بالنسبة لي قيمة إنسانية أمارسها كما أمارس بقيّة القيم مثل الوفاء والإخلاص والحب وردّ الجميل بالجميل.. وما إلى هنالك من قيم إيجابية يمارسها الإنسان في حياته الطبيعية!
• من هنا يمكن ان نغوص بشكل اعمق في نفسي الإنسان والشاعر، لكي نتلمس عشقهما للاحساء. فكيف صغت هذا العشق الجميل بثمانية وعشرين حرفا فقط، بينما لم يستطع الآخرون؟
- حبّ الإنسان لمسقط رأسه الأوَّل «يمكن أن يولد الإنسان ثانية.. لذلك أقول مسقط الرأس الأول».. هذا الحبّ يحمل من المميزات ما يجعله علامة فارقة في حياة الإنسان.. ناهيك إذا كان هذا الإنسان شاعرا. وفي علاقتي بالأحساء ما يجسّد هذا المعنى الذي ذهبتُ إليه.. فماذا أكثر من أن أشعرَ بالغربة حينما أكون على بُعد خطوة خارج الاحساء.. وماذا أكثر من أن أشعرَ بأنّ قَدَري قد تجاوز قضاءَهُ حينما ألتفتُ ولا أرى نخلة على امتداد بصري.. وماذا أكثر من أن أشعرَ بالتباس دمائي واشتباه خلايايَ حينما أكون خارج الأحساء!!
كالأبجديةِ بعد حرف الياءِ متشرّدٌ أنا خارجَ الأحساءِ
متشرّدٌ حتى التباس هُوِيَّتي متشرّدٌ حتى اشتباه دمائي
لا شئَ غير الصدقِ أحملُهُ معي فإذا نطقتُ فمعجمي أحشائي
وإذا تجاوزتُ النخيلَ أخالُني جاوزتُ في قدري حدودَ قضائي
وإذا تلبّسني غرامُ حبيبةٍ فصّلتُ حسبَ مقاسِهِ أعضائي
• في « نحيب الأبجدية » نحيب على قيم، انهيار الذات الإنسانية. لماذا أردت ان تكتب شعرا عن موضوع قديم؟ أم انك اكتشفت جديدا لم يكتشفه الشعراء من قبلك؟
الأمير خالد الفيصل يسلم الجائزة للشاعر جاسم الصحيح- لا أعتقد أنّني اكتشفت جديدا على المستوى الإنساني ولكن ربّما أكون اكتشفت جديدا على المستوى اللغوي الجمالي والشعري.. أقول ربّما وأؤكد عليها! إنّ الشعر الحقيقي هو ذلك الشعر المعبّر عن معاناة الكائن البشري قديما وحديثا.. ومنذ القدم ماتزال المعاناة هي المعاناة وجوهرها ما يزال هو جوهرها مهما اختلفت الظواهر.. لذلك قد يتلاقى الشعراء على ضفاف الألم ذاتها ولكن تبقى لكلّ شاعر طريقته في فلسفة ذلك الألم وإعادة صياغته في قالبه الخاص ثمّ تصفيته في مصفاة الروح وإعادته إلى الناس في شكل مفعم بالأناقة البريئة، الأمر الذي يجعل هذا الألم الـمُدَوزَنَ قادرا على تخفيف ذلك الألم الـمُعاش!!
في ديواني ما قبل الأخير وهو ديوان «نحيب الأبجدية».. تتجلّى النصوص في دلال، وكلّ نصّ متّكلٌ على جماله.. وتبرز القصائد في صبغة الحزن، وكلّ قصيدة متّكئة على آهاتها. كلّ هذه الينابيع من الحبر الحزين وكلّ هذا الجرار المعبّأة بالأنين والصرخات.. كلّ هذه تأتي ترجمة للنحيب الأزلي الأبدي الذي نَثَرَتْهُ- وما زالت تنثرُهُ- الأبجديةُ حزناً على الإنسان منذ آدمه الأول حتى آدمه الأخير المخبوء في رحم الغيب!
• هل يمكن تفسير ذلك الوجع الإنساني ببعده الفلسفي الجميل في تضاريس شعركم؟ أنا أقول رأيي كقارئ، فما هو رأيكم كناقد؟
- للوجع طاقةٌ إبداعيةٌ كبرى تمثّل بامتياز المعادل الفنيّ لطاقته المادية، فهو يحمل طاقةً سلبيةً في علاقته بالجسد وطاقةً إيجابيةً في علاقته باللغة. فكلّ تاريخ الإنسان الفلسفي انحدر من جبال الوجع الإنساني الذي مازال يشكّل أهمّ التضاريس على الخارطة البشرية النفسية والجسدية. المبدعون –عموما- هم أبناء الوجع منذ الكتابة حتى آخر قطرةِ حبر.. لذلك، لا يمكن للمبدع إلا أن يكون مخلصا لأبيه! الأكثر من ذلك هو أنّ الإنسان دائما ما يتعلَّم ما يناسبُهُ في الحياة عبر الوجع الذي يعانيه، ومن هنا نكتشف مع كلّ حالةِ وجعٍ حالةَ مخاضٍ لحكمةٍ إنسانية أو قصيدةِ شعر أو قصّةٍ أو غيرها من أشكال الفنون التي تتمخَّض عنها العذابات.
أما في تجربتي الإنسانية المتواضعة، فهناك حضورٌ طاغٍ للأوجاع على اختلاف منابعها وجذورها لأنَّني مشدود للقضايا الإنسانية جميعها على تنوّعِ مصادرها..فهناك الأرض وانتمائي لكلّ كسرةِ طينٍ زرعتُ بها خطوة من خطواتي أو نظرة من نظراتي أو ذكرى من ذكرياتي أو صديقا من أصدقائي. وهناك الغيب وعلاقتي الملتبسة به وما يكتنف هذه العلاقة من أشواق وشكوك وخوف ورهبة وتأمّل وغير ذلك من اضطرابات تزلزل نفسي وترسم خرائطَ فوضوية لقصائدي. وهناك المرأة وعلاقتي بها منذ أطلقتُ شراعي في بحرها ولم أعدْ بغير الخيبةِ محارة. وهناك... وهناك... إلى أن تجفَّ الأقلام وتُطوى الصحف!
• عندما نتصفح موضوعات شعركم نجدها طرقت معظم أبواب الشعر التقليدية، بحيث يصعب تصنيفكم، إذا كانت التصنيفات مجدية. أي هناك تنوع ومقاربة للديني والحياتي والوطني. البعض قد يراها عائقا لانطلاقة الشاعر بينما أنت أسميتها رقصة عرفانية. فهل مازلت مقتنعا وقادرا على مسك كل خيوط الرقص العرفاني؟
- ديواني «رقصة عرفانية» تغلب عليه قضيّة واحدة وهي علاقتي الملتبسة بالغيب كما ذكرتها آنفا.. أما بقيّة القضايا في الديوان فهي على هامشه.. إن صحّ التعبير.. بينما تأتي العلاقة بالغيب محورا للديوان. لكن بعيدا عن ذلك، لا بدّ من التنوّع في الكتابة الشعرية خصوصا فيما يخصّ العلاقة بين الشاعر وذاته التي بدورها تنعكس على علاقته بالعالم من حوله. فالشعر هو الحبل السريّ للشوق الذي يربط بيننا وبين الأشياء من حولنا ولا يمكن قطعه أو الحياة بدونه إلا بمقدار ما يمكن أن يعيش الجنين في رحم أمه دون غذاء!!
• منذ ديوان «ظلي خليفتي عليكم» حتى «أعشاش الملائكة» هناك تجارب متنوعة و متفاوتة في تلك الدواوين فالي أين ترغب ان ترسو أشرعة تجربتك الشعرية؟
الأستاذ جاسم الصحيح في احدا الأمسيات الشعرية في القطيفأرغب لأشرعتي أن تبقى موغلة في الإبحار دون أن تجد لها شاطئا ترسو عليه سواء في حياتي أو بعدها والسبب وراء ذالك هو أنّ المرسى يعني فيما يعنيه النهاية أو الموت كما يقول أجدادنا المتصوّفة «الذات متى ما وصلت ماتت»، لذلك فنحن نرى شعراء قدماء ما زالوا يعيشون بيننا لأنّ ذواتهم لم تصل إلى طموحاتها حتى بعد موتهم، الأمر الذي أبقاهم أحياء بيننا.. نعيش معهم.. نصادقهم.. نخاصمهم.. ونحيا وإياهم جميع العلاقات الإنسانية بين الإنسان والآخر.
إنّ المبدعين كالشهداء لا يقفون موقف الحياد من الحياة حتى وهم في قبورهم ممّا يجعلهم أكثر حياة من بعض الأحياء. إنّ الطموحات الشعرية هي طموحات مطلقة ليس لها حدود سوى الحدود القصوى للأشياء. ولا يمكن لشاعر أن يقول عن نفسه أنه بلغ القمّة مهما أكبره الناس لأنّ حجم المشاعر الإنسانية لا يمكن أن يوزن بالكيلوغرامات ولا يمكن أن يُحدّ بالقياسات.
هناك دائما ما يسمّونه القصيدة/الحلم وربما القصيدة/المستحيل في ذهن كلّ شاعر.. وهذه هي القصيدة التي تكبر جماليا كلّما كبر الشاعر في قيمته الفنيّة. كلّ ما تقدّم يشي ضمنا بأنّ كتابة الشعر في نهاية المطاف هي الهدف وليس أن أرسو باشرعتي على شاطئ.