الصحيح: الشعر امتداد مطلق لا يُحدّ
أرغب لأشرعتي أن تبقى موغلة في الإبحار دون أن تجد لها شاطئا ترسو عليه
الحوار مع شاعر كبير مثل الشاعر جاسم الصحيح له طعمه الخاص به ونكهته الاحسائية المميزة، فالشاعر الصحيح الذي استطاع ان يطوع الكلمات والقوافي ويستخرج منها معانيا بكر، هو الشاعر الأكثر حضورا على ساحتنا الثقافية اليوم.وهو الأكثر حصدا للجوائز الشعرية. و إيلاف تحاور هذا الشاعر الكبير، الذي اشرع هو أيضا نوافذه إليها، فجاء اللقاء بصفاء سماء الوطن. وباتساع صدر الخليج.
• في بداية اللقاء.. بمناسبة إصدارك لديوانك السابع «أعشاش الملائكة».. هل تلقي ما يكفي من الضوء على مضمون الديوان بحيث يستطيع القارئ أن يستخلص رحيقه؟
الأستاذ جاسم الصحيح في احدا الأمسيات الشعرية في القطيف- ديوان «أعشاش الملائكة» هو ديواني السابع كما تفضّلتَ.. وقد صدر عن دار «الهادي» في بيروت قبل شهر تقريبا. هذا الديوان يضمّ بين دفّتيه عصارة تجربة امتدّت أكثر من خمسة عشر عاما مع المنابر فمعظم قصائده تمّت كتابته من أجل أن تطلّ على القارئ من خلال المنبر عبر إلقاء حماسي جماهيري فكأنّما يوجد تواطؤٌ مُسْبَقٌ على كثيرٍ من المعاني بيني وبين الجمهور، ومن هنا فإنّ الصدمة الجماليَّة –إن وُجِدَتْ في هذا الديوان- فهي تأتي من إشراقة الديباجة ونصاعة الأسلوب، وهذا يعني أنّ ال«كيف» هي سيِّدة العرض وليس ال«ماذا». ولكنَّ هذا لا ينفي وجودَ معانٍ جديدة لم يسبق التواطؤ عليها وإنّما انبثقت من وعيٍ خاصٍّ فأثارت إعجابَ البعض واستنكارَ البعض الآخر شأنُها في ذلك شأنُ كلِّ ما هو جديد.
الجانبُ الأكثرُ إشراقا من تجربتي مع المنبر الشعريّ يكمن في أنّ هذه العلاقة تمثِّل بدايتي مع ترويض خيول اللغة النافرة وممارسة فروسيَّة الكلمات، ومن هنا تأتي أهمّيَّةُ ذاكرة المفردة في أذهان الناس ومحاولة السيطرة عليها معرفيًّا قبل محاولة تجديدها، وقد علَّمني تاريخُ الفروسيَّة أنّ على الخيَّال -حينما يحبُّ أن يتعامل مع حصان- أن يعرف تاريخ ذلك الحصان من أجل السيطرة الأفضل عليه. وفي ثنايا هذا الديوان، ربَّما لم تتجاوز المفردةُ ذاكرتَها في أذهان الناس إلاَّ قليلا فهي مفردةٌ وقفيَّة أو تقريريَّة في معظم القصائد، أماَّ المفردة الاستنباطيَّة فهي نادرة وذلك لأنَّ المجازَ -بصفته المظهر الأبرز الدالّ على عافية القصيدة- محاصرٌ في قفصٍ ذهبيٍّ سياجُهُ البيان وسقفُهُ البلاغة، بينما روعة الشعر تكمن في أن يأخذ المجاز حرِّيَّته حين تحلِّق طيور الدلالة في أفق المعنى.
قد يرى البعضُ أنَّ الشعر كوكبٌ ضاعت مفاتيحُهُ من يد «جاسم» في هذا الديوان لأنَّ الزمنَ زمنُ جعجعةٍ تقتضي من المبدعين أولي الأرواح المسحوقة تحت وطأة الملل أنْ ينسحبوا إلى زواياهم للتأمُّل عاكفين في انتظار النهايات بدلاً من أن يشاركوا في حفلةٍ عريفُها هو الغبار.. قد يرى البعض ذلك ولا أملك الحقَّ في الحجر على رأيه، ولكنَّني أرى أنَّ هذا الديوان هو حبلٌ ممتدٌّ بيني وبين الواقع الذي صَنَعَتْهُ البيئةُ الإنسانيَّةُ من حولي إذْ كلَّما انقدحَ زفيرٌ اشتعلَتْ على زنادِهِ فتيلةُ قصيدة، وبَقِيَتْ هذه القصائدُ تعمل بِصَمْتِ الخميرة وجِدِّيَتِهاَ في تثوير أعماقي كما تثور الألغامُ في قيعان المحيطاتِ دون أن يسمع بها الشاطئ.
وكلُّ من سَلَّطَ مصابيحَه الكاشفة على دواويني الأخرى دون إضاءةٍ مُرَقَّطَةٍ يلاحظ أنَّ بعضَ القصائد التي تمَّ إثباتُها في تلك الدواوين عادت لتحتلَّ لها مكانا بين دفَّتيْ هذا الديوان.. والسبب وراء ذلك لا يعود فقط للمكانة التي تحتلُّها تلك القصائد في قلبي وإنَّما لأنَّها نُشِرَتْ هناك مبتورةً بِ«ساطور» الرقيب الذي حينما مَشَّط تفاعيلي بكلِّ ما أوتيَ من حذرٍ وخوفٍ، لم يبحث عن حفرةٍ في القصيدة فيردمها، أو عن قافيةٍ تريد أن تنقضّ فيقيمها.. وإنّما عن الكمائن التي نصبتُها في منعطفات القصيدة والتي تتمثَّل في فلسفة الحياة بطريقة متمرِّدة!