أدبُ التقديم
الدكتور الفضلي نموذجاً
تمـــــهيد:
يَعتبرُ بعضُ القُرّاء أن التقديم (التقريظ) التي يكتبها بعض العلماء أو المفكّرين لبعض الكتب نوعاً من أنواع الحصانة التي تُعطى للكتاب المقدَّم له، وحصانةً للمؤلِّف الذي يقدِّمُ أوراقه لأحد العلماء المعروفين على الساحة في تخصص ما، ذلك أنه ليس بالضرورة أن بعض الكتُب التي لا يوجد بها مقدمة لأحد الأعلام أنه لا يمتلك حصانة!! بل يكفي بذلك أن يكون الكتاب والكاتبُ بأفكاره حصانةً لنفسه.
ولذا نرى الكثير من الكُتب التي لا يوجد بها تقديم لأحد الأعلام، يُدبر بعض القراء عن قراءتها، خصوصاً إذا كان الكاتب غير معروف، على خلافه في كتاب آخر أثبت جدارته على الساحة التي يصول ويجول فيها بقلمه وفكره.
ثم ليس بالضرورة اللجوء إلى أحد الأعلام لوضع تقديمٍ لكتابٍ ما!! فكم من الكتب التي قدّم لها بعض الأعلام إلا أنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب، فلربما كان ذلك التقديم كنوعٍ من التشجيع للكاتب الذي يريد أن يستفيد من رأي ذلك العالم في الكتاب ليضع النقاطَ على الحروف، وذلكَ ليتسنّى له التنبّه إلى ما وقع فيه في مؤَلَّفٍ آخر إن واصل المسيرة، ولربما كان التقديم كنوع من التعريف بالكتاب والكاتب، خصوصاً إذا كان صاحب الكتاب قد وُسِّدَ الثرى وكتابه ما زال مخطوطاً بين المخطوطات، أو كانت طبعته متهرِّئة لها أهمية في الميدان العلمي.
وبنظرةٍ خاطفةٍ إلى أرففِ المكتبات، ارتأيتُ أن أنظر إلى تلك التقديمات التي قدّمَ لها أحدُ أعلامِ هذه الأُمّة وأحد مجاهديها بالحركة الدؤوبة في تنشيط حركة الفكر على المستوى الحوزوي والجامعي والثقافي والفكري، والذي يعتبرُ بحقٍ وضعَ بصمةً على جبينِ الزَّمنِ بمؤلّفاته وتحقيقاته ومقدماته الكثيرة، وكذا جهودهِ الكبيرة في حثِّ الجيل الناشئ على الاستفادة من الطاقات التي يمتلكها كل إنسان، ذلك العَلَمُ هو سماحة العلامة الدكتور/ عبدالهادي بن العلامة الميرزا محسن الفضلي – حفظه الله تعالى – الذي يعتبر أشهرُ من نارٍ على عَلَم، فلقد قدّم هذا المجاهدُ لأكثر من ستين كتاباً في مجالات مختلفة، كالفقه، والتاريخ، والتراث، والتربية، واللغة، والأدب، والشعر، والمعاجم، والسِيَر، والعقيدة .. وغيرها من المجالات الكثيرة التي صَقلتْ أقلاماً كثيرة كُلّها تُدينُ بالفضلِ للعَلامة الفضلي – حفظه الله –، ولرُبَّ قائل: إن هذا تطفلٌ على التخصصات التي ليست من شأن صاحب التقديم!!
وللإجابة على هذا الإشكال، أقول:
إنَّ المطّلع على سيرة الدكتور الفضلي المليئة بالعلم والجهاد في سبيل المعرفة، وعلى تلك المؤلفات التي تجاوزت الستين مصنّفاً في مجالات مختلفة، باستثناء التحقيقات والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات، لعرِفَ أن الدكتور الفضلي من الشخصيات النادرة في هذا الزمن بعطائه العلمي الرصين غير المنقطع، ولَعَلِمَ أنّ حياته مرهونةٌ لخدمة العلم والعلماء.
ولذا كان لزاماً على كُتُبِ التراجُمِ التي بلغت أكثر من عشرين كتاباً أن تذكره في مدوّناتها كشخصيةٍ علميّةٍ موسوعية بارزة في الساحة العربية والإسلامية في هذا العصر، ذلك أن كُتبه تُفصح عن نفسها، وهي حصانة لنفسها ولمؤلّفها، لما فيها من التجديد في الطرح، والابتكار في الفكرة، والمنهجية العلمية، وسلاسة الأسلوب، وغير ذلك مما له شأن الكتب ذات المستوى العلمي الكبير.
فهذه التقديمات على كثرتها ارتأينا أن تأخذ نصيبها من الدراسة الموضوعية قدر المستطاع، وهذه السطور المتواضعة أقدّمها وفاءً للعلامة الفضلي – حفظه الله – لما قدّمه للأمة الإسلامية من عطاء على جميع المستويات.
وعوداً على بدء حول من يتطفل على بعض التخصصات في كتابة التقديمات، يوجد هناك من وضع نفسه في هذا الموضع من كتابة التقديمات لبعض الإصدارات، نرى أن في ذلك جُرأةً على العلمِ والكلمة بتسنّمه منصب كتابة التقديمات، نعم!! لو وضع نفسه موضعَ المشجّع والمحفّزِ لإصدارِ بعض الكتابات المنسيّة لكان أصوبَ في الفعل، بدلاً من إقحام نفسه في هذا الميدان الكبير، ولا من بأسٍ في كتابة التقديمات ذات الاختصاص من إنسانٍ متخصص له وزنه في ميدانه.
غرض التقديم:
لعلَّ الغرض من هذهِ التقديمات التي تناولها الدكتور الفضلي كثيرة، فهي بالدرجة الأولى تنم عن خُلُقٍ عالٍ ينهلُ منه وأبرزها التواضع، والتواصل مع شريحةِ كبيرة من المثقفين من أبناء الجيل الجديد، فهناك من يرفض كتابة تقديم لكتابٍ ما، وذلك بحجة عدم ارتقاء الكتاب إلى المستوى المطلوب، وهناك من يرى أن الكتاب لا يرقى إلى مستواه العلمي والثقافي، وغيرها من الأسباب التي هي بحاجة إلى تعاطٍ هادئ.
في حين نرى أن الدكتور – حفظه الله – يقدم لمعظم الكتب التي وردت له، ولعلَّ المتابع لهذه التقديمات يرى أنها مختلفة باختلاف مواضيع الكتب، وكذا بين أهمية موضوع الكتاب من عدمه، ولذا جاءت بعض التقديمات بعيدة عن مدح الكاتب بما ليسَ أهله، في حين أنه يستخدم أسلوباً آخر وهو: التشجيع الذي يمثّل جانباً مهمّاً عند الدكتور وتأثيره نفسياً لدى صاحب الكتاب. ولذا بعض التقديمات أتت لُتشيدَ بالعمل مع دراسة موجزة حول فكرة الكتاب كما في التقديمات التي اخترناها، وبعضها الآخر يقدِّمُ لها إضافةً وجيزة بحجم يتناسب مع حجم الكتاب وفكرته، ولنا أن نضيف مسألة مهمّة هنا، وهي: إن الدكتور/ لا يقدّم من أجل التقديم!! بل إن الغرض هو خدمة الفكر والثقافة، وهذا جليٌّ لمن يقرأ تلك التقديمات خصوصاً المطوّلة منها، فهي تنمُّ عن اهتمامٍ واطلاع من قبل الدكتور، وهذا راجع إلى رصيده الثقافي الكبير الذي أسسه بجهده من خلال تواصله مع ما يجول في الساحة الثقافية بجميع أبعادها، وربما كتب فيها بحثاً نشره في مجلة ما أو كتاباً، وهذا الاطلاع ليس اطلاعاً سطحياً!! بل اطلاع ينم عن قراءة عميقة في ذات الموضوع، حتى أصبحت بعض تقديماته تشكل رؤية عميقة لفكرة الكتاب.
وسأمرُّ في هذه السطور مروراً سريعاً على أبرز ثلاث تقديماتٍ لثلاثة كُتب، وهي:
1- أعلام هجر في الماضين والمعاصرين، السيد هاشم بن السيد محمد الشخص، الطبعة الثانية – 1416هـ، مؤسسة أمر القرى للتحقيق والنشر – بيروت.
2- الغدير في الكتاب والسنة والأدب، العلامة الشيخ عبدالحسين الأميني (1320-1390هـ)، تحقيق: مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بإشراف آية الله السيد/ محمود الهاشمي الشاهرودي، الطبعة الثانية – 1424هـ، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي.
3- النصب والنواصب، الشيخ/ محسن المعلّم، الطبعة الأولى – 1418هـ (1997م)، دار الهادي – بيروت.
سبب الاختيار:
سبب اختياري لهذه المقدمات الثلاث هو:
1- طول التقديم: والتي تعتبر بحثاً صغيراً، وما كان ذلك إلا لأهمية الموضوع لدى الشيخ – حفظه الله –، حيث بإمكان هذا التقديم أن يكون بحثاً مستقلاً لو أراد الشيخ الرجوع إليها مستقبلاً، وليس دائماً طول التقديم ينمُّ عن اهتمام أو سعة اطلاع، فلربما جاء التقديم في وادٍ والكتاب في وادٍ آخر كما في بعض تقديمات الكتب.
2- تنوع المواضيع: لكل كتاب من هذه الكتب التي قدّم لها الدكتور الفضلي موضوع مستقل عن الآخر، فكتاب (أعلام هجر) يتناول تاريخ منطقة برجالاتها ينتمي إليها الدكتور، وكتاب (الغدير) موسوعة ضخمة تتناول موضوعاً واحداً أُعطي هذا الموضوع جانباً شمولياً من قِبَل المؤلِّف، أما كتاب (النصب والنواصب) فإنه يتناول قضية عقائدية تستحق الالتفاتة وتسليط الضوء.
وربما هناك الكثير من التقديمات الطويلة التي تناولت مواضيع غير التي اخترناها، ولكن لضيق الوقت وشبه جاهزية المادة مُسبقاً أحببنا المشاركة بهذه السطور القليلة.
تقديمه لكتاب: أعلام هجر:
يعتبر كتاب (أعلام هجر) من الكتب الرائدة في مجال التراجم الشيعية لمنطقة الأحساء، ذلك أن هذه المنطقة مرّت بظروف مختلفة من الناحية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مما جعل المؤلِّف وغيره من أبناء المنطقة أن يكرّسوا اهتماماتهم في استنطاق تاريخ هذه المنطقة بجميع جوانبه.
ونظراً لأهمية المنطقة من الناحية الاقتصادية والسياسية، فهي ذات أهمية دينية، حيث كانت إحدى المناطق التي أسلمت طوعاً في صدرِ الإسلام، وكذا كانت إحدى المناطق التي بُذِرَ فيها التشيّع لأهل البيت عليهم السلام في النصف الأول من القرن الأول الهِجري، فكان منها رجالاتُ الحربِ الذين شاركوا مع أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه، وكان منها رجالات الرواية المبثوثة رواياتهم في كتب الحديث، وكان منها الشخصيات المهمّة على مرِّ التاريخ، ولم يكن تاريخ رجالاتها مدوّن إلا ذلك النزر القليل، فكان للدكتور الفضلي بصمةً في الكتابة عن تاريخ هذه المنطقة، لتأتي مقدمته عن قراءةٍ في كُتُبِ التاريخ والتراجم.
ففي تقديمه لموسوعة (أعلام هَجَر) يتحدث عن الاستيطان البشري وعن السلالات البشرية التي كانت على امتداد الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، ثم يأتي على ذكر شئٍ من تاريخ المنطقة في صدر الإسلام والرسائل التي بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى حكّام هذه المنطقة، ليجول بقلمه إلى الظروف السياسية التي حوّلت الاختلاف الإيجابي بين (مدرسة أهل البيت) و(مدرسة الصحابة) إلى تناحرٍ طائفي بيد الأمويين، مستعرضاً بعض الشواهد على أحقيّة أهل البيت عليهم السلام الذين كان لهم الفضل الكبير في نشر ثقافة الإسلام، مما ولّد هذا الاختلاف إلى إنشاء مراكز ومدارِس بحثية في المناطق الإسلامية والتي منها الأحساء، ثم يأتي على تشيّع وثقافة أهل الأحساء، الذين لم ينقطعوا عن المركز الإسلامي الأم المتمثل في المدينة المنورة، مما جعل أهل المنطقة ينهلون من كلا المدرستين، فممن أخذ عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام أبناء صوحان العبدي، وحكيم بن جبلة وغيرهم كثير، ويستعرض بعض الأسماء الشيعية البارزة على مرِّ القُرون، موضحاً أن هذه المنطقة برز فيها ثلةٌ من العلماء في كثير من العلوم والفنون.
وهو في هذا التقديم البالغ (23 صفحة) يستعرض أبرز الأمور وشيئاً بسيطاً من الشواهد، ذلك أن الكتابة في هذا الميدان تستلزم وقتاً، وهو – الفضلي – إذ لم يُوَفَّق لذلك رغم ممارسته الكتابة عن الأحساء، فإنه كان يأملُ من يكتبُ عن هذه المنطقة من أبناء المنطقة كما أوضح ذلك في التقديم، وقد تطرّق إلى أهمية الكتاب، حيث يوضح للقارئ ما إذا أراد التوسع والحصول على معلومات أوفى وأوفر في التعريف بهذه المنطقة ورجالاتها، فما عليه إلا قراءة ما كتبه يراع المؤلّف الذي وصفه بأنه ص33: (بذل جهداً كثيراً).
ونقرأ في تلك الكلمات الموجزة أشياء كثيرة تنمُّ عن اطلاعٍ واسعٍ في تاريخ هذه المنطقة وعلمائِها، فلو أنه وضع شواهداً لكل ما تطرق إليه لأصبح كتاباً داخل كتاب، ولخرج عن إطار التقديم، ذلك أنه أشار ص11: (أنه شارك في "دائرة المعارف الإسلامية الشيعية" للسيد حسن الأمين ببحث عن الأحساء ركّز فيه على ذكر أعلامها في الفقاهة والخطابة والشعر، مقتصراً على المهم وموجزاً بذكر العدد الأقل).
ويبدو لي أن الدكتور اقتصر على هذه المعلومات العامة، ذلك أن المؤلف تطرّق إلى شئ ليس باليسير إلى تاريخ المنطقة قبل الإبحار في موضوع الكتابِ الأصلي وهو (التراجم)، باعتبار أنَّ موسوعةً كهذهِ تستلزمُ من الكاتب أن يكتب عن تاريخ المنطقة الموغل في القِدَم قبل أن يبدأ في موضوع الكتاب.
تقديمه لكتاب: الغدير:
لا يخفى على الباحثين من أبناء الأمة الإسلامية ما تشكله مسألة (الغدير) كحادثة تاريخية ذات مدلولاتٍ عدّة، حصلت في نهاية العقد الأول من صدر الإسلام، ويعتبر كتاب الغدير من أوسع الكتب التي تناولت هذه المسألة على المستوى الأدبي والتاريخي والروائي، وأهمية هذا التقديم يكمنُ في استقراء الحادثة استقراءاً مختلفاً عما دأب عليه البعض، لذا يؤكد الدكتور في هذا التقديم بقوله ص17-18: (فالبحث في بيعة غدير خم ليس بحثاً طائفياً كما يظنُّ البعض، وليس إثارة لصراعٍ تاريخي كما يعتقد الآخرون. وإنما الأمر – في واقعه – مشروعٌ إسلاميٌ يهدفُ إلى تحديد وتعيين الطريق إلى السُنّة، يأمنُ سالكهُ من العثار، ويبرئ السائر على ذمته من عهدة التكليف الشرعي. ونحن إذ نطرحُ هذا لا نهدف منه إلى غلق باب النَّقدِ العلمي الموضوعي، وإنما نريد أن نقول: هذا هو واقع معتقدنا، وهذا ما نملكه من الدليل عليه والدليل إليه، ولأيِّ باحثٍ أن يُقارِنَ، ولكن بشرطِ الالتزام بقواعد النقد العلمي البنّاء والهادف إلى الخير).
ويؤكد مسألة أخرى تُثبت مدى متابعة الشيخ للمؤلِّف والمؤَلَّف، فهو إذ يعرّف بالمؤلف تعريفاً موجزاً في كلماتٍ عظيمة اختزلها في جُمَلٍ صغيرةٍ بقوّةِ بيانهِ وبراعةِ أسلوبه، لأنه ممن عرِفَ المؤلِّفَ عن قُرْبٍ ليوضّح مدى الجُهد الذي بذله المؤلِّف في هذه الموسوعة النادرة، ولم يغفل عن التعريف بالموسوعة في قوله ص19: (إن كتاب الغدير هذا من الظواهر العلمية والفنية المميزة والمتميزة في عالم التأليف، ذلك أنّ ما أُلِّف في الغدير يربو على ما أُلِّف فيما يماثله، ولم يقدَّر لأيّ كتاب منها أن يشتهر اشتهار هذا الكتاب، وأن يحتل المركز الذي احتلّه هذا الكتاب في قائمة المصادر الأصيلة، وأن يخلد مؤلِّف من مؤلِّفي تلك الكتب بسبب كتابه في الغدير مثلما خلّد الشيخ الأميني بسبب هذا الكتاب).
ويوضح بطريقة فنية معاصرة في تبويب الكتاب بقوله ص19-20: (ويرجع هذا إلى ما تميّز به هذا الكتاب في المنهج والمادة، فقد اعتمد الشيخ الأميني طريقة الاستقراء وطريقة التحليل النقدي، وكرّس كل طاقته لاستعراض ما له علاقة بالحديث والحادثة، وبالظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت ورافقت هذه الحادثة).
ويؤكد الدكتور بأن المؤلف استخدم المنهجية، والموضوعية، والصراحة والشجاعة، والدعوة إلى الوحدة الإسلامية، والمثابرة والصبر، والموسوعية في الثقافة، وأسلوب التعبير، وثوابت البحث الإمامي، ولكل محورٍ من هذه المحاور التي استعرضها الدكتور استلزمت منه وقتاً ليس باليسير ليخلص إلى فرز هذه المحاور من الموسوعة، والتي أوجز الحديث عنها وابتعد عن الشواهد.
كذلك أوضح الدكتور إلى طريقة المؤلف وسبب تأليفه والنتائج التي توصل إليها، وحاول إثباتها، وكل شئ من شأنه متعلق بهذا الكتاب الموسوعي الذي هو بحق بحاجة إلى لجنة علمية تتحدث عنه، وقد عشتُ وقتاً ليس باليسير مع هذه الموسوعة المهمّة، فأستطيع القول بأن كل محور من هذه المحاور يستلزم شواهداً من الكتاب، ويبدو لي أن الدكتور – حفظه الله – أوجز إيجازاً كبيراً في التعريف بالمؤلِّف والمؤلَّف، فقد بلغ عدد صفحات تقديم الدكتور (16 صفحة).
تقديمه لكتاب: النصب والنواصب:
بلغةٍ راقية يتحدث الدكتور في هذه المقدمة حول أهمية هذا الموضوع الذي يتهيّبه بعض الكُتّاب، فالموضوع فيه التباسٌ عند بعض الباحثين والمفكّرين من حيث انصراف هذا المصطلح إلى فئة من الناس، حيث يؤكد في مقدمته ضرورةَ تناول مثل هذه المواضيع لتستبينَ الحقيقة، لأن كثيراً من الباحثين يبتعدون عن بعض المسائل التي يعطونها حساسيّة من خلال عدم توفيقهم في الكتابة عنها، بينما إذا أُعطيت حقّها من الكتابة والبحث العلمي فإنها ستكون مصدراً مهمّاً، فيقول في ص5: (ومن هنا كان لا بدَّ من أن تُدرس ليُماز الخبيث من الطيّب، ويعاد للعقيدة نقاؤها، وللتشريع جمالَ صورته، وللأمّةِ سلامتها وعافيتها، وبخاصة أننا نعيشُ الآنَ يقظة الضمير وصحوة الفكر، مما يضخم أمامنا المسؤولية الشرعية تجاه حضارتنا وتجاه أمتنا).
ثم يشرع الدكتور في إضافة بعض المعلومات المتعلقة بالمفهوم الأساسي (الإمامة) والتي انطلقت منها مشكلة (النصب والنواصب)، لينتقل بهذه المسألة إلى توضيح مفهوم النظرية السياسية للحكم وفق مذهب أهل البيت عليهم السلام، ويوضح الخلل الذي أصاب شريحةً من الأمة من خلال (التقليل من شأن أهل البيت عليهم السلام، وخلخلة كيان الشيعة من الداخل) ص8، موضحاً أن لهذه المشكلة بواعث سياسية انصبّت في نقاط كثيرة منها: (المنع من تدوين الحديث لئلا تنتشر أحاديث فضل أهل البيت، ومعاقبة من يروي فضائل علي وآل علي، وإبعاد أتباع أهل البيت عن الوظائف والمناصِب الحكوميّة، ووضع الحديث في مناقب الخلفاء) ص9، مما حدى بأولئك الوصول إلى الغلو عن هذه الممارسات.
ويأتي تقديم الدكتور لهذا الكتاب أنه ليس بمعزل عما يجري في الساحة الثقافية وما تصدره دور النشر من كتب قديمة وحديثة حول أدق بعض المفاهيم المتعلقة بـ(النصب والنواصب) فيناقش ما ورد فيها بصبغة علمية دون تهكمٍ على أصحاب تلك المؤلفات، موضحاً الخلل الذي وقع فيه أولئك المصنّفون، مستعرضاً الشواهد التاريخية والروائية التي انبثقت منها هذه المصطلحات كالنصب والغلو كنتيجة وصل إليها أولئك الذين أدبروا عن خط أهل البيت عليهم السلام، وهذا إن دلَّ فإنما يدلّ على تضلّع الدكتور في قراءة المواضيع بشتى الطُرق من خلال اطلاعه على التراث الفكري والثقافي لمسيرة وحركة التاريخ والأحداث التي تمر بالمسألة الواحدة.
ولا ينسى في إشارةٍ لطيفةٍ إلى المؤلف بثناء كبير، بقوله في ص6: (فجمع الشئَ الكثير مما يرتبط بمفهوم "النصب والنواصب"، ونظّمه، وألقى عليه من الضوء العلمي الكاشفِ الشئ الكثير أيضاً)، ويضيف: (وحسبه أنه راد الساحة ليكسر جمود التهيّب من الدخول إليها، وحسبهُ أن كان الجرئَ في إزاحة الستار ليكشف ما كان يدورُ وراءهُ مما كان للأمة أو عليها). حيث وصف هذا الكتاب بالعمل الموسوعي، وأن مؤلفه بذلَ فيه الجُهْدَ المُضني في دراسة المفهوم، ويرى أن مثل هذه الدراسات بلا شك ستفتح البابَ لدراساتٍ أخرى مماثلة، موضحاً النتيجة التي وصل إليها المؤلّف.
وكوني لم أطّلع على مضمون الكتاب، فإني أعتذر عن وضع الانطباع الخاص أو عرض ما ورد فيه من أفكار، وقد بلغت عدد أوراق مقدمة الدكتور الفضلي (15 صفحة).
ختامـــــاً:
أرجو أن أكون قد وفّقتُ لهذه المسألة التي ربما تعتبر تتمّة لما تطرق له كاتب آخر وهو الشيخ/ عبدالله اليوسف، حيث تزامنت فكرة الموضوع مع تكريم العلامة الفضلي، حيث أنه وفق للكتابة والمشاركة وكان الكسل والتأخير من نصيبي الذي أرجو تجاوزه في كتابات سابقة.
عبدالله بن علي الرستم
رمضان 1432هـ