عرض مشاركة واحدة
قديم 28-08-2003, 06:10 AM   رقم المشاركة : 28
الاستاذ
طرفاوي مشارك





افتراضي حوار مع الشاعر ** الصحيح **

بسم الله الرحمن الرحيم




جاسم الصحيح: ثقافتنا المحلية تجاوزت سقف التقاليد الموروثة

الشاعر السعودي لـ«الشرق الأوسط»: 90% من قصيدة النثر تراكم من الفوضى والالتباس





حوار: ميرزا الخويلدي


جاسم الصحيح واحد من جيل الشعراء السعوديين الشبان الذين قطعوا شوطاً كبيراً في المشاركة بصياغة المشهد الثقافي المحلي، وهو من الشعراء الغزيري الانتاج. وقد بدأ تجربته الشعرية كلاسيكياً، متأثراً بالتراث العربي القديم ناسجاً على منواله، لكنه في مرحلة لاحقة من النضج اتجه لكتابة الشعر الحر. هنا حوار معه عن تجربته الشعرية، ورؤيته المشهد الشعري والثقافي عموماً في المملكة العربية السعودية.


*كيف تولد القصيدة لديك؟ هل هناك «حالة» معينة كعادة قسم من الشعراء؟


القصيدة حالة أثيريّة، تخرج بالشاعر من حالته الماديّة الواعية إلى حالة من اللاوعي وقت كتابتها، ولكنّها لا تنبع من فراغ، وإنمّا تنبثق من أفق التأمل في حَدَثٍ من أحداثِ الحياة. ولأن الشعر لا يمكن له أن يقفَ موقفَ الحياد من أي حدثٍ، فان القصيدة تمعن التأمل وتحفر في أعماق ذلك الحدث حتى تصل إلى القرار، ثم تبدأ في تشكيل الرؤى والتصّورات التي بدورها تنحت في جبل اللغة كي تشقَّ لها مجرى وتتدفقّ مثل النهر الذي يقوم بسقاية الأفكار حتى تنمو القصيدة وتترعرع. والشاعر لا يملك إلا أن يكون نَمِراً جائعاً يمشي على أطراف أنامله راصداً غزالةَ الفكرة في بريّةِ الحياة.

*كيف تقيم المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية ارتباطاً بالوضع الثقافي العربي العام؟

كانت ثقافتنا المحلية محكومة بسقف تقاليدنا الموروثة. وهذا السقف لا يمنح المثقف أفقاً كافياً لاستيعاب قامته كاملةً، لذلك بقيت هذه الثقافة أشبه ببحيرة ساكنة تصحو بين حين وآخر على حَجَرٍ صغيرة يُحّرِك هذا السكون ويقتل جراثيم العفونة هكذا كانت. ولكن لاحظنا في الآونة الأخيرة وربما خلال العقدين الأخيرين أن ثقافتنا المحليّة قد انفتحت انفتاحاً ايجابياً على الثقافة العربية، وشقّت لها قنوات فنيّة تصبّ في ذلك المحيط المعرفيّ الكبير، مما أتاح الفرصة أمام أسماء كبيرة للظهور واحتلال صدارة الثقافة العربيّة بدلاً من الإقامة على هامشها كما تعودنا، فأصبح لدينا أسماء مثل الغذامي، والسريحي، ومحمد العلي، وغيرهم يعرفهم القارئ العربي جيداً ويتابع كتاباتهم.

*ما هو جديدك؟ وبماذا ترد على من يتهمك بـ«الغزارة» فأنت كثير الانتاج اذ يصدر لك ديوان كل عام.. ألا تخشى التكرار؟

بعد صدور ديوان (أولمبياد الجسد) في العام الماضي، توجد عندي الآن مجموعة جديدة بعنوان «نحيب الأبجدية» وهي مجموعة ذات بعد إنساني محض يتجلى في بكائيات على المبادئ والقيم التي أصبحت أطلالاً جديدة في هذا العصر وكأن الإنسان قد انبتر من جذوره الأولى. وقد تقّدمتُ بهذه المجموعة إلى «اتحاد الكُتّاب العرب» في سورية وهي بين أيدي لجنة التقييم الآن على أمل أن يتم قبولها ونشرها لاحقا. أما كثرة الإنتاج فهو نابع من كثرة الأورام في القلب ووفرة الآلام في الروح.. والكتابة علاج.. والحروف أدوية، ولا يمكن لنا أن نستغرب على إنسان أنْهَكَتْهُ الأمراض من كثرة ذهابه للطبيب.


*كيف هي علاقتكَ بالنقد والنقاد؟ إننا نلاحظ أن أغلب النقاد الذين يكتبون عنك هم من أصدقائك؟


أعتقد أن النقد مهم في إضاءة طريق المبدع خصوصاً إذا كان الناقد يتمتّع بثقافة واسعة وإحساس ثاقب، وقد يأخذ النقد بُعداً إيجابياً أكبر إذا كانت هناك علاقة وديّة تربط بين المبدع والناقد.. وفيما يخصّ تجربتي الشخصيّة المتواضعة، فإنني أعترف بأن النقاد الذين تناولوا هذه التجربة أمثال محمد العلي، ومحمد العباس، ومبارك بوبشيت، ومحمد الحرز.. هؤلاء النقاد لا تربطني بهم الكتابة فقط، وإنما العلاقات الشخصيّة القائمة على الحبِّ والاحترام والصداقة مما جعل كتاباتهم المتميّزة حول تجربتي تدفعني إلى الأمام رغم قساوتها في بعض الأحيان.

*أنت من أكثر الشعراء السعوديين مشاركة في الأمسيات المحلية والعربية.. فما الذي تحققه لك تلك المشاركات، وماذا تحقق للشعر السعودي؟

كانت آخر مشاركاتي الشعرية في (مهرجان حمص الشعري) خلال شهر يوليو (تموز) الماضي مع باقة جميلة من الشعراء العرب مثل شوقي بزيع، ومحمد القيسي، ومحمد عبد المولى، وعبد الرزاق عبد الواحد، وغيرهم، كان المهرجان فرصة للتعارف مع شعراء رائعين من أنحاء الوطن العربي، والالتقاء بالشعراء الرموز، بالإضافة إلى كونه فرصة لتقييم تجربتي الذاتية مقارنة بالتجارب الأخرى. وما لفت نظري هو أن جيل الشعراء العرب الكبار ليسوا على اطلاع بالجيل الجديد من شعرائنا المحليين، بينما تراهم على اطلاع جيد بشعراء الجيل السابق أمثال الدميني، والثبيتي، والحربي وغيرهم.

*نلاحظ أنك ملتزم بقصيدة التفعيلة، لكن لك محاولات لكتابة قصيدة النثر.. هل هي محاولة لاستشراف عالم جديد أم هروب من الأفق الخليلي الصارم؟


لا شك أن القصيدة النثرية الحقيقيّة تمثل انجازاً هاماً يضاف الى تاريخ الأدب العربي الذي تم انجازه في العقدين الماضيين بغض النظر عن التسمية.. ولكن لا أخفيك أنني مازلت أقفُ موقفَ الحيرة أمام ما يقارب الـ90 في المائة مما يكتب تحت هذا المسمى «القصيدة النثرية»، وهذا التراكم من الفوضى والالتباس هو الذي دعا الكثير لمحاربة هذا الاسلوب الجديد من كتابة القصيدة العربية. ( أؤيدك الرأي يا شاعرنا الكبير ..إلا اني لا استسيغ القصيدة النثرية بتاتاً ( ان تستحق ان تسمى قصيدة !!! ... الاستاذ )

*أين يقف الشعر في عصر التكنولوجيا والإنترنت؟

التكنولوجيا عموماً تمثّل آليّة ابتكرها الإنسان لخدمته، والإنترنت جزء من هذه الآلية.. هكذا أتعامل معها شخصياً. أما الشعر فهو جوهر الخليقة، وإكسير الحياة بالنسبة لي شخصياً أيضاً، فهو موجود في الإنسان والطبيعة واللغة.

هذا المثلث يحتوي على المساحة الشعريّة في الوجود، وهو مثلث غير متساوي الأضلاع، فعندما بدأت الحياة كان الضلع الذي يمثل الشعر في الإنسان هو أطول الأضلاع ولكنه بدأ يتقاصر مع انهيار القيم الإنسانية ودخول هذا المخلوق في حروب شتى وتدميره للطبيعة من حوله مما جعل الشعر في الطبيعة يتضاءل أيضاً فلم يجد الشعر ملجأ سوى اللغة. من هنا نجد أن الشعر رغم توّهجه الكبير على الأوراق وازدياد هذا التوهج مع مرور الزمن، إلا أنه يشعر بالنفي في هذه الأوراق حيث أن موطنه الحقيقي هو قلوب الناس، ولكنه لا يجد فيها الا الاضمحلال والانطفاء. أما الطبيعة فتكمن روعتها في قدرتها على إعادة كتابة قصائدها واستعادة شاعريتها المفقودة بسرعة إذا ما تركها الإنسان في حالها، ولكن ما يدعو للأسف حقاً هو أن الإنسان يتجه تحت تأثير التكنولوجيا الى فقدان الشاعرية والسقوط من أعلى الحالة الأثيريّة في هوّة الماديّة والتحجر، وترتفع أصداء ذلك السقوط مُعْلِنَةً أن الشعر وقفٌ على الكُتُبِ والأوراق.

*نلاحظ في قصائدك ثمة نزعة فلسفية مغلفة بنزعة صوفية. هل هو هروب إلى عالم الميتافيزيقيا من الواقع المفجع؟

أعتقد أن كثافة النزعة الصوفية في شعري تعود إلى الالتباس الشديد في علاقتي مع الغيب وذلك في محاولة فنيّة جادة للخروج من اليقين البهائمي إلى اليقين «الابراهيمي». إنني أشبه بحصانٍ حائر يدير ساقية ولا يعلم متى تنتهي دورته ولكنه في الوقت نفسه يضّخُ الماء الى أشجار الحقل فتُثمر هذه الأشجار وتؤتي أكلها. هكذا أنا في حيرتي أضخُّ الأسئلة المائية في الجذور وأبحثُ عن أجوبةٍ في الأغصان.


*ولهذا يطغى الحزن على قصائدك؟

الحزن ميراثي من تاريخ طويل موغلٌ في الجراحات والعذابات التي ترعرعت معي تحمل صفة القدسيّة وانعكست على كل كتاباتي، ولا يمكن لهذا الميراث الضخم من الآلام المقّدسة الاّ أن يحتلَّ خلايا أوراقي وأقلامي، كما احتل خلايا دمي منذ القطرة البكر من قطرات حليب الأمومة.



واويلتاهُ !!

أنا من رأى الثديَّ يبكي ومن رضع الدمعَ حتى ارتوى بالشقاءْ

أنا من رأى الحنجراتِ محّنطةً

تتنقَّلُ ما بين جيلٍ وجيلٍ على وَتَرٍ من دماءْ

سلامٌ على أول العمر

حيث المواسمُ تستنبتُ الشوكَ في أرض ذاكرتي

والشعائرُ ذاتُ التجاعيدِ ترضعني الانتماءْ

ولا لحنَ غيرُ النحيب يطاردني كالوباءْ

كلما اكتملتْ دمعةٌ في استعارتها

أكملت دورة الأرضِ حولي

كأني منبعثٌ من ضريحٍ أجرُّ قطاراً من الذكرياتِ

على سكة الموتِ أحنو على العجلاتِ الضعيفةِ

حين تنوءُ بما حملتْ من عذابي..

ورائحةُ القهرِ شاهدةٌ في دمي

إنني قد رضعتُ الشعائر طازجةً وأكملتُ الولاءْ

أُطلُّ على وجهي الطفلِ غصناً

تحطُّ عليه الخفافيشُ إذ يتهجّى الوجوهَ

على شُرُفاتِ المآتمِ يقرأ فيها مواريثه من كنوز البكاءْ.



ــــــــــــ

** عن جريدة الشرق الأوسط: الثلاثاء 24/5/1422هـ





تحياتي .... الاستاذ

 

 

 توقيع الاستاذ :
حوار مع الشاعر ** الصحيح **
الاستاذ غير متصل   رد مع اقتباس