وهذا تعليق الأستاذ جابر الخلف حول ما طرحه الأخ/ وقلبي بحبك متيما ..
>
>
مقابسة
احتراما للنقاش النافع المفيد، واحتراما لمداخلات الأخ (وقلبي بحبك متيمًا) على مشاركتي، واحتراما لأدبه الجم، وأخلاقه الحوارية العالية، أَجدُني ملزمًا بالتعليق على ملاحظاته بقصد الاستفادة .. وليس الإعادة، أقول (التعليق) وليس الرد؛ لأنني أحترم وجهة نظره؛ ولذا سأتمسك بالتعليق والتعقيب عليها، (وليس الرد .. والرد المقابل)، فإن الآراء تزداد نضوجا وتجليا بالنقاش الخالي من (نبرة الردود) .. من أجل الوصول إلى مفهوم (المقابسات) حسب تعبير أبي حيان التوحيدي، أي أقبسُ من قولك (شهابَ قبسٍ)، وتقبس من قولي مثله، ونلتقي كلانا بـ(قبسين) اثنين عند (جبل القرب) .. لا قبسا واحدا !!
سأحاول جاهدا أن تكون التعليقات مختصرة موجزة منقّطةً في نقاطٍ .. كي تكون أسهل للهضم فيما أظن:
1ـ يقول الأخ العزيز (وقلبي بحبك متيمًا): "وهذه نقطةٌ مهمةٌ في حقيقةِ الأمرِ؛ لأنَّ كتبَ الحديثِ تحتاجُ إلى نقدٍ، بل بعضُ الكتبِ دخلتْ فيها بعضُ الأحاديثِ الموضوعة" !!
هذه مقولةٌ محكمةٌ نيرةٌ .. وأنا أضم صوتي مع صوتك، وأشدُّ عليه، وأقول معك: بأن الكثير من الكتب، إن لم يكن الأكثر قد داخله الكثير من الأحاديث الموضوعة، وبهذا قال الكثير من (المحققين) الذين بذلوا جهودا مضنية في ذلك، ولكن للأسف هذه التحقيقات ليست محل (التداول) و(التناول) على المنابر والخطب والمساجد والحسينيات، أي أنها لم تتحول إلى خطاب فكري اجتماعي، أو ثقافة عامة، ولكن ـ مع الأسف ـ بقيت تلك التحقيقات صيحات في وادٍ .. أو جداول تنساب في (براري الحمى) !!
وليس أمام الناقل (من كتب الحديث أو سواها) في هذه الحالة إلا أن يكون متحرّيًا مبالغًا في التّحري، وواعيًا متفانيًا في الوَعْي، ومراعيًا حقَّ الرعاية لجهود (المحققين).. وهذا جلُّ ما يملكه الحريصون على مدرسة أهل البيت (ع)، وصفاء منابعهم !!
2ـ يقول الأخ (وقلبي بحبك متيمًا) في مقابسة ثانية: " إن الاستشهادَ بالأدعيةِ والزيارات و(المناجيات) لا يقللُ من قيمةِ كتاب الأستاذ حفظه الله تعالى, بل يدلُّ على أنه يريدُ أن يغذيَ روحَ القارئ من منبع العلم والفضيلة، وهم أهل البيت عليهم السلام"
لم يقلْ أحدٌ كلامًا يخالفُ هذا القولَ، أو يختلفُ معه، ولكن من المهم جدا أن تكون التغذيةُ سليمةً صحيحة معتمدة على المصادر الغذائية الصحية الخالية من المنغصات .
3ـ يقول الأخ (وقلبي بحبك متيمًا) في مقابسة ثالثة: " قلت: والمناجاة (المنسوبة)، التي لم تثبت نسبتها كالمناجاة الشعبانية ".
سيدي (المُتَيَّم) لستُ أنا من قال بأن المناجاةَ الشعبانيةَ هي مناجاةٌ منسوبةٌ، وإنما من قال ذلك هو الأستاذ علي نفسه في (رسالة القرب) ص30 حيث قال:" إنّ أداءَ العملِ والعبادةِ على أساسِ المحبةِ له آثارٌ كبيرةٌ وكثيرةٌ، مما يسببُ الدُّنوَّ والقربَ، فقد ورد في مناجاة شهر شعبان المنسوبة لأمير المؤمنين عليه السلام "، وحسب نقلكَ (أيها المتيم) فإنّ الشيخ عباس القمي (رحمه الله) قال:" وهذه مناجاةٌ جليلةُ القدرِ منسوبةٌ إلى أئمتِنا عليهم السلام مشتملةٌ على مضامينَ عاليةٍ، ويحسنُ أن يُدعى بها عندَ حضورِ القلبِ متى ما كان " مفاتيح الجنان ص 211.
فالشيخ عباس القمي (ت 1359هـ)، والأستاذ علي الحجي كلاهما قال بأن المناجاة الشعبانية منسوبة، ولكن الشيخ عباس القمي قال بأنها :" منسوبة إلى أئمتنا عليهم السلام "، أما الأستاذ علي الحجي فقال بأنها منسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام . فأيُّ النسبتين أصح ... ؟!! *
وأنت تقول ( أيها المتيم):" ونحنُ نقولُ لكَ أيها الأستاذ (حفظك الله) مَنْ قالَ بأنّهُ لم تثبتْ نسبتُها (...) مع أنَّ نسبتَها ثابتةٌ، والمضامينُ عاليةٌ .. !!
(نسبتها الثابتة) قولٌ لم يقلْ به الشيخ عباس القمي (رحمه الله)، وإنما قالَ حَسْبَ نقْلِكَ: " هذهِ مناجاةٌ جليلةُ القدرِ منسوبةٌ إلى أئمتنا عليهم السلام، مشتملةٌ على مضامينَ عاليةٍ .. " مفاتيح الجنان ص 211.
ولفظُ (المنسوبة) اسمُ مفعولٍ من الفعلِ الثُّلاثيِّ المبني للمجهولِ (نُسِبَ)، وهذا اللفظُ إذا وقع (صفة) لكلامٍ أو نصٍّ يوحي بأنّ هذا الكلامَ أو هذا النصَّ لم يثبت ثبوتا قطعيا لقائله المنسوب له، وهذا التعبير من الشيخ عباس القمي " هذهِ مناجاةٌ جليلةُ القدرِ منسوبةٌ إلى أئمتنا عليهم السلام " يوحي بأنَّ المناجاةَ منسوبةٌ؛ أي لم تثبت نسبتها، ومجهولية النسبة أمرٌ يختلفُ عن ثبوتها، ولا شك بأنه يوجد فرق بين لفظ (المنسوب) أو (المنسوبة)، وبين (نسبتها الثابتة) الذي يوحي به تساؤلك التعجبي " مَنْ قالَ بأنّهُ لم تثبتْ نسبتُها .. ؟؟ "
أما قولي " فإنّه يوجدُ أخذٌ وردٌّ حول نسبتها أو مضامينها " فهو تعبيرٌ احترازيٌّ، يشير إلى أنه هناك أقوال مختلفة، واحتراما لهذا الاختلاف قلت (بأنّه يُوجدُ أخذٌ وَرَدٌّ) !!
وهذه النقطة التي تدور حول (المناجاة الشعبانية) هي جزئيةٌ صغيرة من ملاحظات عامة تدور حول التعامل مع (منابع رسالة القرب ومصادرها)، وهذه الملاحظات العامة ذكرتها في الأرقام (سادسًا)، و(سابعًا)، و(ثامنًا)، أتمنى أن تعيد قراءتها، وهناك تفصيلات أخرى ضرورية، ولكن لا داعي لذكرها؛ كي لا يطولَ الكلام .
4ـ يقول الأخ (وقلبي بحبك متيمًا) في مقابسة رابعة: " هناك يا أستاذ جابر طرقٌ متعددةٌ في تصحيح الأحاديث (...) "، ثم ذكر طريقة النقد الداخلي للحديث .
وهذا القول صحيح، وقد صدق أخي (المتيم)، هناك عدة مدارس في تصحيح الأحاديث، ولكن الرأي الذي أشار إليه هو حول (تصحيح الأحاديث) والأخبار، فهل ينطبق ذلك حول (كتب الأدعية والزيارات والمناجيات)، التي لا يجادل أحدٌ في أهمية هذا التراث الإسلامي من الأدعية والمناجيات والزيارات، ولكن الكتب التي ترويها هناك (أخذ وردٌّ) حول وثاقتها وتحريها الإسناد في نقل هذه الأدعية والمناجيات، وهذا الكلام يقوله كثير من المشتغلين على تحقيق الكتب الدينية في عصرنا الحاضر، انظر مثلا من باب المراجعة النظرية كتاب (نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي)، حيدر حب الله .
وما كنتُ أعنيه، وله علاقة بموضوع (منابع رسالة الرفقاء ومصادرها)، هو أن المؤلف لم يلتزم بأية مدرسة من المدارس التي تشير إليها، وهذه هي الملاحظة التي أعنيها، وليس مناقشة موضوعات أخرى فيها أقوال وآراء كثيرة .
أما مقولة: " إنّ قراءة الأدعية والزيارات لا تتبع صحة السند، بل صحة المضمون " فبقدر ما هي إجابة على استفتاء، هي أيضا تثير أسئلة: فهل يصح هذا القول حتى لو كان الدعاء أو الزيارة منسوبين، أي لم تثبت نسبتهما ... ؟؟!! ولماذا لا تصحح نسبة الأدعية والزيارات والمناجيات على أصول علمية من قبل المؤسسات الدينية، والمراكز الإسلامية، وتصبح القراءة للأدعية والزيارات تابعة لصحة السند والمضمون معا ؟؟؟؟؟؟؟
5ـ نقل الأخ (وقلبي بحبك متيمًا) في مقابسة خامسة رأي السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله) في إجابته على استفتاء، وهو قوله:" يحسن الدعاء بها رَجَاءً، ولا يسعنا تحقيق سندها" ، ولم يبين السيد محمد سعيد الحكيم (حفظه الله) في جوابه السبب في عدم تحقيق سندها، أو عدم اتساع ذلك لديه، مع أهمية الزيارة، ومضامينها العالية ؟؟!!!
أرجو أن لا يفهم من كلامي الدعوة إلى أي شيء، أو التبني لموقف معين، ولكن كل ما في الأمر الدعوة إلى تحري الدقة في النقل من المصادر، وهذه الملاحظات دعوة إلى ضرورة المعالجة الصحيحة لنصوصنا الدينية كلٌّ حسب طريقته .
_________________
* (ملاحظة): رجعتُ إلى كتاب مفاتيح الجنان، الشيخ عباس القمي، ص208، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثانية المصححة، قال:" الثامن: أن يقرأ هذه المناجاة التي رواها (ابن خالويه)، وقال إنها مناجاة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، كانوا يدعون بها في شهر شعبان).