نموذج لإطلاع أولياء الله على أعمال الناس
<span style='color:darkblue'>نقل سماحة الأستاذ الشيخ حسن زادة الآملي ـ حفظه الله ـ يوماً الحادثة التالية؛ قال: "كانت لنا قضايا مع سماحة الأستاذ السيد محمد حسن القاضي الطباطبائي ـ شقيق المرحوم العلامة الطباطبائي صاحب التفسير القيم "الميزان" ـ, وكان يخبرني أحياناً بأحوالي الباطنية, كان ارتباطه بعالم الأرواح قوياً جداً. وقد قال لي: كلما أتعرض لمشكلة أعجز عن حلها, أتشرّف بالمحضر المبارك للمرحوم السيد علي القاضي الطباطبائي ـ وكانت قد مرت يوم ذاك عدة سنين على وفاته ورحيله عن هذه الدنيا إلى ديار البقاء ـ وأعرض عليه مشكلتي وهو يتفضل عليّ بالجواب.
وعندها قلت لسماحة السيد محمد حسن ـ رضوان الله عليه ـ: يا سيدي, إذا تشرفت بالحضور في محضر السيد علي القاضي ـ رحمة الله عليه ـ, فأبلغه سلامي, وقل له: إن فلاناً يسألكم الدعاء. وقد وافق المرحوم السيد محمد حسن القاضي ووعدني بأن يعرض طلبي على المرحوم السيد علي القاضي إذا تشرف بزيارته.
ثم مضت مدة على ذلك وانتقل السيد محمد حسن إلى تبريز, كما سافرت أنا من قم إلى مدينتنا آمل مع حلول العطلة الصيفية وتوقف دروسي فيها, وقد رتبت لنفسي برنامجاً عملياً في آمل اشتمل على التدريس والبحث العلمي والخطابة وغير ذلك, وكانت هذه النشاطات في المسجد والتدريس والبحث والخطابة مكثفة للغاية وإلى درجةٍ كنتُ أشعر معها بحاجة شديدة للنوم والاستراحة بعد أن أتناول طعام الظهيرة كلما عدت إلى المنزل إذ كنت أعود متعباً للغاية خاصة وأن الحر كان شديداً في ذلك الصيف.
وفي أحد تلك الأيام رجعت إلى المنزل بعد انتهاء عملي اليومي, وتهيأت للنوم بعد تناول طعام الظهيرة, ولكن سرعان ما ارتفعت أصوات ضجيج الأطفال وبصورة منعتني النوم الأمر الذي افقدني السيطرة على أعصابي خاصةً وأنني كنت متعباً للغاية, وبلغ انفعالي درجة قمت معها ولاحقت الأطفال, ففر كبيرهم من بين يدي, وحاول الأوسط الفرار لكنني حاصرته عند النافذة وضربته على ظهره, ثم لاحقت أصغرهم إلى ساحة البيت وحاصرته في نهاية المطاف في زاوية منها بحيث لم يبق أمامه طريقاً للفرار, فلما وجد أن جميع طرق الفرار مسدودة بوجهه ألقى بنفسه فجأة عليّ واستعاذ بي من شري!!
أثر علمه فيَّ بعمق بل قد اصطادني الصبي بعمله ووقعت في شباكه, انتبهت فجأة إلى حالي ورجعت إلى نفسي فشعرت بخجل شديد من نفسي ومن عملي, وحزنت بعمق وضاق صدري وسيطر علي غم شديد مع شعور عميق بالخجل وأنا أرجع للغرفة للنوم لكنني لم استطع أن أنام رغم كثرة محاولاتي, فاضطررت للنهوض وقلت في نفسي: لأذهب إلى السوق واشتري شيئاً للأطفال أدخل به السرور إلى قلوبهم وأرضيهم به. وبالفعل نفذت هذا القرار, ذهبت إلى السوق واشتريت لكل منهم شيئاً وتلطفت بهم حتى فرحوا جميعاً؛ أما أنا فلم يتغير حالي, فقد بقي الهم والغم يسيطران على قلبي بقوة أفقدتني القرار.
ولما رأيت عجزي عن العودة إلى حالتي العادية قررت مغادرة آمل والسفر ولو لفترةٍ وجيزة إلى مكان ما, لذلك قلت لوالدة الأطفال: قررت السفر إلى طهران, لا تقلقوا إذا لم أرجع الليلة أو غداً, وبالفعل سافرت إلى طهران عصر ذلك اليوم وصلتها مع غروب الشمس، قضيت تلك الليلة في أحد مدارسها الدينية وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى موقف حافلات النقل التي تنقل المسافرين إلى تبريز فوجدت إحدى الحافلات مستعدة للتحرك, فاشتريت البطاقة وصعدت الحافلة وقضيت ذلك اليوم وليلته في الطريق, وقد وصلنا تبريز مع أذان الفجر؛ أخذت بالبحث عن إحدى المدارس الدينية لكي أصلي بها صلاة الفجر, هدوني إلى "المدرسة الطالبية", فذهبت إليها وصليت الفجر فيها وصبرت حتى طلعت الشمس ثم سألت طلبة المدرسة عن عنوان منزل سماحة الأستاذ السيد محمد حسن الإلهي الطباطبائي, أعطوني العنوان فذهبت إليه, طرقت الباب, فجاءت امرأة قلت لها من خلف الباب: أبحث عن منزل سماحة السيد محمد حسن الطباطبائي, أجابت, هذا هو منزله, قلت: اخبروا سماحته أن فلاناً يرغب في زيارتكم. ذهبت السيدة وبعد لحظات جاء السيد بنفسه وبعد السلام والسؤال عن الأحوال دعاني للدخول فدخلت وجلست فبادرني بالقول: كنت أفكر في سبيل للعثور عليك من أجل إخبارك بأمرٍ, فجئتم بأنفسكم ولله الحمد وكفيتموني مشقة البحث عنكم! قلت: خيراً إن شاء الله تفضلوا.
قال السيد: كنت الليلة الماضية عند المرحوم القاضي, ولأنكم كنتم قد طلبتم أن أنقل له ـ إذا تشرفت بلقائِهِ ـ سلامكم وأقول له: إن فلاناً يسألكم الدعاء؛ لذلك قلت لسماحته: إن فلاناً يبلغكم السلام ويسألكم الدعاء. لكني وجدت المرحوم القاضي يعتبُ عليكم!
سألت سماحة الأستاذ محمد حسن الطباطبائي: لماذا؟ فأجاب: قال السيد القاضي: أنقل للشيخ حسن زاده قولي له: كيف يرغب في سلوك هذا الطريق وهو يعامل أولاده بهذه الصورة.
قلت للسيد ـ وقد هيمن علي انكسار عميق وخجل شديد ـ: يا سيدي, أقسم بالله أنني لم أعتد على منازعة الأولاد, ولا أدري لماذا جرى هذه المرة ما جرى, ولكن ستكون هذه الحادثة هي الأخيرة مثلما كانت الأولى ولن تتكرر أبداًَ.
كنت قد قررت أن أقضي تلك الليلة في منزل السيد الأستاذ, لكنني لم أطق ذلك لشدة الخجل الذي سيطر عليّ, لذلك ودعته وقضيتُ تلك الليلة في أحد الفنادق ثم غادرت تبريز صباح اليوم التالي".
إن الغرض من نقل هذه الحكاية هو أن نتنبه ـ أنا وأنت والآخرون ـ إلى أننا قد تقوقعنا في آفاقنا المحدودة ولذلك فنحن نرتكب كل عمل تدعونا له الأهواء النفسية والإغراءات الشيطانية؛ غافلين عن حقيقة أن أرواح الأولياء والمؤمنين وسكنة عالم الملكوت ـ فضلاً عن الله ورسوله <img src='style_images/1/p1.gif'>, تطلع على أحوالنا وتنظر إلينا وإلى جميع أعمالنا رغم أننا محجوبون عن ذلك, ولكن ينبغي الانتباه إلى حقيقة أن عدم رؤيتنا لهم لا يجيز لنا أن نفعل ما نشاء بحرية؛ كلا, إن المعيار في وجوب حفظ حرمتهم ورعاية آداب حضورهم هو رؤيتهم لنا وليس رؤيتنا نحن لهم؛ وذلك يكفي في ايجاب الورع عن هتك حرمة حضورهم علمنا بأننا في حضرتهم وأنهم يروننا.
لنضرب مثالاً لتوضيح الحقيقة المتقدمة؛ وهو: إذا حضر جماعة من فاقدي البصر عند السلطان, فهل بإمكانهم أن يجلسوا حيثما شاءوا أو يتكلموا بما شاءوا لمجرد أنهم لا يرون السلطان؟ أم أن مجرد علمهم بأنهم في حضرة السلطان وأنه يراهم؛ يكفي في دفعهم للجلوس بتخضع وتأدب ورعاية آداب الحضور في حضرته بأفضل صورة ممكنة مجتنبين القيام بأي عمل لا يناسب المقام؟ الجواب على هذا السؤال واضح.
إذن, اعلم ـ أنت يا أخي المؤمن بالله ورسوله والمقر برفعة مقامات أولياء الله ـ أن ارتكاب الذنب إنما يقع في حضرة الله ورسوله والمؤمنين والملائكة؛ أفلا تخجل من ذلك؟ ألا تستحي من ارتكاب القبائح بمرأىً منهم ومسمع؟
لقد رأيت أحد أكابر أساتذة الأخلاق نائماً ليلةً وهو في حال السجود, ثم عرفت فيما بعد أن هذه هي سنته كل ليلة لأنه يستحي من أن يمدّ رجليه والاضطجاع لكونه في حضرة الله؛ فكيف تتجرأ أنت على ارتكاب المعاصي بمحضر من الله وأوليائِهِ دون حياء؟ فما أعظم الفرق بين هذا السلوك وبين ذاك؟! ما دمت قد ابتعدت إلى هذه الدرجة عن أولياء الله والمؤمنين المخلصين في هذه الدنيا؛ فلا تظن أن محشرك في الدار الآخرة سيكون معهم ولا تتوهم أنك ستحظى هناك بما سيحظون به من النعم العظيمة.
وخلاصة الكلام هي أنه على من يريد أن يرتكب المعاصي البحث عن مكان لا يراه الله فيه, ولكن لا يمكن بحال تصور وجود مثل هذا المكان مع ثبوت الاعتقاد بأن الله مطلق في وجوده مطلق في علمه؛ بل ولا يمكن أن يطرأ مثل هذا التصور على ذهن المسلم المؤمن بالقرآن الكريم لأن الله يقول في كتابه العزيز: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.
روى المرحوم الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير القيم المسمى "مجمع البيان" حديثاً عن الإمام الصادق <img src='style_images/1/p2.gif'> في ذيل هذه الآية الكريمة أنه قال: "كان رسول الله <img src='style_images/1/p1.gif'> إذا قرأ هذه الآية بكى بكاءً شديداً"[.
فيا عزيزي! إن الحقيقة التي تجعل رسول الله <img src='style_images/1/p1.gif'> يبكي بكاءً شديداً؛ ينبغي أن تجعلنا ـ وكحدٍ أدنى ـ نتفكر في حالنا بعمق ونتحرر من أسر اللامبالاة والتهاون والغفلة؛ وينبغي أن تدفعنا ـ كحد أدنى ـ إلى أن نقضي شطراً من حياتنا ونحن نستعشر حضور الله؛ ومما لا شك فيه هو أننا لو حالفنا توفيق الاستشعار لواقع أننا في حضرة الله وبالتالي أن علينا أن نلتزم برعاية حرمة حضوره؛ فإننا سنتورع عن ارتكاب الكثير من الذنوب ونحظى بمرتبة ـ ولو دانية ـ من مراتب العصمة.
</span>