شارلكان أو كارلوس الخامس هابسبورغ (خنت، 24 فبراير1500 - كواكوس دي يستي، 21 سبتمبر1558) ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
أحد أعظم الشخصيات في التاريخ الأوروبي، توّج ملكاً لإسبانيا باسم كارلوس الأول وملك إيطالياوأرشيدوق النمسا ورأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، حكم إمبراطورية مترامية الأطراف وموزعة على ثلاث قارات، فقيل إن الشمس لا تغيب عنها.
من تتويج بولونيا (1530) حتى الحملة على الجزائر (1541)
شكلت سنة 1530 نقطة تحول هامة لشارل الخامس على المستوى الشخصي ولدوره كملك وإمبراطور. فقد تخلص من أية وصاية لأي مستشار وبدأ باتخاذ قراراته بصورة مستقلة على أساس خبرته التي نضجت إلى جوار غاتينارا. وكإمبراطور، شعر من خلال تتويجه بابوياً أنه تولى المهمة الأساسية المتمثلة بتكريس نفسه لحل المشاكل التي أحدثتها اللوثرية في أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص، بهدف محدد هو إنقاذ وحدة الكنيسة النصرانية الغربية.
تحقيقاً لهذه الغاية، دعى في نفس العام إلى اجتماع أوغسبورغ والذي تواجه فيه اللوثريون والكاثوليك من خلال عدة وثائق، أبرزها "إقرار أوغسبورغ" الـُمعد لإيجاد إدارة عضوية ومتجانسة مع الفرضية الدينية والمفاهيم المذهبية المركبة التي تمثل أسس العقيدة اللوثرية، دون أي ذكر لدور البابوية حيال الكنائس الإصلاحية. كان شارل الخامس قد أكد مرسوم فورمس لسنة 1521، أي حرمان اللوثريين كنسياً، ما يهدد إعادة بناء أملاك الكنيسة. رد اللوثريون الممثلون بما يسمى "التنظيم الإصلاحيين" بإقامة الإتحاد الشمالكالدي في سنة 1531. وزود هذا الإتحاد بجيش إتحادي وخزانة عامة، وقاده الدوقان فيليب الأول لاندغراف هسن ويوهان فريدرش ناخب ساكسونيا.
إتضح أن أتباع مذهب لوثر اتخذوا اسم "البروتستانت" (المحتجين) لأن المضوين في "التنظيم الإصلاحيين" كانوا قد احتجوا خلال اجتماع شباير الثاني سنة 1529 على قرار الامبراطور استعادة مرسوم فورمس (قوانين الحرمان الكنسي وإعادة بناء الممتلكات الكنسية) المعلق سابقاً وقبل اجتماع شبير لسنة 1526.
في نفس العام حل شارل مشكلة لطالما تسببت له بالإحرج. كان فرسان القديس يوحنا قد خسروا في سنة 1522 جزيرة رودس على يد العثمانيين والتي كانت مقراً لهم، فظلوا يجوبون البحر الأبيض المتوسط طوال سبع سنوات بحثاً عن أرض جديدة. الوضع لم يكن سهلا لأن فرسان القديس يوحنا لم يقبلوا بأن يكونوا تابعين لأحد ويتطلعون إلى بقعة تكون لهم فيها السيادة الكاملة في بحر متوسط محتل تماماً من القوى الأخرى. في عام 1524 عرض شارل على الفرسان جزيرة مالطا والتي كانت تحت حكمه المباشر. لم يتقبل الفرسان المقترح في البداية لأنه يعني ضمناً خضوعهم رسمياً للإمبراطور، ولكن بعد مفاوضات طويلة، قبلوا بالجزيرة (قالوا بأنها ليست رحبة جداً وليس من السهل الدفاع عنها) بشرط أن يكونوا حكاماً وليسوا تابعين للإمبراطور وطلبوا أن توفر لهم الإمدادات الضرورية للحياة من صقلية. كان قرار شارل ذو طابع استرتيجي أكثر من كونه تعبير عن رغبة حقيقية في مساعدة تنظيم القديس يوحنا : فمالطا، الجزيرة الصغيرة في وسط البحر المتوسط، تقع بموقع ذو أهمية استراتيجية كبيرة، وخاصة بالنسبة للسفن التي تـَعبـُر وتتوقف بأعداد كبيرة، فكانت هدفاً لهجمات وغارات المجاهدين البحريين، لذا احتاج شارل لأحد يتفرغ بشكل تام بالدفاع عنها وكان الفرسان مثاليين لذلك.
كان العقد الذي افتتح غداة تتويج شارل الخامس بكاتدرائية سان بترونيو في بولونيا في 24 فبراير1530 على يد البابا كليمنس السابع وانتهى سنة 1540 مفعماً بالأحداث التي خلقت للامبراطور مشاكل ليست بالقليلة. فاستؤنف الصراع مع فرنسا، وتجددت هجمات العثمانيين باتجاه أوروبا، كما سـُجل انتشار واسع للمذهب اللوثري. كان على شارل الخامس باعتباره المعقل الأعلى للتكامل الأوروبي وللعقيدة الكاثوليكية، التعامل على جميع هذه الجبهات الثلاث في وقت واحد وبصعوبة بالغة.
في أوائل عقد الثلاثينات، بدأ كل من شارل الخامس وفرانسوا الأول بانتهاج ما تـُعرف ب"سياسية الزواج" التي رغبوا من خلالها في بسط السلطان على بلدان أوروبا التي لم يتمكنوا من فعل ذلك فيها بالسلاح. زوج شارل الخامس ابنته غير الشرعية مارغريت من دوق فلورنسا وكما زوج ابنة شقيقته كريستينا أولدنبورغ من دوق ميلانو. من ناحيته زوج فرانسوا الأول أخت زوجته ريني فالوا أورليان من دوق فيرارا إركولي الثاني ديستي.
لكن أبرز الأعمال هذا المجال كان ترتيب البابا كليمنس السابع لزواج ابنة أخيه كاترين دي ميديشي من النجل الثاني لفرانسوا الأول، هنري، الذي بسبب الوفاة المبكرة لوريث عرش فرانسوا، سيكون هو ملك فرنسا باسم هنري الثاني.
جعل هذا الزواج فرانسوا الأول أكثر مغامرة وعدوانية حيال شارل الخامس، فأبرم تحالفاً مع سلطان القسطنطينية شجع الأخير على فتح جبهة صراع ثانية ضد الإمبراطور في البحر المتوسط بقيادة أمير البحرخير الدين الملقب برباروسا.
قادت هذه الخطوة شارل الخامس للقيام بحملة عسكرية ضد المسلمين في شمال أفريقيا، والتي انتهت في سنة 1535 باحتلال تونس وهزيمة برباروسا ولكن ليس القبض عليه، إذ وجد ملجأ في مدينة الجزائر.
قرر شارل الخامس بعد أن عاد من حملة تونس التوقف في إيطاليا، ووصل روما في أبريل سنة 1536، للتعرف ومحاولة التحالف مع البابا الجديد بولس الثالث (ألساندرو فارنيزي) خليفة كليمنس السابع المتوفي سنة 1534. أعلن البابا الجديد الحياد في الصراع المستمر منذ أكثر من عقد بين فرنسا والإمبراطورية، لذلك استأنف فرانسوا الأول المدعوم بهذا الحياد الأعمال العدائية، مبتدأً النزاع الثالث مع الإمبراطور والذي انتهى بعد عامين فقط في سنة 1538 بهدنة بومي وصلح نيس اللذان لم يؤديا إلى نتائج جديدة فلم تتغير نتائج صلح مدريد وصلح كامبراي اللذان أنهيا النزاعين السابقين.
كان على شارل الخامس بالتزامن مع هذه الأحداث، مواجهة انتشار المذهب اللوثري الذي بلغ ذروته بتشكيل الإتحاد الشمالكالدي في سنة 1531، والذي بدأ يستقطب الأمراء الجرمان أكثر وأكثر.
انشغل الامبراطور من جديد ضد العثمانيين في صراع انتهى بالهزيمة في معركة بروزة البحرية في 27 سبتمبر1537 حين تفوق قائد المسلمين برباروسا على الأسطول الإمبراطوري.