منام في حضن الأبجدية
أو
منامات اليقظة
رأيتُ فيمَا لا يرَى إِلا النَّائِمُ أنَّ شعاعا سماويا قد عمَّ سنا نورِه أعنانَ السماء، وآفاقَ الأرض، ولم أُحطْ بذلك الشعاعِ السماويِّ خُبرا، فانشرحت له نفسي، وتاقت لأنواره روحي، فرأيت رجالا عاليهم سيماءُ الفضل، ومناقب ذوي الشرف، رأيتهم يُحصون المجالسَ الحسينية، ويدققون في أعدادها في سجل خاص، ويضعون أرقاما، ويدونون في سجلات أخرى أماكنَ الحسينياتِ وأسماءها، وكأنهم يُعدون إحصائية بأعدادها وأوقافها، ويسجلون أسماء من يقرأون فيها، ومن يشرفون عليها، فاستحثني الفضولُ الغريزيُّ أن أسألهم؛ فدنوتُ من أحدهم وسألته عن كل هذه الإحصائيات والأرقام، وعن كل هذه المدونات والسجلات، فقال لي في حذر وسرور: نحن في طور إحصاء هذه الأوقاف الحسينية المعروفة لديكم بـ(الحسينيات)؛ لأنه سيتم استثمارها بشكل استثنائي فيما يلبي حاجات الناس في هذا العصر، فقلت لهم: هذه أوقاف أبدية منذ مئات السنين وآلافها، وهي لا تباع ولا تشترى، ولا تستثمر إلا فيما هي له مما جرت به العادةُ؛ مما استقر في أعرافنا وتقاليدنا ! فقال لي: هذا عُرْف قديم قد تجاوزه العصر والعلم ومتطلبات الواقع الاجتماعي .. وقال لي مرددا: للحسين عاشوراؤه، ولكم عاشوراؤكم ! فسألني: ألم يتم وَقف هذه الحسينيات والمجالس للنفع العام، قلت: بلى .. هي كذلك . فقال لي: أيُّ نفع في فتح هذه الحسينيات والمجالس، (وفي كثيرها بل أغلبها) هي مجالس لاستعادة قراءة التاريخ من غير توثيق وتدقيق، ثم استثمار بقية الوقت في القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال في الأكل والشرب، ومنادمة الماضي فوق دَكّة الترديد والتفجيع . قلت له: هذا تعميم من دون تدقيق وتمييز لمن هم يبذلون المال في التوعية والتربية والاستفادة من هذه المنابر في نشر العلم، وبناء الإنسان قبل الحيطان ؟! فقال لي مستفيدا من خبرته في الإحصاء: كم عدد هذه المجالس الحسينية التي تقوم بمثل هذا الجهد الواعي، وكم هو عدد الخطباء الجادين الذين بذلوا مهجهم وأوقاتهم في سبيل ذلك وسط هذا الركام المنبري المرئي والمسموع ؟ وعليك بما يطرح في القنوات الفضائية على مرأى ومسمع من العالم، مثالا حيا مباشرا على الهزال الفكري والإعلامي في تقديم الحسين للعالم ؟!
قال لي صاحبي في المنام: لو قُدّر لنا ونجحنا في استثمار هذه المجالس والأوقاف والحسينيات في بناء مراكز طبية، ومعاهد علمية، وأكاديميات بحثية، وملاهٍ تربوية تلبي احتياج الأطفال للعب واللهو مع دروس خفيفة ظريفة شريفة تناسب أعمارهم مثل الرسم بالكلمات، واستماع الأشعار الرفيعة، وإنشادها لهم بأصوات معبرة ؟!
قال لي: تَخَيّل لو تم استثمار هذا المبنى الذي تراه أمامك مثلا، واستحال إلى مركز إسلامي بمسمى (مركز الإمام الحسين لاستثمار وقت كبار السن)، تطرح فيه الموضوعات التي تناسبهم، وتقدم فيه خدمات إنسانية واستشارية لهم، وإعداد برامج لهم بالصوت والصورة تلبي احتياجاتهم النفسية والعمرية والاجتماعية والدينية والصحية، وإعداد المبنى بشكل عُمْراني مفتوح مناسب لهم ولأعمارهم، وتعد له ميزانية من الوقف الحسيني ومن التبرعات والاشتراكات، ويدعى الأطباء والمستشارين النفسيين والخطباء والعلماء في برنامج شامل متكامل يلبي حاجاتهم الدنيوية والأخروية !
قال لي: تخيل معي لو تم استثمار تلك الحسينية، وسميت (معهد السيدة زينب التربوي) وقدمت فيه برامج متكاملة؛ لاستثمار وقت النساء تربويا وثقافيا و(أموميا) ومعرفيا من خلال المختصين في شتى مجالات الحياة، وليس استثماره فقط من قبل (النادبات) و(اللاطمات)، أليس في ذلك المشروع نفعا أرجى لمجتمع يموج في بحر لُجّي، وهو بحاجة ماسة إلى صانعات العقول، مثل السيدة زينب (ع) !
تخيل معي لو تم تحويل (حسينية ما) مثلا إلى مشروع مركز طبي بمسمى (مركز السيدة فاطمة بنت الحسين الطبي)، يقدم الخدمات الطبية بشكل إنساني، ويصرف عليه من الأوقاف المحبوسة التي قد أبلاها الزمان، وملَّ منها المكان، من طول حبسها، واستنقاذ السيدة فاطمة من سجنها التاريخي بوصفها جلجلة للبكاء، واستحضارها في عصرنا بوصفها امرأة آسية للجراحات، وصائنة للأسرة من شر الأمراض والأوبئة النفسية والجسمية، كما هي (السيدة العذراء) في عطائها الإنساني، و(الماما تريزا) في حنوها على الإنسان .
تخيل معي أن نفتح مركزا حقوقيا يُعلّم الناس حقوقهم وواجباتهم بمسمى (مركز الإمام السجاد الحقوقي)، يُدرّس في شكل عصري رسالة الحقوق، ويقدم خدمة إنسانية في حقل معرفي معاصر يلبي حاجات الناس، ويساعدهم في السراء والضراء؛ أليس من التعظيم لأهل البيت أن نقدمهم للناس مرشدين هداة، نافعين بناة؛ بدلا من تقديمهم في هذا العصر بأنهم كائنات تاريخية وبوصفهم جزءا من رحى الصراع والجدال المذهبي، والسجال الطائفي !
تخيل معي لو تم افتتاح (مركز عبدالله الرضيع للطفولة) يهتم بالبرامج الترفيهية والتربوية للأطفال، ويكون حلا عمليا للمشكلات التربوية التي تواجه الأسرة، وحلا عمليا لتقديم اللهو المباح للأطفال في برامج مبهرة وأخاذة ونافعة في الوقت نفسه خلال السنة، وليس خلال عاشوراء وحسب .
تخيل معي لو تم استثمار مثل هذه المواقع، وتحويل أحدها إلى (رباط حبيب بن مظاهر الأسدي لتعليم القرآن الكريم)، فقد ورد في خبر مقتله بأنه كان يختم القرآن في ليلة واحدة، ويصرف على هذا الرباط من أوقاف الإمام الحسين، ومن الاشتراكات الأهلية، وتكون له إدارة منظمة، ويهدف إلى تعليم الصبيان وكبار السن من الإناث والذكران القرآن الكريم وعلومه، ولا مانع من تقديم سيرة حبيب بن مظاهر الأسدي ومواقفه البطولية في الإسلام .
تخيل معي لو تم افتتاح (معهد العباس بن علي للفروسية)، لتعليم الناس وتربيتهم على خلق الفروسية، وركوب الخيل، بوصف ذلك من أدب الإسلام، ومن أشرف أخلاق العرب، فهذه رياضة نفسية وخُلقية وبدنية حث عليها الإسلام، وهي تناسب الكبار والصغار، وتربي الفتيان على الشجاعة الأدبية والنبل والمروءة، وهي رياضة محببة، لها أصالتها في تاريخنا،الإسلامي، ويكون العباس بن علي نموذجا مشرفا في خُلق الفروسية والبسالة وعلو الهمة .
تخيل معي لو استطعنا استثمار حسينية وتحويلها إلى (أكاديمية القاسم والأكبر للتدريب على الآداب المدنية)، مثل: النظافة، والنظام، والاحترام، والقيادة الآمنة، والسلوك الحضاري، والتعايش، والمجتمع المدني، والحرية، والمسؤولية، وكل هذا يتم باسم القاسم بن الإمام الحسن، وعلي الأكبر بن الإمام الحسين (ع)، في جوٍّ من الحيوية والنشاط، وينفق على ذلك من دعم رجال المال والأعمال، وصناديق استثمارية وخيرية أخرى، ولن أنسى سيدات المال والأعمال !!
تخيل معي لو استطاعنا صياغة المجالس الحسينية، وحافظنا على نهجها الشعبي الجماهيري في الطرح، ومزجنا معها الأسلوب العلمي في التناول، والمنهج التحقيقي في المادة، وتجاوزنا (الماضي الصعب) إلى (المستقبل المستحيل)، وأحالنا الفكرة من ترديد وتعديد إلى أسلوب حياة، وانطلقنا بكربلاء من كونها كَرْبًا وبَلاءً إلى كونها مدرسة عصرية في الإحسان للإنسان، ولنا تجربة بشرية ناجحة في تحويل المأساة إلى عُمْرَان وبناء، وليس اليابان منا ببعيد !!
وما زال يردد علي قوله "تخيل معي .. تخيل معي .. تخيل معي"؛ حتى انتبهت من مَنَامِي على أصداء واقع هو في منام طويل، يُخيّل إليه من نومه أنه يسعى .. !!
فهل يا ترى يكفي أن نتخيل .. أو بالأحرى نحن لا نملك إلا أن نتخيل .. وهذا يكفينا !!
جابر عبدالله الخلف
23 المحرم 1432هـ