سيبقى رجال الله أحياء تحيى بهم قلوب المؤمنين قال سبحانه {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (32) سورة التوبة
إن السلوك العملي للجبابرة والطواغيت لا يختلف، وإن تعدّدت أسماءهم، وتفاوتت أزمانهم، واختلفت خارطتهم الجغرافية، فإنّ الكفر ملّة واحدة والتاريخ يُعيد نفسه.
فسياستهم مبنية على العداء لرسالات السماء ومحو الأخلاق والفضيلة في المجتمع وتكبيل الحريات والحظر للشعائر والمقدّسات.
فيزيد وخلال فترة حكمه ثلاث سنوات ارتكب ثلاث جرائم يندى لها الجبين وتقشعرّ لها الإنسانية:
1 ـ قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته واصحابه وأسر عياله وأطفاله وسعى لإخماد لهيب الثورة وصداها ولكن (وَمَكروا وَمَكَرَ الله وَاللهُ خَيْرُ الماكِرينَ).
2 ـ أباح مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثة أيام لعسكره وتجاوزوا على النساء حتّى أنه ولد في ذلك العام ألف طفل أو أكثر من الحرام.
3 ـ أرسل جيشاً ومعهم المنجنيق لهدم الكعبة وفعل ذلك.
والحجّاج الأموي: صبّ جلّ اهتمامه للقضاء على أتباع وأنصار مدرسة الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسين (عليه السلام) والقضاء على كربلاء، وكتب السيرة والتاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة.
وهارون العباسي: سعى لمحو كربلاء وآثارها وكرب قبر الإمام الحسين (عليه السلام) وهدم الأبنية التي كانت محيطة به، وقطع السدرة التي كان يستدل بها الزوّار موضع القبر ـ والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن قاطع السدرة ثلاثة مرّات، أُنظر البحار ج45 ص398ـ ومنع بناء البيوت في كربلاء وفتح الأسواق فيها.
(أُنظر تراث كربلاء ص34 والبحار ج45).
والمتوكّل العباسي: كان أكثر عنفاً وأكثر ضراوة وقسوة في العداء لأهل البيت (عليهم السلام) ومواليهم فكان يتبع آل أبي طالب وشيعة الإمام الحسين (عليه السلام) وزوّاره في كل مكان، ومنع زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وأصدر حكم الإعدام على زوّار قبره، وأقام في المسالح أناساً يتربّصون لزيارة القبر أو يهتدي لموضع القبر، ولكن شيعة الإمام ومحبيه كان نداءهم: (لو قُتِلنا عن آخرنا لما أمسك من بقي منّا عن زيارته)، وأمر بتهديم قبر الإمام (عليه السلام) وحرث أرضه سبع عشرة مرّة وأسال الماء عليه، وفي إحدى المرّات أمر المتوكل بالأبقار لتمرّ على قبر شهداء كربلاء فلمّا بلغت قبر الإمام الحسين (عليه السلام) لم تمر عليه وضربوا الأبقار بالعصي وتكسّرت العصي وما جازت على قبر الإمام (عليه السلام) ولا تخطّته؛ كما أنّ التاريخ يحدّثنا أنّه لم يستطع علوي واحد أن يستوطن كربلاء من بعد مصرع الإمام الحسين (عليه السلام) عام 61 هجرية حتى وفاة المتوكل عام 247هـ: (أنظر تراث كربلاء وتاريخ الطبري ج11 والبحار ج45 ص397).
تعرضت مدينة كربلاء ـ كبقية الولايات الأخرى ـ لأطماع الولاة العثمانيين ونزواتهم وصراعاتهم الشخصية، فنهبوا خيراتها وفرضوا الضرائب والمكوس على أهلها، وحاصرها الوالي العثماني داود باشا عام 1241هـ ولمدة أربع سنوات، وكرّ عليها عدة مرات وقطع نخيلها وأغار على مياهها وقتل من الأهالي (6) آلاف نسمة وأضحى الناس في مجاعة شديدة.
كما وتعرضت لحصار من قبل نجيب باشا في عهد السلطان عبد المجيد الثاني عام 1258هـ حيث دخل المدينة بعد أن ضربها بالمدافع، واستباحها ثلاثة أيام سلباً ونهباً وقتلاً، وارتكب فيها كل فضاعة وشناعة، وعمل السيف في رقاب الناس الآمنين، فقتل (20) ألف شخص ـ كما في كتاب شهداء الفضيلة ـ، ولجأ الناس إلى ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) يستنجدونه ويستغيثوا به، لكن الجيش دخل الحرم، وقتل كل من لاذ بالقبر. (أنظر تراث كربلاء ص376 وص385 وكتاب السلاسل الذهبية للسيد محمد صادق بحر العلوم) وكما تعرضت المدينة المقدسة لحوادث أخرى وعلى مدى حكم آل عثمان.
واتّبع الطاغية رضا بهلوي سياسة التعلمن ـ محو الدين ـ، فقتل رجال الدين وهداة الأمة، ومنع من ارتياد الزيّ الديني، ومنع بناء الحسينيات والمساجد والمدارس الدينية، وأجبر النساء على التبرّج والاختلاط، وسلب الحريات وصادر الأموال، وحارب الشعائر والمقدّسات ومنع عقد المآتم والبكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) وتخليد ذكراه، ومنع توزيع الماء في الشوارع والأزقة مواساة لشهيد الطف (عليه السلام)، ومنع نصب الرايات السوداء على البيوت في إحياء ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام).
وهكذا دأب كل جبار متكبّر لمحاربة كربلاء ومقدساتها وشعائرها وبشتّى الوسائل والطرق لأنها تكشف زيفهم وانحرافهم ودجلهم (يُريدون أنْ يطفئوا نورَ الله بِأفْواهِهِمْ ويأبَى اللهُ إلاّ أنْ يُتِمَّ نُورَه ولو كره الكافرون) (التوبة: 32).
وعن الانتفاضة وأهدافها وأبعادها وما حققته من مكاسب وإنجازات وما اقترف النظام الصدامي من جرائم وموبقات راجع كتاب (العراق بين الماضي والحاضر والمستقبل).
وأخيرا يقول لينين : (اقتلوا كربلاء إن أردتم القضاء على الإسلام)