الحلقة الثالثة
إثبات وجود الله
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن أعداءهم
كان الكلام في الحلقة الماضية حول برهان الفطرة ،وتم طرح ثلاثة شواهد على فطرية وجود الله ، وسوف أواصل معكم في هذه الحلقة ما بقي من شواهد وبالله التوفيق.
4- شهادة العلماء والمفكرين على فطرية الدين:-
أ-الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس:
وإن صح القول بأن المنشأ للكثير من الرغبات والميول الباطنية هي الأمور الطبيعية والعالم المادي، لكن في نفس الوقت هناك ميول ورغبات باطنية كثيرة منشؤها العالم المعنوي، فالحب والوفاء والإيثار والإخلاص وأمور نفسية دينية كثيرة لا نراها تتوافق مع الحسابات المادية، إذاً هناك غرائز مادية تربطنا بعالم مادي وهناك غرائز معنوية تربطنا بعالم آخر. (لابديل عن الدين-الشهيد مطهري).
ب-ألكسيس كارليل:
يقول في كتابه (الدعاء): "الدعاء أسمى حالة دينية مقدسة، حيث تحلق روح الإنسان لله.. ويوجد في الوجدان الإنساني شعلة تعرّف الإنسان على خطاياه وانحرافاته أحيانا، وهي التي تصدّه عن الوقوع فيها.. وفي بعض حالات الإنسان الروحية يشعر بعظمة المغفرة وجلالها" (لابديل عن الدين-الشهيد مطهري).
ت-يقول اينشتاين في حديث طويل : « إنّ العقيدة والدين موجودان في الجميع دون استثناء ... إنّي اُسمّيه ( الشعور الديني للخلق ) .. في هذا الدين يشعر الإنسان الصغير بآمال وأهداف البشرية العظيمة والجلال الكامن خلف هذه القضايا والظواهر ، إنّه يرى وجوده كسجن ، وكأنّه يريد التحرّر من سجن الجسم ليدرك الوجود كلّه كحقيقة واحدة » ( نفحات القرآن ج3 – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي) .
ث-ويقول ماكس مولر :
« لقد خضع أسلافنا لله في عصور لم يكونوا قادرين فيها حتّى على إطلاق اسم على الله ».
وهو القائل في موضع آخر : « خلافاً لما تقوله النظرية الشهيرة بأنّ الدين ظهر أوّلا بعبادة الطبيعة والأشياء والأصنام ثمّ وصل إلى عبادة الله الواحد . فلقد أثبت علم الآثار بأنّ عبادة الله الواحد كانت سائدة منذ أقدم الأيّام » ( نفحات القرآن ج3 – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي).
ج-يكتب « جان دايورث » الأُستاذ بجامعة كولومبيا حول الدين وأصالته في المجتمع البشري :
إنّك لن تجد أية ثقافة لدى أية أُمَّة من الأُمم وقوم من الأقوام إلاّ ويكون في تلك الثقافة شكل من أشكال التديّن وأثر بارز للدين.
إنّ جذور التديّن ممتدة إلى أعماق التاريخ .. إلى الأعماق المجهولة من التاريخ السحيق البعيد غير المدون. (مفاهيم القرآن ج1-الشيخ جعفر السبحاني).
ح-يقول « بلورتاك » المؤرخ الإغريقي الشهير منذ نحو من ألفي سنة :من الممكن أن نجد مدناً بلا أسوار ولا ملوك ولا ثروة ولا آداب ولا مسارح ولكن لم ير قط مدينة بلا معبد ، أو لا يمارس أهلها عبادة. (مفاهيم القرآن ج1-الشيخ جعفر السبحاني).
5- البحث عن الكمال:-
"إن من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها, بحيث أنك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها, ولن تستطيع العادات والأخلاق والمذاهب والمسالك وغيرها أن تبدلها ولا أن تحدث فيها خللاً, إنها "الفطرة التي تعشق الكمال".
فكلّ يجد معشوقه في شيء, ظاناً ذلك هو الكمال وكعبة الآمال, فيتخيله في أمر معين فيتوجه إليه, ويتفانى في سبيله تفاني العاشق, إن أهل الدنيا وزخاريفها يحسبون الكمال في الثروة, ويجدون معشوقهم فيها, فيبذلون من كل وجودهم الجهد والخدمة الخالصة في سبيل تحصيلها فكل شخص, مهما يكن نوع عمله, ومهما يكن موضع حبه وتعشقه, فإنه لاعتقاد بأن ذلك هو الكمال يتوجه نحوه, وهكذا حال أهل العلوم والصنايع, كل يرى الكمال في شيء ويعتقد أنه معشوقه, بينما يرى أهل الآخرة والذكر والفكر غير ذلك...
وعليه, فجميعهم يسعون نحو الكمال, فإذا ما تصوّروه في شيء موجود أو موهوم تعلّقوا به وعشقوه, ولكن لا بدّ أن نعرف أنه على الرغم من هذا الذي قيل, فإن حب هؤلاء وعشقهم ليس في الحقيقة لهذا الذي ظنوه بأنه معشوقهم, وإن ما توهّموه وتخيلوه ويبحثون عنه ليس هو كعبة آمالهم. إذ لو أن كل واحد منهم رجع إلى فطرته لوجد أن قلبه في الوقت الذي يظهر العشق لشيء ما فإنه يتحوّل عن هذا المعشوق إلى غيره إذا وجد الثاني أكمل من الأول, ثم إذا عثر على أكمل من الثاني ترك الثاني وانتقل بحبه إلى الأكمل منه, بل أن نيران عشقه لتزداد اشتعالاً حتى لا يعود قلبه يلقي برحاله في أية درجة من الدرجات ولا يرضى بأي من الحدود.
إذاً فنور الفطرة قد هدانا إلى أن نعرف أن قلوب جميع البشر, من أهالي أقصى المعمورة وسكان البوادي والغابات إلى شعوب الدول المتحضرة في العالم, ابتداءً بالطبيعيين والماديين وانتهاءً بأهل الملل والنحل, تتوجه قلوبهم بالفطرة إلى الكمال الذي لا نقص فيه, فيعشقون الكمال الذي لا عيب فيه ولا كمال بعده, والعلم الذي لا جهل فيه, والقدرة التي لا تعجز عن شيء والحياة التي لا موت فيها, أي أن "الكمال المطلق" هو معشوق الجميع. إن جميع الكائنات والعائلة البشرية, يقولون بلسان فصيح واحد وبقلب واحد: إننا نعشق الكمال المطلق, إننا نحب الجمال والجلال المطلق, إننا نطلب القدرة المطلقة, والعلم المطلق, فهل هناك في جميع سلسلة الكائنات, أو في عالم التصور والخيال, وفي كل التجويزات العقلية والاعتبارية, كائن مطلق الكمال ومطلق الجمال, سوى الله تقدست أسماؤه, مبدأ العالم جلّت عظمته؟ وهل الجميل على الإطلاق الذي لا نقص فيه إلاّ ذلك المحبوب المطلق؟" (الأربعون حديثاً :الفطرة-الإمام الخميني قدس سره).
6- فشل الدعاية ضدّ الدّين :-
"لا شك في أنّ الدعايات المناوئة ، في مقدورها أن تحد من نمو كثير من الأحاسيس والمشاعر الدينية ، ولكنّها لا تستطيع ـ بتاتاً ـ أن تقضي عليها وتستأصلها.
وحتى الآن ورغم سيطرة الأفكار اليسارية على ما يقرب من ثلث عالمنا المعاصر ومحاولة البعض لحبس « الشعور الديني » في سجن الاستعمار الشيوعي أو القضاء عليه بالمرة فإنّ هذه الجهود المناوئة للدين لم تحقق أي قسط مهم من النجاح في القضاء على الدين ، أو تفريغ قلوب أكثرية سكان هذا العالم من هذا الشعور.
فها هو الشعور الديني ـ في نفس الاتحاد السوفياتي البلد الشيوعي الأُم ـ رغم مرور أزيد من ستين عاماً على الثورة الشيوعية فيها لا يزال يحتفظ بمكانته في أعماق القلوب ، ولذلك عمدت السلطات - في الأوان الأخير - إلى إعطاء بعض الحريات للمسلمين والمسيحيين لإقامة شعائرهم الدينية.
وفعلت الصين مثل ذلك مؤخراً كما تنقل نشرات الأخبار ووكالات الأنباء.
كل ذلك برهان ساطع ودليل قاطع على أنّ الشعور الديني فطرة فطر عليها الناس ، جميع الناس .. لا تمحوها الدعايات المناوئة ، ولا أي شيء آخر ، وإن كانت تقلل من اندفاعاتها وتحد من نموها ، بعض الوقت ، وبعض الشيء" (مفاهيم القرآن ج1-الشيخ جعفر السبحاني).
سوف أكتفي بهذا القدر حول برهان الفطرة ، وأسأل الله لي ولكم التوفيق.