 |
اقتباس |
 |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
الرهيب 55
5- ما هو مفهومك الخاص للوحده الاسلاميه |
|
 |
|
 |
|
قد يطول بي المقام هنا لإيضاح رؤيتي بشأن الوحدة الإسلامية، إلا أن أهمية السؤال يستحق الوقوف عنده كثيراً..
تنطلق رؤيتي في هذه المسألة من أننا في ننتمي إلى أمة، تنتمي إلى دين، كلنا نقول به، ولا نُعرف إلا به.. شئنا أم أبينا.. ومن لم يخرجه نصٌ ديني صريح من دينك فهو من أهل ملتك.. وفقهاؤنا العظام متشددون جداً في هذه المسالة.. ومن هنا فإن من لم يعتبرونه شيعياً إنما لافتقاره للخصوصية الشيعية، كما هو عند الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة من لم يعش خصوصية تلك المذاهب فهو ليس منهم.. وبالتالي اعتبروه مسلماً..
في عالمنا اليوم الاستهداف تجاوز الخصوصيات المذهبية، إلى الحالة الدينية ككل.. أتذكر في هذا الصدد مسرحية كويتية.. مثل فيها أحد الممثلين دور العلماني.. وكان يطرح الشبهات على الدين.. فكان إلى يمينه شيعي وإلى يساره سني.. فكان الشيعي يتصدى لرد هذه الشبهة، والسنة يتصدى لرد شبهة أخرى..
ولكن عندما دخل السني والشيعي في الحوار دخلوا في مرحلة جديدة من الحوار.. استفاد منها العلماني..
ما أفهمه من هذه المسرحية أن هناك مشتركات كثيرة جداً بيننا وبين المذاهب الإسلامية الأخرى، وبالتحديد في المسائل العبادية، إلا أننا اشتغلنا ببعضنا واستفاد من ذلك عدو الشيعي والسني.. عدو المسلمين جميعاً..
وبإمكاننا أن نتآخى وأن نتعايش من خلال تلك العناصر.. بل بتلك المشتركات بإمكاننا أن نعالج مشكلة الريبة المستعرة بين المذاهب الإسلامية.
بالتأكيد نرى أنفسنا محقين، وقد كتبنا في ذلك آلاف الكتب، كما كتب غيرنا أيضاً مثل ذلك، وإن تميزت كتابتنا بالدقة والعلمية والعمق والشمولية كما أرى.. وإن نقص هذا البحث فإنك تجد دراسات كثيرة جداً تتم نقصه.
إلا أن هذا يفترض أن يظل على مستوى البحث والدراسات العلمية، وليس أن يتحول إلى جدال ومراء على المستوى الشعبي.. ما يشعل أوار العداوة بين المسلمين.
نحن كأمة إسلامية نتشكل من تلك الشعوب المختلفة في العرق واللون، لا يمكن أن نتعايش أو نتعارف إلا بالإسلام، أكثر مما نتعايش بالعناوين الأخرى.. فالإسلام عندما يحرم دمي وعرضي ومالي على الآخر من أن ينتهك كل ذلك، فإنه أيضاً حرم علي انتهاك دم وعرض ومال الآخر، وبالتالي عندما أجاز بعضهم دمي ومالي وعرضي فإنه لم تعد حرمة تعظم.. فهذا يستبيح وذاك ينتقم..
وبالإسلام يمكننا صياغة عقد اجتماعي متميزٍ وقادر على حل إشكالية التنوع الذي نتشكل منه، مما لا يلتفت إليه الكثير من المؤمنين.. وهي إشكاليات العرق والقبيلة والطائفة والقبيلة..
نحن مثلاً هنا في السعودية.. بين إخواننا أهل السنة.. هناك إشكالية قد تطول في المحاكم بسبب ما يسمى بتكافؤ النسب.. وهي بين أهل المذهب الواحد.. يُفرق فيها بين المرء وزوجه.. فيما إسلامنا يتحدث عن أن (( المؤمن كفؤ المؤمنة)).. وهكذا الحال بالنسبة للشعوب والقبائل الأخرى.. وقد جاءت الآن إشكالية الجنسية.. والتي تمنع من المصاهرة الطبيعية بين الشعوب الإسلامية.. فلا يتصور البعض أن المسألة بحدود الخلافات الطبيعية بين المذاهب.
هل سترتاح عندما تأتي يومياً إلى مقر عملك وأنت تشعر أن صاحبك الذي هو من مذهبٍ آخر يقرف منك؟! أو أنك تعد له جواباً إلى سؤال تداعى له في ظل الخطاب الطائفي المتبادل؟! وهو يعد لك فتوى وسؤالاً وإثارة؟!.. نحن رأينا كيف نعاني في قرانا من سيادة هذا المنطق من تقسيم وتصرفات تتجاوز منطق التعايش وقبول الآخر.
الآن خطاب العروبيين والقوميات الأخرى أيضاً بدأ يشتعل كثيراً.. ويتحرك لا شعورياً عند كثيرين، بسبب استجابتنا السريعة لتقسيمات مفروضة أو مفترضة لا يرضاها الدين..
الإسلام وحده، سواء بقراءة السني أو الشيعي لا يقر هذه التقسيمات أبداً، وإنما هناك إشكالية واحدة تجاوزها الكثيرون من أصحاب المذاهب، وهي إشكالية زواج امرأة تنتمي إلى مذهبٍ لا ينتمي إليه زوجها.. أو العكس، ولكن هذه الفتاوى الصادرة إنما جاءت نتيجة خوف كل مذهب من أن المصاهرة توغر الصدور لا أن تجلب المودة بينهم، وذلك لما يحمله هذا الاتجاه أو ذاك من نظرة مشوشة أو متحاملة تجاه الآخر في كل أبعاد إيمانه والتزامه، والتي يرى أن المساس بها مساس بالكرامة واحترام الخصوصية.
في العراق القبيلة تنقسم إلى قسمين.. أحدهما شيعي والآخر سني، وفي بغداد المصاهرة قائمة بين أصحاب المذاهب المتعددة.. وإذا بنا نرى بعد سقوط صدام خطاباً طائفياً بغيضاً، استباح دم الشيعي حتى ذلك المسكين الذي يقف في طابور لشراء الخبز، لا ناقة له ولا جمل ضحية المنطق الطائفي.
هذه الإشكاليات الكبيرة، لا يمكن أن تقف عند حدٍّ ما لم نتلمس طبيعتها وخطورتها في حياتنا اليومية، وألا نقف متفرجين على تداعياتها، لأنها تأكل الأخضر واليابس دون تفريق، كما قال الله تبارك وتعالى، (( واتقوا فتنة لا تصيبنا الذين ظلموا منكم خاصة))..
إلا أنني أيضاً أثمن المخاوف التي يتحسسها البعض من أن تكون هذه الوحدة الإسلامية على حساب الخصوصيات، ولكن يمكننا تجاوز هذه الإشكالية من خلال التفاتنا إلى حقيقة الخطأ القائل أو الشائع بأنه لا توجد مشتركات يمكن التعايش بها، أو أنه لا يمكن أن يكون هناك تعايش إلا من خلال انتهاك الخصوصيات.. أو أن بعضهم يتصور الوحدة الإسلامية هي أن تحاكي الآخر وتصانعه كي لا تغضبه أو تتسبب في مفارقته.. أبداً..
لكل مذهب خصوصية والتزامات لا تعني المذهب الآخر، ولكن ممارسة تلك الخصوصية لا يصح أن تكون في أماكن خصوصية الآخر.. بمعنى.. لا يصح لنا أن نمارس شعائر العزاء على أبي عبدالله الحسين(ع) بطريقتنا الخاصة في مساجد الآخر، ولا يصح لهم أن يمارسوا خصوصيتهم في حسينياتنا ومساجدنا.. تبنى المساجد الخاصة بكل طائفة ومذهب.. نقرأ نحن دعاء كميل.. دعاء أبي حمزة الثمالي.. يقرأ الفاضل الديني المسائل الشرعية على المؤمنين، ولكن ذلك في مساجدنا وحسينياتنا، وعندما نجتمع جميعاً.. فجامعنا الأساس، والمشترك المهم بيننا وبينهم، هو كتاب الله ورسوله الأعظم(ص).. لا يمكن أن نتصور أنه لا يمكن لنا الاجتماع إلا إذا قبل الآخر حديث الإمامة والولاية.. يمكننا أن نناقش مشاكل الفقراء.. مشاكل مثيري الفتن.. مشاكل المراهقين.. مشاكل الانترنت والقنوات الإباحية على الشباب.. ولو عددت القضايا التي يمكن أن نجتمع لأجل معالجتها معالجات مشتركة، ومن خلال الكتاب والسنة، لم أكد أحصيها.
بل أنا شخصياً أرى أن مشروع الوحدة الإسلامية لا يخيف إلا الذين لا يملكون منطقاً يدافع عن خصوصياتهم وحيثياتهم وفي نفس الوقت يمكنه التعايش مع الآخر.. في حين أننا رأينا الكثيرين من غير الشيعة متخوفين أكثر من الشيعة بسبب الوحدة الإسلامية، وأنهم يرفض الفكرة أكثر من خوف الشيعة، لما يراه من اختراق الخطاب الشيعي لأساليب الحجر والتحريض الذي يمارس ضده لإبرازه للناس ببشاعة غير مسبوقة..
وبالتالي فأنا أؤمن بالوحدة الإسلامية من خلال هذه الرؤية التي تعطي لكل مذهب الحق في الحفاظ على خصوصيته.. ولكن ليس بطريقة بعضهم الذي يعمد إلى الإساءة للآخرين وسبهم وشتمهم بحجة الدفاع عن نفسه.. فيتصور كل حوار أو استطاعة أي جهة اختراق حضور الآخر يعني استهداف الطائفة ومشروع الإلغاء.. فلو مثلاً رأينا أن هناك من يتسنن، فليس لنا أن نقوم بحربٍ وهجومٍ على الآخر كما يقوم بها بعضهم، وإنما علينا أن نتلمس قصورنا في إيصال خطابنا بشكل صحيح إلى هذا الذي التشيع، وعندها يمكننا الحديث عن مشروع اختراق غير أخلاقي، وهذا أيضاً يفترض أن تمارسه الجهات الأخرى..
ولنا أسوةٌ حسنة بمراجعنا العظام، الذين أدهشوا العالم عندما لم يشهدهم أحد ينجرون لخطابات الإثارة من هنا وهناك.. إذ على الرغم من استهدافهم مباشرة بالتكفير والسباب تجدهم يغضون الطرف عن المسيئين؛ لأنهم أفضل من يقدر المصلحة الإسلامية العليا، وأمثلها ما صرح به الشيخ القرضاوي من دعوى مساعي الشيعة لاختراق الأكثريات السنية، مع أنه يعلم يقيناً من أن ذلك تصرف أفرادٍ تنتقل الحالة منهم إلى غيرهم، بخلاف ما حصل في مصر نفسها من فرض المذاهب الإسلامية الأربعة بعد أن كانت تتمذهب بالمذهب الإسماعيلي..
وكذلك التصريحات المهينة التي أطلقت في حق المرجع الكبير بحجم ما يقدمه من نموذج في التعالي على الجراح وإساءات المسيين، ليخرج بعد مدة من تلك الإساءة فيطلب للمسيء العفو والمغفرة، ما ساعد بشكل أساسيٍ في وأد الفتنة في مهدها، ليخسر المتربصين بالأمة رهانهم من إمكانية إثارة الفتنة على خلفية تلك الإساءات المهينة.
وهذا ما ينبغي لنا الانتباه له.. وهو أن لكل مشروع يهدف إلى عزة هذه الأمة وكرامتها، مشروعٌ مقابل يستهدف من قبل عدوة المسلمين الأكبر إسرائيل، بشتى الطرق، وأولها إشاعة عدم الثقة بوسائلها المتفرقة بين المسلمين، وتضخيم خلافاتهم التي هي موجودة في أي منظومة عقائدية أخرى.. حتى في اليهود وفي المسيحية أيضاً..
وعندما تستهدف إسرائيل مقدسات المسلمين وتحولها إلى آثارٍ يهودية، بما تحمله من ضغينة تاريخية ذكرها القرآن في قوله تعالى

(َلتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا))، وهي تعيش بين المسلمين بالقوة وتحتل أراضيهم، وتنفس عن أحقادها وآلامها المدعاة فينا، فلا يمكن أن تكون بريئة من ذلك، وقد يكون ذلك الصوت الناشز إنما تم إثارته وتهييجه بخطابٍ استنهضيٍ مجهولٍ ليدفعه للهيجان والتكلم بعبارات مهينة بحق مخالفيه، بحجة الدفاع عن النفس، والرد بالمثل، وما إلى ذلك..
فما دام أن هذه الأمة تسعى لإثبات حضورها، فإن هناك من يسعى لقتل هذا الحضور، فإن لم يستطع بطريقة الحرب التي يشنها الصهاينة فإنه سيسعى إلى إثارة الفتنة بينها.. وشواهد هذا كثيرة، وأجلاها الوضع الأفغاني، إذ نرى الذين توحدوا لقتال الاتحاد السوفيتي تفرقوا في إقامة النظام الذي يدير شؤون بلادهم ومصالحهم، حتى جاء بدل الاتحاد السوفيتي أمريكا.. فخرجوا من احتلال ووقعوا في احتلال آخر، حيث كان الثاني يمد المجاهدين بالسلاح حينذاك للتحرر من احتلال الأول!!.
ولذلك لا بد أن نتنبه إلى بعض أصوات النشاز.. التي إما أنها لا تتفهم طبيعة الاختلاف بين المذاهب الفقهية والعبادية، والتي تقع حتى بين المذهب الواحد، وبين الجماعة الواحدة.. فنحن لم نخلق على قلبٍ واحدٍ أو برغبات واحدة، أو بفهمٍ واحدٍ أو باستعدادات واحدة، وإلا لما قال تعالى(( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)).. وإما أنها وقعت فريسة الاستفزاز، فانساقت وراءه، ومن ذلك تنفذ أجندة لا علاقة لها ولا تدري بها.. وإما أنها شريكة في ذلك والعياذ بالله، وحاشا أن يكون مسلمٌ كذلك.