عرض مشاركة واحدة
قديم 09-04-2010, 02:26 PM   رقم المشاركة : 47
باقر الرستم
باحث وكاتب قدير







افتراضي رد: الـلـقاء المـفـتوح مع الكاتب القدير الأستاذ باقـر عبدالوهاب الرستم

اقتباس
رستم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قميص يوسف : دعني أولاً أبوح بإعجابي وتقديري لجميع أطروحاتك فمثلك جدير بإدارة هكذا لقاءات مع رجالات البلد المثقفين وممن يعملون عليها .

سؤالي الذي أود أن أطرحه على الضيف العزيز :

هناك مايكتب ومايذاع منذ عهد قريب عن جماعة خرجوا علينا وقد سموا أنفسهم بمثقفي الشيعة . وذلك بُغية تصحيح مسار الطائفة الشيعية على حد زعمهم . وأنهم يرفضون الكثير من الممارسات التي اعتاد الشيعة القيام بها كدفع الخمس والتقليد وأحياء بعض الشعائر واللطم على الصدور وغيرها .

السؤال 1 : ما حقيقة هؤلاء الجماعة ؟

السؤال 2 : وهل هناك مايدعو فعلاً إلى التصحيح . وهل التصحيح يشمل الممارسة أم الفكر ؟



المذاهب الفكرية والعقائدية في هذا العالم كثيرة جداً، وحية ونشيطة أحياناً في المذهب الفكري أو العقائدي الواحد.. وليس بالضرورة أن يكون تولدها نتيجة رؤية واضحة أو صحيحة، أو مبنية على نقصٍ في المبدأ الـ(أم)، وإنما قد يكون نتيجة الاختلاف على مستوى ترجمة تلك الرؤى إلى واقع، أو الاختلاف في مرجعية تلك الرؤية.. أو استثقال قيم والتزامات الرؤية، واستنساخ قراءة جديدة تعتمد العناوين العامة بما هي عناوين، ولكنها لا تعتمدها مرجعية حقيقية في بلورتها، كما هم الواقفة والذين خرجوا عن الإمامة منذ بدء الكيسانية إلى الإسماعيلية إلى الفطحية إلى الواقفية إلى مدعي السفارة في عصر الغيبة.

وقيمة كل نشأة هو دوافعها، ودوافع والتزامات الجماعة المؤسسة لها، والمفاهيم التي تلتزم بها.. من حيث العمق الفكري ومستوى الجذب لديها ولون الجمهور الذي تعنيه بخطابها.

وبخصوص السؤال بالتحديد، فإنني تطرقتُ لهذه المسألة في ميلاد أمير المؤمنين(ع) الفائت، تحت عنوان النصيحة، ولعل بعض الأخوة يتمكن من وضعها بصيغة (فيديو) في المنتدى هنا..

نعم هذه الملاحظة تسبب مشكلة حقيقية؛ لأن أول أساس الرؤية وصناعتها أن تملك القاعدة القوية في الرسوخ والبناء، وليس أن تكون العقيدة أو الرؤية الخاضعة لإعادة النظر عند بعضهم لمجرد استجابة لذائقة كاتبٍ أعجبنا بها، فيما انتماؤه أو خلفيته ذات منحىً عدائيٍ مع الدين.. يتحرك لنقد الدين والرسالات السماوية، ليبلغ الحال به من الجرأة أن يتطاول بأسوأ الألفاظ شتماً وسباً وقدحاً في قوالب فنية تجعل القارئ يذهل بأدائه الفني عن حفلات السباب التي تحفل بها كتاباته، نظير ما كتبه حيدر حيدر.. أو أسلوب التهكم والاستخفاف بها نظير ما يكتبه علي حرب باسم النقد، والذي نقد كل شيءٍ، دون أن يقدم بديلاً.. حيث لا يجيد غيره، ولأن ما سيكتبه أيضاً سيخضع لذات الآلية التي يعتمدها في نقد الرؤى الأخرى..

لا نقول أن تغلق نفسك، فلا تقرأ كيف يقرؤك الآخرون.. أبداً.. ولكن لكي تكون قادراً على التعاطي مع الأنسقة الأخرى إيجاباً أو سلباً، يفترض بك أن تكون مستوعباً لخطاب ملتك.. أو خطاب قناعاتك التي أنت عليها، كما تجتهد في معرفة الخطاب الناقد أو الرافض.. لتعرف حقيقة الآراء الأخرى إن كانت مستوعبةً لأدبيات عقيدتك والتزامك أم لا؟، وإن كان النقد ملتزماً بعلمية الطرح والمساءلة أم لا؟، وإن كان النقد يناقش ممارسات مبنية على عادات وتقاليد شعبية ألصقها بعضهم بالدين أم لا؟، أو خروج عن أي التزام أو قراءات أخرى تأويلية لمنتمين ليسقطها على العقيدة أم لا؟.. أو أن ذلك هو الرأي الذي تحكيه صراحة كتبهم المقدسة أو أنه إنما تأويلات متعسفة كما هو بعض الآراء والأفكار، أو أنه رؤية مهجورة أم هو رأي يتعبدون به.

أما الدخول إلى تلك الأجواء دون عدةٍ أو لأنه يمج شيئاً ما في عقيدته أو يخجل الانتماء لها أو يخجل إظهار ذلك أمام مخالفيه.. ليس لعيبٍ فيها ولا خوفاً منهم على نفسه، وإنما لأنه أنس لكثرتهم، واستوحش قلته لتجده يجد في الحديث عنها جئت بكل ملاحظات خصومه ويطرحها على أنها رؤيته وملاحظته، وليست قراءة وملاحظة خصومه..

قد يتفق أن تكون لك رؤية لهذه المسألة العقائدية أو تلك يرى خصومك نفس ما أنت عليه، نظير مثلاً الموقف من إنكار الحج أو الصوم عند السلفية المتشددة والشيعة.. إذ هم يرون كما يرى الشيعة أن منكر هذه العقائد كافر، فيما يختلفون في قضية التعاطي مع أولئك المنكرين.. وحتى في المذهب الواحد تجد اختلافاً في ذلك.

ومع ذلك فإن خطابك يجب أن يكون مبنياً على أساس مرجعيتك وانتمائك، أما أن يكون خطابك ومفرداتك هي ذاتها التي يتحدث بها خصومك، ناهيك ما نراه من بعضهم من التظاهر دون حياء بالسخرية والتهكم، فهذا أسلوب خارج عن الذوق والأدب ومفهوم الاختلاف.

فأنا استغرب حقاً حتى من بعض العبارات التي يطلقها بعضهم (هداه الله) في توصيف معارضاتهم، والتي تكون في كثيرٍ منها جارحة ومستفزة.. فيما لو حاورتهم في أطروحاتهم ومتبنياتهم وعلى ماذا ارتكزوا في ذلك البناء فستجد تلك الرؤى والأطروحات التي أهانوا الآخرين بسببها واهية ولا تستحق حتى مجرد قراءتها..

ولذلك فإن من يريد أن يقدم خدمة لمذهبه أو أقلاً خدمة قناعاته فعليه أولاً أن يقرأ الرؤى المتخالفة ذات الاهتمام لديه، وليس أن يعكف على واحدةٍ، ويتجاهل حق الأخرى عليه في أن يستوعبها، ويتعاطى معها بنفس ما أعطاه من نفسه للأخرى.. مع ملاحظة أنه قد لا يوفق عالماً مشهوراً للإجابة بتلك القواعد التي تعمل بها للحصول على جوابٍ.. ولكن يمكنك التعامل مع كل الجهات ذات القيمة والتخصص والمعنية بالتصدي في تقديم الجواب على السؤال والإثارة، إذ قد لا تجد بعض الجواب الذي تبحث عنه في الشافي، فلعلك تجده في عبقات الأنوار، أو في إحقاق الحق، أو حتى في كراس بحجم مقدمة الشهيد الصدر لكتاب الشيعة الإمامية للدكتور عبدالله فياض، والتي خرجت فيما بعد بعنوان(( بحث في الولاية))، وقد تجدها في حوار الشيخ محسن الآراكي مع محمد المسعري بعنوان(( حوار في الإمامة)).. إذ قد تجد مثلاً فقهياً ومرجعاً من مراجع الدين، لا يتعاطى الشأن العقائدي كما هو تعاطي فقيهٍ آخر قد لا يكون متصدٍ للمرجعية.. نظير ما كان يعطيه الشيخ جعفر السبحاني على المستوى العقائدي قبل تصديه للمرجعية، فيما هو الآن لا يتناول هذه القضايا بعد أن أشبعها قراءة ودرساً..
ما يفترض اعتماده لفهم عقيدة الطائفة هو ما يعتبر خطاباً حقيقياً يمثل المذهب والطائفة، وهو ما يمكن أن نسميه ما أجمعت عليه الطائفة.. ليس في عبارات العقيدة، وإنما في منطوق تلك العبارات، إذ صياغة العبارة قد تختلف من شخصٍ لآخر، وقد لا يوفق أحدهم من الوصول إلى ما يريد، ما يتصوره البعض أن يريد إضافة جديدة إلى ما قيل.

لا أريد أن أعقد العملية لتكون صعبة جداً، فمجهود المرء ذاته في قراءة عقيدته من أهم الوسائل التي تساعده للوصول إلى تلك الأنسقة الأخرى من الجواب.. ولن يجد نفسه محتاجاً إلا إلى بعض الكتب التي قد يتعرف على كتابها من خلال قراءة رسالة أو كتاب.. وهذا إنما لأنه خاض البحث والسؤال وحتى المساءلة، فيُفترض فيه أن تكون لديه روح البحث الوثابة، وليس للحصول على جواب للعيب والخروج من عهدة الالتزام.

أما أولئك الذين يتجاهلون هذه الحقائق، ويتجاوزن هذا إلى أن يقرأوا مبدأهم وعقيدتهم من خلال فهم الآخر الذي وضع نفسه موضع الخصومة تجاهها، ثم يأتي ليضع لمساته عليها باعتبارها عملاً تصحيحياً، ودون أن يكون ملماً بأبسط أبجدياته، فهذا ليس جديراً بالثقة ولا الاهتمام.. إذ يفترض منه أن يفرغ أولاً من قراءة خطاب الداخل ليتحرك بمنطق إصلاحي فيه، ثم يمكنه صياغة خطاب لمناقشة الداخل ومخاطبة الخارج.. أما ما نراه من بعضهم فإنهم أبعد ما يكونون قادرين على استيعاب خطاب انتمائهم.. لا أبجدياته ولا أدبياته.. فكيف يكونون قادرين على الإصلاح فيه..

أن يقوم فقيهٌ بقراءة إصلاحية كما قام به الإمام الخميني، والشهيد السيد محمد باقر الصدر، والشهيد مرتضى المطهري، والسيد الخامنئي، أو برؤية إصلاحية تعتمد قراءة الفقيه والفقاهة، بخلاف من يعتمد القراءة العلمانية للدين والعقيدة، ثم يأتي ليتحرك وفق ملاحظاتها النقدية لمذهبه بنية الإصلاح الديني.
أما حقيقة هؤلاء.. فليس بالضرورة أن يكونوا سيئين في نواياهم.. أو أنهم يعملون بمنطق تخريبي أو أنهم عدوانيين، وإنما لأن منهجية القراءة لديهم بما عرضناه سابقاًً، وهو ما يمكننا تسميته بالقصور شديدٍ.. أو قل التقصير الأشد من قبلهم في مقدمات قراءتهم.. وأنا في الواقع أخشى عليهم من هذا الاتجاه.. وآمل أن يتنبهوا.. إذ المنحى الذي هم عليه يخالف المنهج العلمي والفكري الذي يتطلعون إليه، والطبيعة التي يُفترض أن تُقرأ به الأيدلوجية والعقيدة.. قد لا يرونها متجلية الآن، لعدم التفاتهم لذلك لكثرة التصفيق الذي يجدونه في بعض المحافل.. ولكن بالتأكيد سيرون تداعياتها السيئة جداً عندما يرتفع غطاء التلطي بهذه الرؤية، أو عندما يطرحون رؤىً أخرى لا يصفق لها من كان يصفق هناك فرحاً به فينقلب عليه.. لتتعرى حقيقة الرؤى المعارة إليهم والمصدرة إلى مجتمعهم بالنوايا السيئة والمضامين الخاطئة والأساليب الفجة.

اقتباس
السؤال 2 : وهل هناك ما يدعو فعلاً إلى التصحيح . وهل التصحيح يشمل الممارسة أم الفكر ؟

لو لم تك هناك من حاجة للإصلاح ما قام الشهيد مطهري بتقديم رؤىً إصلاحية في مجالات واسعة في فهم الدين.. وهكذا الشهيد الصدر والشيخ المطهري والسيد الخامنئي والشيخ ناصر مكارم الشيرازي ومفكرون وأساتذة، سواء على مستوى العمل الاجتماعي، أو الفكر العقائدي، أو الرؤى الفقهية والأصولية المتجددة.. والمشكلة ليستْ في الدين، وإنما في قراءته، ولكن الإصلاح يقوم به من يعي حقيقة الحاجة إليه، ويعرف كيف يضع يده على موضع الألم ونوع المعالجة التي يحتاجها الجسم لذلك الألم.. الأطروحات التي تقوم على التهكم والسخرية بالتأكيد ليست جديرة بأن تقوم بأي خطوة إصلاحية.. وليستْ جديرة بالاحترام من أحد.

 

 

باقر الرستم غير متصل