ص32: ( فتجده أعقل العقلاء، ونابغة في العقل، أو أستاذا في الجامعة، أو دكتورا عظيما، ولكنه يقف أمام البقرة، ويعبدها أليس هؤلاء عقلاء ؟ نعم إنهم عقلاء، ولكن أثرت في حكم العقل تلك المعتقدات ).
في محاضرته ( منهج الاختلاف عند الإسلاميين بين الرؤية والموقف ) يتساءل الأستاذ محمد العلي:
( ما هو الاعتقاد ؟ ثم يجيب بقوله: الاعتقاد هو أي فكرة تسيطر على إنسانٍ ما، بحيث يهتم بها، وتدفعه إلى السلوك وفقا لها، وقد لا يستطيع تفسيرها، أو تفسير اعتقاده بها )، ويضيف قائلا:
1. إن الفكرة العقدية تملك السيطرة على معتنقها.
2. إن هذه السيطرةَ دافعةٌ للسلوك.
3. إن الفكرة لا يستطيع معتنقها تفسيرا لها.
ثم يتساءل الأستاذ العلي، ويقول: هل الاعتقاد معرفة ؟
ويجيب بقوله: أول من تصدى للإجابة على هذا السؤال هو أفلاطون، وعنده أن الاعتقاد ليس معرفة؛ لأنه قد يكون صادقا، وقد يكون كاذبا، والمعرفة لا تكون إلا صادقة، فإذن الاعتقاد ليس معرفة.
ثم يتساءل الأستاذ العلي قائلا: هل الاعتقاد إرادي ؟ ويجيب: هناك من يرى أن الاعتقاد فعل عقلي، وهناك من يرى أنه فعل إرادي. والمقصود بالإرادة هنا ذلك النزوع المرتبط بالعاطفة، وهو ما حدده الفيلسوف البرغماتي وليم جيمس حين أطلق مصطلح ( إرادة الاعتقاد )، ويعني به: ( التسليم باعتقادات لا يستطيع العقل أن يبرهن على صدقها، ولكنه يقبلها مع ذلك لعدم تناقضها لديه ).
إن نظرة واحدة على الواقع، وعلى التاريخ، توضح أن الرأي الثاني ( الاعتقاد فعل إرادي مرتبط بالعاطفة ) هو الأكثر صوابا؛ ذلك لأن ( المقلدين جميعا، في كل زمان ومكان، ومن جميع الأديان والإيديولوجيات ،لم يصلوا إلى اعتقادهم عن طريق العقل، بل عن طريق العاطفة، إن أكثر الناس يُساقون إلى الفعل بعواطفهم، ورغائبهم، ومنافعهم، لا بأفكارهم وعقولهم ).
يقول بعض الفلاسفة: ( نحن لا نريد ما نتيقن، بل نتيقن ما نريد )، ويقول الشيخ محمد عبده: ( أكثرهم يعتقد فيستدل، وقلما نجد منهم من يستدل ليعتقد ) انتهى .
إذن ( الاعتقاد ) أمر مرتبط بالعاطفة والمحاكاة والتقليد عند أصحاب الأديان والمعتقدات والإيديولوجيات، وليس للعقل أو النبوغ أو الأستاذية دخل في صياغة منظومة الاعتقاد، وكذلك هو حالُ مَنْ ( يقفُ أمامَ البقرةِ ويعبدُها ) ! وليس المعنى تبرير هذا الاعتقاد أو تحسينه، وإنما المقصود إن عُبّاد البقر هم كغيرهم في ما يتعلق باعتقاداتهم، فلديهم منظومة من التبريرات والبراهين التي تتصالح مع اعتقاداتهم.
ص 34: في الفصل الثالث من المبحث الأول دار حديث المؤلف في 39 صفحة حول العقبات التي تعترض القانون الوضعي، وهي ( الضمانات الإجرائية )، و( الفراغ الديني )، و( عدم الهدفية )، ثم عرّج المؤلفُ على تعارض المصالح في القوانين الوضعية ص35، ثم أخذ المؤلف في طرح تفصيلات مسهبة حول بناء ذات الإنسان من الداخل من ص36 ـ ص39، والعقوبات الدنيوية، والعقوبات السماوية والعقوبات الاقتضائية، وعقوبة البعد الروحي والمعنوي من الله، ثم الحديث حول تفصيلات أخرى مسهبة، ثم الحديث عن البلاء والابتلاء والمصائب والامتحان الإلهي، وأن في ذلك مصلحةً للفرد والمجتمع، ثم الحديث عن العامل الإيماني والذاتي في الإنسان، ثم التسليم الجسمي والفكري والقلبي، ثم الحديث عن بعث الرسل، ويتخلل كل ذلك نقولٌ كثيرة، وأقوالٌ لبعض المفكرين الإسلاميين والعلماء والفقهاء من أمثال: السيد محمد حسين الطباطبائي، والسيد عبدالأعلى السبزواري، والسيد روح الله الخميني، والشيخ مرتضى مطهري، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والشيخ جوادي آملي، والشيخ جعفر سبحاني، والسيد محمد باقر الصدر، وآخرون غيرهم.
وعلى هذا الفصل تدور أسئلة كثيرة مهمة ومقلقة، أوجزها في الآتي:
• دوران الحديث حول موضوعات ومسائل يجد القارئ صعوبة في إيجاد رابط بينها، وبين مفهوم ( تجديد الخطاب الديني ) بوصفه عنوانا للكتاب.
• تجاهل المؤلف إيراد أقوال، أو نصوص لمفكرين من أصحاب النظرية الوضعية، وكان حريٌّ به طرحَ آرائهم بنصوصها من مصادرهم، وتناول القانون الوضعي من منابعه، فكل ما يفعله المؤلف هو نقل ملخصات لأفكار ومقولات لا يعلم من هو قائلها.
• يحاول المؤلف إجراء مقارنة بين القانون الوضعي، وأحكام الشريعة الإسلامية، وكوني لست خبيرا في المجالين إلا أنني أتساءل: كيف يمكن فهم هذه المقارنة مع اختلاف منابع القانون الوضعي عن منابع القانون الإسلامي، وتناسي أن هناك فروقا جوهرية بين التجربة البشرية، والوحي الإلهي، وتناسي أن القانون الوضعي من مصادره العرف، وتجارب الأمم الأخرى، والدين، والمعتقدات، وتناسى المؤلف أيضا أن الإسلام قد أخذ ببعض القوانين الوضعية التي تتلاءم ومقاصده، وخير دليل عدم رفضه لبعض الشرائع المتبعة عند العرب قبل الإسلام، بل أخذ بها؛ لأنها لا تتناقض مع مقاصده وهديه.
ص44: يقول المؤلف: ( أوجب على كل فرد مراقبة الآخرين لو أخلوا بواجب، أو اقترفوا محرما، حيث أوجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وجعل الساكت عن الأمر بالمعروف مأثوما.. ) في هذا القول نظر، لم يدعُ الإسلام إلى مراقبة الآخرين، ولم يوجب ذلك على أحد، كما أنه لم يوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( على كل فرد ).
ففي منهاج الصالحين، يقول السيد الخوئي( ) : ( يجب الأمر بـ ( المعروف الواجب )، والنهي عن المنكر وجوبا كِفَائِيًّا؛ إن قام به واحد سقط عن غيره، وإذا لم يقم به واحد أثم الجميع، واستحقوا العقاب )، وقد وضع العلماء لذلك شروطا ينبغي على الآمر والناهي إتباعها، والالتزام بها.
ومن مقولات الفصل الثالث من المبحث الأول، ص 44: ( السلطة التنفيذية في الإسلام، ليست طائفة متميزة في المجتمع، بل تعم جميع أفراد المجتمع، فعلى كل فرد أن يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى على المنكر، وهذا الضمان مفقود في القوانين الوضعية؛ لأن كل إنسان يتحمل ما عمله، ولا شأن له بالآخرين ).
أن يتحمل الإنسان مسؤولية ما عمله فهذا مما يدعو له الإسلام، فعلى ( كل إنسان ( أن ) يتحملَ ما عمله، ولا شأن له بالآخرين )، وهو مما تعمل به القوانين الوضعية، وهي فكرة ( وضعية ) صائبة، وسلوك حضاري دعت له الديانات.
أما أن تكون السلطة التنفيذية في يد ( جميع أفراد المجتمع )، و( على كل فرد أن يدعو إلى الخير )، و( يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ) فهذا تأصيل للوصاية الاجتماعية، وإعادة لتأسيس الـشرطة الدينية، التي ما زال ( المجتمع ) في السعودية يكافحُ من أجل التخلص منها، وتنادى التربويون إلى إحلال قوانين التربية المدنية، والأخلاق الإسلامية العملية، والالتزام بمبادئ الإسلام الأصيلة دون وصاية أو رقابة من الشرطة الدينية، أو العسس الليلي، أو البوليس النهاري.