بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلِ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
**يقول مؤلف الجزء الثالث من كتاب:مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة(وقائع الطريق من مكة إلى كربلاء) المحقق الشيخ محمد جواد الطبسي حول اتهام زهير بن القين بأنه عثماني الهوى:-
الظاهر أن أقدم مصدر تأريخي وردت فيه الإشارة بصراحة إلى عثمانية زهير بن القين(رض) هو تأريخ الطبري وأنساب الأشراف للبلاذري،فقد روى الطبري عن أبي مخنف عن الحارث بن حصيرة عن عبدالله بن شريك العامري قال : (لما قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب قام هو وعبدالله بن أبي المحل وكانت عمته أم البنين ابنة حزام عند علي بن أبي طالب عليه السلام فولدت له العباس وعبدالله وجعفرا وعثمان فقال عبدالله بن أبي المحل بن حزام بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب أصلح الله الأمير إن بني أختنا مع الحسين فإن رايت أن تكتب لهم أمانا فعلت قال نعم ونعمة عين فأمر كاتبه فكتب لهم أمانا فبعث به عبدالله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كزمان فلما قدم عليهم دعاهم فقال هذا أمان بعث به خالكم فقال له الفتية أقرئ خالنا السلام وقل له أن لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان ابن سمية قال فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيدالله بن زياد إلى عمر بن سعد فلما قدم به عليه فقرأه قال له عمر ما لك ويلك لا قرب الله دارك وقبح الله ما قدمت به علي والله إني لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه أفسدت علينا أمرا كنا رجونا أن يصلح لا يستسلم والله حسين إن نفسا أبية لبين جنبيه فقال له شمر أخبرني ما أنت صانع أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر قال لا ولا كرامة لك وأنا أتولى ذلك قال فدونك وكن أنت على الرجال قال فنهض إليه عشية الخميس لتسع مضين من المحرم قال وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين فقال أين بنو أختنا فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي فقالوا له مالك وما تريد قال أنتم يا بني أختي آمنون قال له الفتية لعنك الله ولعن أمانك لئن كنت خالنا أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له قال ثم إن عمر بن سعد نادى يا خيل الله اركبي وأبشري فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت يا أخي أماتسمع الأصوات قد اقتربت قال فرفع الحسين رأسه فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال لي إنك تروح إلينا قال فلطمت أخته وجهها وقالت يا ويلتا فقال ليس لك الويل يا أخية اسكني رحمك الرحمن وقال العباس بن علي يا أخي أتاك القوم قال فنهض ثم قال يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس ما بدا لكم وما تريدون قالوا جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم قال فوقفوا ثم قالوا القه فأعلمه ذلك ثم القنا بما يقول قال فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين يخبره بالخبر ووقف أصحابه يخاطبون القوم فقال حبيب بن مظاهر لزهير بن القين كلم القوم إن شئت وإن شئت كلمتهم فقال له زهير أنت بدأت بهذا فكن أنت تكلمهم فقال له حبيب بن مظاهر أما والله لبئس القوم عند الله غدا قوم يقدمون عليه قد قتلوا ذرية نبيه عليه السلام وعترته وأهل بيته صلى الله عليه و سلم وعباد أهل هذا المصر المجتهدين بالأسحار والذاكرين الله كثيرا فقال له عزرة بن قيس إنك لتزكي نفسك ما استطعت فقال له زهير يا عزرة إن الله قد زكاها وهداها فاتق الله يا عزرة فإني لك من الناصحين أنشدك الله يا عزرة أن تكون ممن يعين الضلال على قتل النفوس الزكية قال يا زهير ما كنت عندنا من شيعة أهل هذا البيت إنما كنت عثمانيا قال أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم أما والله ما كتبت إليه كتابا قط ولا أرسلت إليه رسولا قط ولا وعدته نصرتي قط ولكن الطريق جمع بيني وبينه فلما رأيته ذكرت به رسول الله صلى الله عليه و سلم ومكانه منه وعرفت ما يقدم عليه من عدوه وحزبكم فرأيت أن أنصره وأن أكون في حزبه وأن أجعل نفسي دون نفسه حفظا لما ضيعتم من حق الله وحق رسوله عليه السلام ...)).
وأما البلاذري فقد قال : ( قالوا: وكان زهير بن القين البجلي بمكة، وكان عثمانياً، فانصرف من مكة متعجلاً، فضمه الطريق وحسيناً فكان يسايره ولا ينازله، ينزل الحسين في ناحية وزهير في ناحية، فأرسل الحسين إليه في إتيانه فأمرته امرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى، فقالت: سبحان الله أيبعث إليك ابن بنت رسول الله فلا تأتيه ؟ فلما صار إليه ثم انصرف إلى رحله قال لامرأته: أنت طالق، فالحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خيراً، ثم قال لأصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد، وصار مع الحسين)).
كما نقل الطبري كذلك عن كراهية زهير (رض) أن ينزل مع الإمام عليه السلام نفس منازل الطريق عن رجل من بني فزارة: (كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن نسايره في منزل فإذا سار الحسين تخلف زهير بن القين وإذا نزل الحسين تقدم زهير حتى نزلنا يومئذ في منزل لم نجد بدا من أن ننازله فيه... )).
يقول المؤلف في الرد على ذلك:-
1- رواية منازل الطريق التي رواها الطبري عن (رجل من بني فزارة!) فضلاً عن ضعف سندها -بمجهولية الفزاري- لايستقيم متنها مع الحقيقة التأريخية والجغرافية،ذلك لأن زهير بن القين(رض) كان عائداً من مكة إلى الكوفة بعد الإنتهاء من أداء الحج،فلو فرضنا أنه قد خرج من مكة بعد انتهاء مراسم الحج مباشرة فإنه يكون قد خرج منها يوم الثالث عشر من ذي الحجة على الأقوى،وبهذا يكون الفرق الزمني بين يوم خروجه ويوم خروج الإمام عليه السلام منها خمسة أيام على الأقل ،وإذا كان هذا فكيف يصح مافي متن الرواية: (كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين...)).
وأما رواية البلاذري فيكفي في عدم الإعتماد عليها أنها مأخوذة عن وكالة أنباء (قالوا)!.
2- من المؤرخين من روى قصة لقاء الإمام عليه السلام مع زهير (رض) دون أن يرد في روايته أي ذكر لامتناع زهير(رض) من الذهاب إليه عليه السلام كما ذكر الدينوري (فأبى أن يلقاه!)،والبلاذري( فأمرته امرأته ديلم بنت عمرو أن يأتيه فأبى!)،هذا الإمتناع المُفسر على أساس عثمانية زهير(رض)!
فهاهو ابن أعثم الكوفي -المعاصر لكل من الطبري والدينوري والبلاذري- يروي قصة هذا اللقاء- بدون ذكر للعثمانية أو لللإمتناع - قائلاً : ( ثم مضى الحسين فلقيه زهير بن القين،فدعاه الحسين إلى نصرته فأجابه لذلك ،وحمل إليه فسطاطه،وطلق امرأته،وصرفها إلى أهلها،وقال لأصحابه:إني كنت غزوت بلنجر مع سلمان الفارسي،فلما فتح علينا اشتد سرورنا بالفتح،فقال لنا سلمان :لقد فرحتم بما أفاء الله عليكم!قلنا :نعم.
قال:فإذا أدركتم شباب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه منكم بما أصبتم اليوم.فأنا أستودعكم الله تعالى!ثم مازال مع الحسين حتى قُتل..).
3- لم يحدثنا التاريخ في إطار سيرة زهير بن القين(رض) عن أي واقعة أو حدث أو محاورة أو تصريح من زهير نفسه تتجلى فيه هذه العثمانية التي أُلصقت فيه!مع أن الآخرين ممن عُرفوا بعثمانيتهم كانوا قد عُرفوا بها من خلال آرائهم ومواقفهم واشتراكهم في حرب أو أكثر ضد علي عليه السلام!.
4- وإذا تأملنا جيداً في ماقاله عُزرة بن قيس لزهير (رض) ومارد به زهير-على مافي رواية الطبري- يتجلى لنا أن زهير بن القين (رض) لم يكن عثمانياً في يوم من الأيام!ذلك لأن زهير (رض) أجاب عزرة الذي اتهمه بالعثمانية فيما مضى قائلاً: ( أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم!؟) أي من أهل هذا البيت عليهم السلام رأياً وميلاً وانتماءً.
ولم يقل له مثلاً: نعم كنت عثمانياً كما تقول ،ثم هداني الله فصرت من أتباع أهل هذا البيت عليهم السلام وأنصارهم،أو مايشبه ذلك.
بل كان في قوله: (أفلست تستدل بموقفي هذا أني منهم) نفي ضمني لعثمانيته مطلقاً في الماضي والحاضر،ثم إن سكوت عُزرة بعد ذلك عن الرد كاشف عن تراجعه عن تهمة العثمانية،فتأمل.
5- إن التأمل يسيراً في أقوال زهير بن القين(رض) وفي قول زوجه وموقفها،يكشف عن أن زهيراً(رض) وزوجه كانا يعرفان حق أهل البيت عليهم السلام وتعمر قلبيهما مودتهم،تأمل في قوله لزوجه-على مافي رواية السيد ابن طاووس-(وقد عزمت على صحبة الحسين عليه السلام لأفديه بنفسي وأقيه بروحي)،وفي قولها له(كان الله عوناً ومعيناً،خار الله لك،أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين عليه السلام!)،أو قوله لها-على مافي رواية الدينوري-(فإني قد وطنت نفسي على الموت مع الحسين عليه السلام)،وقوله لأصحابه: ( من أحب منكم الشهادة فليقم...)، وإخباره إياهم بحديث سلمان الفارسي(رض)-على مافي رواية الإرشاد-(فإذا أدركتم شباب آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه منكم).
آسف على الإطالة ولكني وجدت أهمية الرد على هذه التهمة التي أُلصقت بحق هذا العبد الصالح زهير بن القين البجلي.
طالب الغفران