، ،
][ لون الفقر ][
يختلس الهواء دخوله من النافذة ، ليرفع الستارة بهدوء فتتسلل بعده أشعة الشمس .. تـُداعب عينيّ لأستيقظ .. تتحرك الستارة مع الرياح فيتردد ... شعاع الشمس مع الظل على وجهي ... فتحت عينا ً واحدة .. فهربت أشعة الشمس و أنتشر الهواء وأُسدِلـَت الستارة على " النافذة " أنا أسميها نافذة و في الحقيقة ما هي إلا فتحة صغيرة مربعة الشكل في الجدار عليها خرقة سوداء كالستار ، رفعتُ جسدي من على الأرض ... لاتستغربوا فليس لدي سرير ! ، حتى هذه الغرفة ليست ملكي .. غرفة ضيقة و حمام فقط ! وماذا يُريد شابا ً مثلي ببيت كبير أو فيلا فخمة ... في الحقيقة أنا أريد ذاك البيت الكبير أو الفيلا الفخمة لكني لا أتحمل تكلفة مثل هذه الأماكن ولا حتى شقة مقبولة صالحة للاستخدام البشري ! ، كل ما استطعت ُأن أجنيه هو هذهِ الغرفة الصغيرة فوق سطح عمارة متهالكة في الحي الشعبي القديم !
أقلت ُ غرفة ؟!! ، أسمحوا لي لقد خانني التعبير ، لأن هذا المكان لا يستحق حتى أن أسميه " غرفة " إنها زنزانة ، زنزانة صغيرة وليست لي وحدي أيضا ً بل تتقاسمها معي الفئران والحشرات و حتى بعض القطط ، أتذكر تلك القطة التي ولدت في هذه الغرفة العام الماضي و تركتني أنام في العراء وهي تنعم بالدفء في زنزانتي !
حتى بعض الطيور يتخذون من هذه الزنزانة مقرا ً لأعشاشهم ! فتلك الفتحة في الجدار المسماة " بالنافذة " تسمح لأي شيء بالعبور من خلالها !
نظرت ُ إلى انعكاس صورتي على مرآة الحمام المكسورة ، رجل أسود في الخامس والعشرين من عمره ملامح باردة شعر قصير خشن ، لا أب و لا أم ! ولا حتى أقارب حولي ، غريب ! ، بعد الحادث الذي لا أعلم متى وأين وقع فقدت والِديّ.
غسلتُ وجي بالماء البارد .. يااااه حتى ماء دافئ لا أستطيع الحصول عليه هنا ! ، ولكن لا يهم فهذا المكان لنومي فقط .. عملي كموصل لطلبات مطعم يجبرني على ألا أرجع هنا إلا متأخرا ً .. للنوم فقط و في الصباح أذهب مرة أخرى للعمل كموصل للطلبات فهذا العمل لا يحتاج إلى شهادة دراسية عالية و لا واسطة !
صباحي يبدأ بمروري على السوق الشعبي أسفل هذه العمارة القديمة المتهالكة غرفتي على سطحها ، القاطنين هنا عزاب و الوافدون للعمل من جنسياتٍ مختلفة ، هنا في هذا الحي الشعبي الصغير كأنه مكان معزول من هذه المدينة الكبيرة ! وكأننا حي منسي ، بالرغم من نشاطه وكثرة الخيرات فيه من أسواق شعبية ودكاكين وحرفيين لكن لا يهم فقد أعتدنا على ذالك.
سآخذ إجازة ليوم واحد من مدير المطعم .. فلدي حدث مهم الليلة، ولابد أن أبدو في أفضل حال ..الميزة الوحيدة التي جنيتها من عملي في هذا المطعم الفاخر ، أقصد عملي في توصيل طلبات هذا المطعم الفاخر ، هي أن أغلب زبائنه مِن مَن يسكنُ في ذاك الحي الراقي ... الحي الذي يقطنه الأغنياء ! ، تعرفت على معظمهم وخصوصا ً الذين يسكنون في تلك العمارة الضخمة !
كذاك الدكتور الذي يقطن في الطابق الرابع ، إني معجب به أعتقد أن أسمه رضوان ! ، نعم أسمه الدكتور رضوان ، لا تسألوني عن تخصصه لأني لا أعلم ، يعيش لوحده في تلك الشقة أعتقد أنه غير متزوج ، كل ما أوصل له طلبا ً يفتح الباب وعلى محياه ابتسامة ينزل نظاراته الصغيرة إلى طرف أنفه يأخذ الطلب قائلا ً
" أهلا عمار أما من أخبار على الصعيد المحلي ؟ "
فأرفع كتفي كعادتي مشيرا ً بعدم العلم ، يشكرني و يتجه إلى الشرفة ليأكل و يقرأ الجريدة ، كان يجعل الباب مفتوحا ً دائما ً وأنا أغلقه كالعادة.
و من الذين أعرفهم عن طريق توصيلي للطعام هم عائلة أم أمجد ، يسمون الشقة بشقة أم أمجد لأن الأب سافر خارج البلاد للعمل ، فهو تاجر وعمله يتطلب الترحال حسب ماسمعت ، في تلك الشقة تعرفتُ على أمجد ، شاب غني و مثقف راقي في تفكيره متواضع في تعامله ، وأيضا ً يوجد في تلك الشقة سبب بقائي حيا ً ! في شقة أم أمجد سبب بقائي في تلك الزنزانة التي على سطح العمارة الخَرِبَـة ، رزان ! نعم أخت أمجد هي سبب احتمالي لوضعي كموصل لطلبات المطعم ، فقط لكي أراها دائما ً ، وإلا كيف لفقير مثلي أن يتجول في حي غني كهذا
لن أصفها فحروفي القليلة و ثقافتي الضحلة لا تسمحان لي بوصف ملاك ٍ بشري ٍ مثلها !
وصلتُ إلى المطعم حادثت المدير و أقنعته بإعفائي عن العمل هذا اليوم ، و سلكتُ طريقي عائدا ً إلى حيث تنتمي الطبقة العاملة ، إلى حيث يجد الفقر متنفسا ً له ، إلى حينا الصغير ، أنا سجين ! زنزانتي هي غرفتي المهترئة على سطح عمارة متهالكة ، ربما تقولون لي لما لم ترحل من هذا الحي ؟ لما لا تبحث عن وظيفة أخرى ؟ لما لا تسعى خلف رزق أفضل؟
أقول لكم لأني مقيد ! قيودي هي حبي لـ رزان ، أغلالي هي شوقي لها خوفي من تغيير غرفتي الباعثة للشفقة ، أو عملي المتعب هو الابتعاد عنها و عن رؤيتها ! ولكن كل هذا سينتهي اليوم ، اليوم أسير و أنا أنظر إلى السماء وكأني لأول مرة أراها زرقاء اللون ، كنتُ دائما ً أراها رمادية و الغيوم سوداء ! اليوم قررتُ أن أغير حياتي ..الليلة سأتقدم إلى رزان.
وصلتُ لتقاطع طـُرق .. عبرتُ الشارع فجأة ! رأيتُ سيارة متجهة ً ناحيتي .. أغمضتُ عيني و صرخت .. آآآآآآآه ... سكون ! فتحتُ عيني رأيتُ السيارة واقفة أمامي ، الحمدلله لم أمت ! ، صرت أصرخ في وجهه " ألا ترى يا أعمى ؟ " .. ولكنه خرج من السيارة مشدوداً حائرا ً وكأنه لا يرى أمامه ، أخرج من جيبهِ نقودا ً وركض ناحية إشارة المرور ! يا لهُ من مغفل .. يترك سيارة كهذه مفتوحة الأبواب و يبتعد ! ألا يخاف تُسرق ! ، كنتُ أنظر إلى هذه السيارة الحمراء الفخمة ، لكني تركتها و أكملت طريقي فلدي شيء أهم من النظر إلى سيارة باهضة الثمن !
اتجهت ُ إلى العم أبو محمد صاحب الدكان بالقرب من مدارس الأطفال هو من كفلني منذ
صغري ، كان صديقا ً لأبي ، أبو محمد ذاك الرجل العجوز قصير القامة داكن البشرة يملك دكانا ً صغيرا ً يبيع فيه بعض السكاكر و الحلوى و المشروبات الغازية ، أخبرته عن رزان وأعرب عن سروره لتمثيلي أمامهم ، فلابد من رجل كبير معي عندما أذهب لأتقدم لأي فتاة ، اتفقنا على أن نذهب لشقتهم بعد المغرب ، طرت من الفرح والسرور .. فسأتقدم لحبيبتي .
، ،