السلام عليكم /
حاجة الإنسان للعمل تحتــّم عليه أن لا يقف مكتوف الأيدي ينتظر من الآخرين أن يعطفوا عليه ويقدّموا له العمل على طبقٍ من ذهب بحجــّة أنــّه يمتلك مؤهلاً علمياً , وشهادةً في تخصصه , وليس العيب في أن يطلب الفرد منا الوظيفة المناسبة لشهادته وتخصصه , بل إنّ ذلك من أبسط حقوقه , ولكن الانتظار الطويل والإصرار الشديد على أن لا خيار عنده لأنـــّه لم يحصل على ما يريد فإنّ المتضرر الوحيد هو نفسه طالب العمل , وإنّ رفض أي عمل آخر فإنــّما يكون قد حكم على نفسه هو أن يبقى بلا عمل , وآخر لا يمتلك من الشهادات ما يؤهله لعملٍ محدّد ٍ بعينه ومع ذلك يتطلع إلى عملٍ من نوعٍ خاص , ويرفض الوظائف المتوفرة هنا وهناك لمبررات غير ناهضةٍ , وفي كلتا الصورتين فنحن نتحدث عن بدائل قد تكون مؤقتةً وقد تكون دائمة تبعاً للظروف المحيطة والحاجة الملّحة للعمل , فلن يبقى أحدنا دهره عيالاً على أبيه يطلبه المال متى ما احتاج حتى وإن أبدى الأب ترحيبه وسعة صدره لمطالب أولاده , فإنّ قمّة الإحساس بالمسئولية تتطلب سعي الشاب للحصول على العمل .
ونحن هنا أمام ثلاث شرائح من الشباب :
1- أصحاب الشهادات الأكاديمية النظرية
2- أصحباب الشهادات الأكاديمية المهنية والتقنية
3- أصحاب المؤهلات المتدنية أو لا يمتلكون مؤهلاتٍ أصلاً .
قبل سنوات يندر أن يتأخر حاملو شهادات البكالوريوس عن التوظيف ما عدا بعض التخصصات البسيطة كخريجي قسم الجغرافيا مثلاً ,ولكن في الآونة الأخيرة تعددت التخصصات التي يتأخر أصحابها عن التوظيف حتى خريجو الكليات والمعاهد الصحية الذين اعتدنا على ضمان الرقم الوظيفي لكل خرّيج منهم من قبل وزارة الصحة بدأت منذ أكثر من 3 سنوات في التعثر والتأخر في توظيف خرّيجيها , , وهذا يعني أنــّنا مطالبون أن نتعاطى مع هذه المرحلة بأفقٍ أوسع , وبانفتاح أكبر , لنتقبل الوضع الراهن بالقبول الذي لا يضعفنا عن السعي والمطالبة بالوظيفة المناسبة , ولا أن نجمد مكاننا ننتظر الوظائف أن تطرق أبوابنا , فإذا رفض طالب العمل كلّ شيءٍ فقد يطول به المقام ولا يجد عملاً , فما البديل إذنْ ؟ ألست أنت وحدك فقط المتضرر من مثل هذه الحالة وغيرك لا يسأل عنك ؟
إنّ رفض بعض المهن لمجرد الحرج النفسي أو قلّة الدخل لن يغيّر من الواقع شيئاً , ولاتدري متى تأتي الوظيفة المناسبة , وربما لا تأتي أبداً , وربما كتب لك البارى تعالى رزقك في هذه المهنة ولم يكتبه في غيرها , وأخصّ أصحاب التخصصات المهنية , فباستطاعتهم ممارسة تخصصاتهم بمفردهم وبجهدهم الخاص أو الالتحاق ببعض المؤسسات الصغيرة وإن كان راتبها ضعيفاً فهذا أفضل من الجلوس في البيت .
إن من يحمل شهادة مهنيةً في مجال الكهرباء أو اللحام أو المكانيكا فأمامه الأبواب مشرعة ليبدأ حياته فحاجة الناس كثيرة لمثل هذه التخصصات وليس من الضروري أن يعمل تحت مظلّة شركة أو مؤسسة فلربما حصل من الدخل ما لا يتقاضاه من شركة أو مؤسسة .
أصبح بعض الأجانب كما ذكر بعض الأخوة يسيطرون على السوق المحلية في جميع المجالات ونحن ننظر نتفرج وهم ينمــّون مشاريعهم بينما نحن أبناء الوطن أولى بكل هذا منهم , وهذا لم يأت ِ من فراغ بل بسعيٍ وجهدٍ متواصل منهم , فماذا يضير الفرد منا إذا كان لا يمتلك أيّ مؤهل أو شهادة أن يكون حلاّقاً مثلاً أو خبــّازاً أو خرّازاً أو صبــّاغاً ؟ فهل هذه المهن مستحقرة ؟ أم أنّ نظرة الناس لنا تمّثل المعيار الأساس للقبول والرفض ؟
قبل مدّة كنت أتسآل في نفسي وأنا أرى عدداً كبيراً من الشباب يحملون ملفاتهم الخضراء ليسجلــّوا على وظيفة ( سكيورتي ) عند شركة متعاقدة أو وظيفة ( حارس ) براتب لا يتعدى 1000 ريال , والمطلوب منهم فقط عددٌ قليلٌ جــدّاً , ويبقون منتظرين الرد أسابيع عديدة , فكنت أحدّث نفسي : لو توّجه هؤلاء إلى صوالين الحلاقة , وأحللنا ابن البلد في مكان الأجنبي , فكم من الوظائف ستتوفر لهؤلاء الشباب وبدخلٍ ممتاز قد يفوق ما سوف يتقاضاه من شركةٍ تأخذ منه الكثير ولا تعطيه إلاّ النزر القليل .
أنا لا أطالب حامل شهادة أكاديمية عالية أن يقف بسيارته يبيع البطــيخ على قارعة الطريق , وإذا رفض ذلك فأعتبــّره مقصــّراً ومترّفعاً عن العمل , بل المهم أن يحمل حسّ المسئولية والجدّية في طلب الرزق , وألاّ يضع العراقيل الكثيرة أمامه وأمام كلّ مهنة أو وظيفة تعرض عليه , ويضع الاستفهامات الكثيرة عليها فما من وظيفة إلاّ ويعيبها , ويضع المبررات لرفضها , ويبقى على هذا الحال شهوراً وربما سنواتٍ طوالاً , فعلى كل فردٍ منــّا سواء لديه مؤهلٌ علميٌ أو لا أن يقرر مصيره بنفسه , ويرسم مستقبله بطريقته , ولكن حذارِ أن يفوّت عليه الفرص , كما أنّ عليه في هذا الزمن العصيب أن يقدّم بعض التنازلات من أجل راحته فلم يعدْ الأمر كالسابق , وليس الكل يأخذ وضعه الوظيفي على قدر شهادته بالتمام والكمال إلاّ ما ندر .
وفي النهاية لا ننسى أنّ هناك فئةً من الشباب المكافح في هذا البلد العريق امتهنوا مهناً بسيطةً ولكنــّها مهمــّة يعملون ليل نهار من أجل لقمة عيشهم , يقبلون باليسير , ويطمحون للكثير , ويسعون لتحسين دخلهم بوسائل شتــّى رافضين أن يكونوا يوماً ما محطّ عطف الآخرين .
المبارك زكي مبارك أشكرك لهذا الطرح المهم .
تحياتي