عرض مشاركة واحدة
قديم 04-11-2002, 05:03 PM   رقم المشاركة : 5
ترانيم
مشرف سابق







افتراضي كلام كبير

[ نحن أكثر المجتمعات إنفاقاً على العمرة والمنشطات!، مجتمع يدل إنفاقه على مدى نفاقه، وكما أن العمرة عند الكثيرين من تجار الشنطة إستدعاءاً للورع الشكلي والتدّين المظهري المفرّغ من الروح الدينية الحقيقية، فالمنشطات أيضاً عندنا إستدعاء للجنس الشكلي الميكانيكي الخالي من الروح الإنسانية الصادقة، وهؤلاء عندما يحجزون تذكرة العمرة أو يتناولون قرص المنشط فإنهم بذلك يحافظون على ما أطلق عليه "مجتمع الفاترينات"، فالمهم عندنا هو أن الفاترينة بخير أما ما هو وراء هذه الفاترينة الأنيقة فليس مهماً حتى ولو أكلته العثّة أو أصابه العفن !! فمن الممكن بل ومن العادي جداً أن تذهب إلى العمرة وبعد عودتك مباشرة تبيع بمنتهى راحة الضمير منتجاً منتهي الصلاحية، وكذلك بعد أن تمنحك المنشطات جنساً صحيحاً من الناحية البيولوجية لا تتورع عن أن تسبّ وتضرب مَن كانت في أحضانك منذ قليل تحت لافتة القوامة والتأديب .

وفي مجتمع الفاترينات يحاول كل مَن نخرت روحه السوس أن يتطهر ويقدم قرباناً حتى ولو ضحّى بأي شيء حقيقي وصادق في طريقه، وفي الأسبوعين الماضيين كان القربان هو الإعلامية هالة سرحان وحلقتها عن الإضطرابات الجنسية والتي أطلقت عليها الصحافة زوراً وبهتاناً "حلقة العادة السرية"، وقد كنت ضيفاً على هذه الحلقة وشاهداً على ما دار فيها ولن أقدم دفاعاً عن هالة سرحان فهي قادرة على أن تدافع عن نفسها ولكني سأدافع عن الحقيقة التي تاهت وسط موجة هستيريا التعصب وحفلة زار التشنج التي أقامها البعض ممن يحاولون إحتكار الفضيلة، ويمارسون الوصاية علينا وكأننا مازلنا نرتدي "البامبرز" ولم نفطم بعد، ويصدعوننا ليل نهار بإسطواناتهم المشروخة عن الفضائيات التي تقتحم البيوت الآمنة وكأنهم لا يعرفون أن هناك إختراعاً إسمه الريموت كونترول من الممكن أن تغير من خلاله القناة أو تغلق الدش تماماً إذا أردت، ومن المدهش أنني سمعت من معظم الرافضين أنهم شاهدوا الحلقة حتى نهايتها ولم يستطيعوا مغادرة مقاعدهم ولكنهم ورغم ذلك يشجبونها بشدة ويدينونها بكل جوارحهم، والمصيبة أن معظمهم قد شاهد الإعادة بعد الإدانة وهو يتلفت حوله بعد أن إقترب من التليفزيون بهدوء وعلى أطراف أصابعه، وأعتقد أن هذه حالة مستعصية من حالات الشيزوفرينيا والتي شعارها "بأكرهه ومأقدرش على بُعده !!".

[ قبل أن نحلل ونفسّر سرّ ظاهرة الهجوم الناري الرهيب الذي شنه البعض على هذه الحلقة في شبه مظاهرة منظمة وكأن إسرائيل قد أعادت إحتلال سيناء، قبلها سنقدم سيناريو سريع للحلقة من واقع حضوري وإطلاعي بعدها على الشريط المسجّل، ولن تصدقونني إذا قلت لكم أنني إضطررت لرؤية الشريط مرة ثانية بعد قراءتي لهذا الهجوم المليء بالأكاذيب والإفتراءات والذي شككنى أنا شخصياً في أنني قد قلت هذا الهراء المكتوب فعلاً !! ولكنها ثقافة الشفاهة والسماع والعنعنة التي يسمع فيها الناس ما يدور بأذهانهم وليس ما يُقال أمامهم بالفعل، والتي تتضخم فيها الأكذوبة ككرة الثلج مع كل لسان ينقل وكل أذن تسمع، إنها ثقافة التربص و"التلكيكة" التي تريد أن تنصب لك فخاً لا أن تقيم معك حواراً، وتريد قتلك معنوياً حتى لا تفضح عجزهم وتعري فشلهم، خاصة أنّ فيهم من تولى مسئولية قناة فضائية خاصة وتركها بعد أن تحولت إلى جثة هامدة، وفيهم أيضاً مَن له ثأر شخصي ويعمل في قناة فضائية أخرى ...وهكذا، والمهم أن الحلقة كانت عن الإضطرابات الجنسية عند الشباب والتي ظهرت على شكل زيادة نِسب الطلاق عند المتزوجين حديثاً نتيجة مشاكل جنسية، وبدأ الحديث بمناقشة ظاهرة المخدرات وتأثيرها على الجنس وإتفق جميع الحضور ومنهم الطبيب التناسلي والنفسي وعالم الدين والمفكر الإجتماعي وكاتبة القصة على تأثيرها المدمر، وبعدها قال أحد الحضور أن كل من يمارس مرض العادة السرية سيفشل حتماً في ليلة الدخلة، وإضطررت من واقع تخصصي أن أردّ على تلك المقولة التي لو طبقناها فإن الجميع حتماً سيفشل، ومن قبيل الإقرار بالواقع وليس تشجيعاً على العادة قلت أنها ليست مرضاً ولكنها مرحلة وستمرّ، وتعتبر مرضاً في حالة إذا ما أصبحت مصدر اللذة الوحيد، أي عندما تتوافر الزوجة ويصرّ الزوج على ممارستها هنا يستدعى العلاج، وكان هذا من قبيل الشرح العلمي وعدم تحميل هذا الأمر إثماً وذنباً أكثر مما يجب، وإنتقلنا إلى موضوع آخر ولم نظل طوال الحلقة كما كتبت بعض الصحف نتحدث عن العادة السرية، فقد تحدثنا أيضاً في موضوع في منتهى الخطورة وقد تبنت محاربته السيدة حرم رئيس الجمهورية شخصياً وهو موضوع "ختان الأناث" والذي إضطررت فيه إلى الرد السريع على الشيخ يوسف البدري الذي أباحه، وبالطبع الخطأ في مناقشة الختان ليس خطأي ولا خطأ هالة سرحان ولكنه خطأ المجتمع الذي ما زال يسمح بمثل هذا السلوك البربري الهمجي الذي مازال يمارس تحت لافتة الدين والشرع والحفاظ على الأخلاق، وتحدث د.شوقى العقباوي بعدها في هدوء ومنطق عن ضرورة تدريس الثقافة الجنسية في المدارس ووافقه الشيخ البدري على هذا الطرح، وهنا وضّحت أن تدريس الثقافة الجنسية ليس هو تدريس الجماع ولا هو عرض أفلام البورنو وإنما هو التعرف على الجسد بصورة علمية صحيحة ومسئول عنها الجميع بما فيها الأسرة وكل المدرسين، وقلت أنه لا يعقل أن يعرف الطالب خريطة العالم العربي ولايعرف خريطة جسده ويحفظ تاريخ وكيف دخل الإنجليز إلى مصر ولا يعرف كيف يدخل هو إلى مرحلة المراهقة ؟

وتحدث المفكر الكبير حسين أحمد أمين عن الرؤية الإجتماعية لهذه الإضطرابات وكان يتحدث بكل هدوء وببلاغة وبإقتباسات من الأدب العالمي وليس من قلة الأدب كما ذكر البعض !! ونأتي إلى الكاتبة القصصية عفاف السيد التي نصب لها الجميع المشانق والتي نصحت الشباب بألا يخجلوا من أجسادهم فالجسد مُلك صاحبه، وهذه المسألة التي تناولتها كتب الفلسفة من الممكن أن تكون خلافية بدليل رد الضيف الطبيب ورفضه لهذا لأن الإنتحار بذلك يكون مبرراً، وهي وجهة نظر عليك أن تقبلها أو ترفضها، فأنت قد إستمعت لوجهتي النظر وليس معنى تقديم واحدة أن الجميع لابد أن يتبناها .

[ وتذكرنى مسألة عدم تحمل وجهة النظر بموقف حضرته في نقابة الأطباء حين كنت طالباً في كلية الطب فقد عقدت هناك مناظرة بين د.فؤاد زكريا والشيخ الغزالي وكان معظم الحضور من الجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين الذين كانوا يسيطرون على الجامعة والنقابة وللأسف مازالوا، وفي ظل إحتدام النقاش وقفت المرحومة سناء المصري وعقبت على وضع المرأة في الفقه وذكرت عدد زوجات وجواري الحسن بن علي وقد كان عدداً كبيراً جداً ومذكوراً ومثبتاً فى كتب التاريخ، المهم والمثير أننا فوجئنا بصوت إرتطام شديد وكانت المفاجأة أن واحداً من الحضور قام وتشنج ووقع في الأرض مغشياً عليه عندما سمع الرقم !! أذكر لكم هذه الحكاية لدلالتها الخطيرة وهي أننا قد إنتقلنا من مرحلة عدم تحمل الحوار إلى مرحلة أخطر وهي عدم تحمل السماع وهي كارثة ومأساة، وهذه "الفوبيا" من مجرد سماع الحقائق لا الحوار معها حدثت أيضاً في رد فعل الحلقة عندما قلت في الحلقة أن كتب التراث العربي بل وكتب الفقه الإسلامي وشروح الأحاديث النبوية لم تخجل من الخوض في الموضوعات الجنسية بكل صراحة ودون خجل، لدرجة أن كتاب "فتح الباري" ذكر في شرح الحديث الذي يسأل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله عمن تزوّج ؟ فيردّ جابر أنه تزوج ثيباً، فقال :ما لكَ وللعذارى ولعابها؟ فيقول فتح الباري في الشرح "المراد به الريق وفيه إشارة إلى مص اللسان ورشف الشفتين وذلك يقع عند الملاطفة والتقبيل !!" المدهش أنهم كذبوني بدون أن يتجشموا عناء البحث في رفوف مكتبتهم عن الكتاب وقراءة الفقرة التي أوردتها، إنهم رافضون لأن يفهموا فضلاً عن أن يصدقوا، فكيف تجدي معهم المناقشة؟ وقد كنت أفهم أن الجديد يصدم أما أن يصدمنا القديم فهذا مرض يحتاج إلى تشخيص من كافة علماء النفس والإجتماع .

[ إنني لا أدّعي أن تلك الحلقة تمّ تسجيلها في معمل لا في أستوديو، ولا أدّعي أيضاً أن المتحدثين كانوا روبوتات مضبوطة على مواصفات قياسية وإنما كانوا ضيوفاً بشر لهم أفكارهم ولهم أيضاً أخطاؤهم، ولا أدعي أيضاً أن المذيعة "سوبروومان" لاتخطيء، ولكني أستطيع أن أؤكد أن الغرض كان نبيلاً، وحتى لو حدث شطط من أحد الضيوف فهذا وارد وطبيعي لأننا نتعامل مع بشر كما ذكرنا، فلماذا هذا العصاب الجماعي الذي أصبح يحكم ردود أفعالنا تجاه أي إختلاف وخاصة لو كان حول الجنس !؟

[ الإجابة عن هذه النقطة في غاية الأهمية بل أعتبرها أهم من الدفاع عن هذه الحلقة، إنه الدفاع عن الجنس نفسه والذي لا يعني الدفاع عن الإباحية، فالفرق بينهما شاسع بل أستطيع أن أقول وبكل راحة ضمير أنه لا علاقة بينهما أصلاً، فالذي لمسته في معظم ماكتبته الأقلام المهاجمة هو تحقير الجنس، وتأكيد مفهوم أنه "أحقر الغرائز" و"الشهوة البهيمية الحيوانية" ...الخ، وهو كلام مرسَل يحتوي على مغالطات كثيرة، فلو صحّ تقسيم الغرائز إلى غرائز راقية وأخرى حقيرة فأنا أعتبر وبلا تردد أو تحفظ أن الجنس هو أرقى الغرائز البشرية على الإطلاق، لأنه ببساطة أعقدها من الناحية البيولوجية والنفسية، والعلماء يعتبرون أن أهم عضو جنسي في الإنسان هو المخّ أعقد أعضاء الإنسان وأرقاها، والدوافع الجنسية نواة تجمع داخلها كل عناصر الحياة وألوان طيفها المتعددة وحتى المتناقضات، ففيها حبّ التملك والمشاركة، فيها الأخذ والعطاء، وفيها الرغبة في السعادة والقدرة على الإسعاد، وفيها البحث عن الحنان والتواصل والخلود والقدرة على زرع بذور الحياة، والجنس ليس شهوة بهيمية حيوانية بل إنه سلوك إنساني إجتماعي شديد التعقيد، فالحيوانات لا تشتهي بل هى تستجيب أوتوماتيكياً لدوافع بيولوجية في مواسم تزاوج محددة، أما الإنسان فهو الذي يشتهي ويضع لإختيارته مقاييس وقواعد جمالية ونفسية، وعلماء النفس يؤكدون على أنه لا يكاد يخلو سلوك إنساني من دوافع جنسية بالمعنى الواسع والراقي لكلمة جنس .

لذلك فنحن لو حقّرنا الجنس فنحن بالتالي نحقّر الحياة ونحقر معها أنفسنا قبل الجميع، إن موقف مجتمعنا من الجنس موقف مرَضي فضحته مثل تلك المناقشات عن الحلقة وغيرها، مرض يمكن أن نطلق عليه الـ***OPHOBIA ، ومن الممكن أن نلخص أعراضه وأسبابه كالتالي :

*الجهل الكامل بالجنس ومعناه كوظيفة عضوية وكدوافع نفسية، هذا الجهل يجعلنا غير مؤهلين للتعامل معه كما يجب مما يؤدي إلى العرض الثاني .

*العجز عن مواجهة الجنس بكل صوره سواء العلمي أو الفني أو الإجتماعي النفسي، وكردّ فعل طبيعي لهذا العجز فنحن نحقّر الجنس في محاولةٍ منا لإثبات أن موقفنا الهروبي منه هو تسامي وتعالي عليه وليس عجزاً سببه الجهل والعجز السابقين، وهذا العجز والتحقير يخلق العرض الثالث .

*الكبت والحرمان الجنسي، إذ أن إيماننا الدفين بحقارة الجنس وتدنيه يجعلنا عاجزين عن دمجه في مشاعر الحب والحنان والتواصل لدينا أثناء نمونا النفسي، وهذا الإنفصال يفقد الممارسات الجنسية فيما بعد مضمونها العاطفي ويفرغها من محتواها النفسي فيخلق عندنا حالة من الحرمان الجنسي (الكيفي وليس الكمّي) فنمارس كثيراً ولكننا للأسف لا نحس إلا نادراً !! هذا الحرمان يجعل الجنس هو الوسواس القهري، هو شغلنا الشاغل وهو البداية والنهاية في سلوكنا اليومي مما يخلق العرض الرابع .

*التجسد بمعنى أن يتجسد لنا الجنس في كل شيء نراه، فنتربص لكل عمل فني ولكل صداقة بريئة، ويتجسّد لنا وراء كل ضحكة وإيماءة أو بهجة، وبه يمكن تفسير الفشل في الإمتحان والهزيمة في الحرب أو حتى في كرة القدم !! وبالطبع في برنامج كالذي نتحدث عنه، وهنا يكفى الكاتب المهاجم المتربص أن يوحي ويوميء تحت شعار "إنت فاهم وأنا فاهم" ليكمل القارئ المريض بالوسواس الجنسي باقي الصورة ويمدّ خط "القباحة" على إستقامته، وبعدها يصرخ الجميع الشباب الشباب .. الفضيلة الفضيلة !


د. خالد منتصر

 

 

 توقيع ترانيم :
كلام كبير
ترانيم غير متصل   رد مع اقتباس