نقلاً عن كتاب : الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، الجزء الثاني، ص 207 - 213
هل تزوجت خديجة بأحد قبل النبي ’؟!
ثم إنه قد قيل: أنه >صلى الله عليه وآله< لم يتزوج بكراً غير عائشة، وأما خديجة، فيقولون: إنها قد تزوجت قبله >صلى الله عليه وآله< برجلين، ولها منهما بعض الأولاد، وهما: عتيق بن عائذ بن عبد الله المخزومي، وأبو هالة التميمي.
أما نحن فنقول: إننا نشك في دعواهم تلك، ونحتمل جداً أن يكون كثير مما يقال في هذا الموضوع قد صنعته يد السياسة، ولا نريد أن نسهب في الكلام عن اختلافهم في اسم أبي هالة، هل هو النباش بن زرارة أو عكسه، أو هند، أو مالك، وهل هو صحابي أو لا، وهل تزوجته قبل عتيق، أو تزوجت عتيقاً قبله([378])؟
ولا في كون هند الذي ولدته خديجة هو ابن هذا الزوج أو ذاك، فإن كان ابن عتيق، فهو أنثى([379]) وإلا فهو ذكر، وأنه هل قتل مع علي في حرب الجمل، أو مات بالطاعون بالبصرة([380]).
لا، لا نريد أن نطيل بذلك، وإنما نكتفي بتسجيل الملاحظات التالية:
أولاً: قال ابن شهر آشوب: >وروى أحمد البلاذري، وأبو القاسم الكوفي في كتابيهما، والمرتضى في الشافي، وأبو جعفر في التلخيص: أن النبي >صلى الله عليه وآله< تزوج بها، وكانت عذراء.
يؤكد ذلك ما ذكر في كتابي الأنوار والبدع: >أن رقية وزينب كانتا ابنتي هالة أخت خديجة<([381]).
ثانياً: قال أبو القاسم الكوفي: >إن الإجماع من الخاص والعام، من أهل الأنال [الآثار ظ] ونقلة الأخبار، على أنه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم وذوي النجدة منهم، إلا من خطب خديجة، ورام تزويجها، فامتنعت على جميعهم من ذلك؛ فلما تزوجها رسول الله >صلى الله عليه وآله< غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها:
خطبك أشراف قريش وأمراؤهم فلم تتزوجي أحداً منهم، وتزوجت محمداً يتيم أبي طالب، فقيراً، لا مال له؟!
فكيف يجوز في نظر أهل الفهم: أن تكون خديجة، يتزوجها أعرابي من تميم، وتمتنع من سادات قريش، وأشرافها على ما وصفناه؟!
ألا يعلم ذوو التمييز والنظر: أنه من أبين المحال، وأفظع المقال<؟! ([382]).
وأما الرد على ذلك بأنه لا يمكن أن تبقى امرأة شريفة وجميلة هذه المدة الطويلة بلا زواج.
فليس على ما يرام: لأن ذلـك لا يبرر رفضهـا لعظماء قريش وقبولهـا بأعرابي من بني تميم.
وأما كيف يتركها أبوها أو وليها بلا تزويج؟!
فقد قلنا: إن أباها قد قتل في حرب الفجار، وأما وليها، فلم يكن له سلطة الأب ليجبرها على الزواج ممن أراد.
وبقاء المرأة الشريفة والجميلة مدة بلا زواج ليس بعزيز، إذا كانت تصبر إلى أن تجد الرجل الفاضل الكامل، الذي كان يعز وجوده في تلك الفترة.
نعم، قد يكون من المستغرب أن لا يتقدم لخطبتها أحد، خصوصاً من هي مثل خديجة، في موقعها، وفي ميزاتها.. ولكن الأمر بالنسبة لخديجة ليس كذلك، فقد خطبها عظماء قريش كما هو معلوم.
ثالثاً: كيف لم يعيِّرها زعماء قريش الذين خطبوها فردتهم، بزواجها من أعرابي بوّال على عقبيه كعتيق أو غيره؟!
رابعاً: قد ذكروا: أن أول شهيد في الإسلام ابن لخديجة >رحمها الله<، اسمه الحارث بن أبي هالة، استشهد حينما جهر رسول الله >صلى الله عليه وآله< بالدعوة([383]).
ونقول:
إن ذلك لا يمكن قبوله، حيث قد روي بسند صحيح عندهم، عن قتادة: أن أول شهيد في الإسلام هو سمية والدة عمار([384])، وكذا روي عن مجاهد([385]).
وعن ابن عباس: >قتل أبو عمار وأم عمار، وهما أول قتيلين قتلا من المسلمين<([386]).
إلا أن يدَّعى: أن سمية كانت أول من استشهد من النساء، والحارث كان أول من استشهد من الرجال.
ولكنه احتمال بعيد، ومخالف لظاهر كلماتهم، لا سيما وأن كلمة شهيد تطلق على الذكر والأنثى بلفظ واحد، مثل قتيل وجريح.
فإن معنى كلمة >شهيد<: شخص، أو ذات ثبتت لها صفة الشهادة، لأن المشتقات تدل على ذات ثبت لها وصف ما؛ فكلمة تقي معناها: شخص له التقوى، وقائم أيضاً كذلك.
وكلمة شخص أو ذات أو نحوها تصدق على الرجل على حدة، وعلى المرأة كذلك، وعلى كليهما معاً.
وعلى هذا الأساس نفسر كلمة: >طلب العلم فريضة على كل مسلم<، بحيث يشمل الرجل والمرأة معاً.
أما إذا كان المشتق فيه >أل< الموصولية، مثل القائم والمتقي، فإن الأمر يصبح أوضح وأجلى، وذلك لأن >أل< بمنزلة >الذي< فالقائم معناه الشخص الذي له القيام، فيصح أن يراد بها الرجل، والمرأة، وهما معاً أيضاً.
وعلى هذا الأساس جرت التعابير القرآنية، مثل: المتقين، المؤمنين الشاكرين إلخ.. فإنها تشمل الرجل والمرأة على حد سواء.
ولكن قد يحتاج إلى التنصيص على كلا الجنسين، فيصرح بما يدل على مراده، فيقول:
{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}([387]) و{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ}([388]) ونحو ذلك، وذلك واضح لا يخفى.
فتلخص مما تقدم: أن هذا النص لا يدل على وجود ابن لخديجة، ما دام أنه قد ثبت حصول الكذب في جزء منه.
ولعل هذا الكذب قد جاء لأجل الإيحاء بطريق غير مباشر بأن لخديجة ولداً من النبي >صلى الله عليه وآله<، وأن ذلك غير قابل للنقاش، ولكن قد قيل: لا حافظة لكذوب.
خامساً: لقد روي أنه كانت لخديجة أخت اسمها هالة([389])، تزوجها رجل مخزومي، فولدت لـه بنتاً اسمها هـالـة، ثم خلف عليها ـ أي على هالة الأولى ـ رجل تميمي يقال له: أبو هند؛ فأولدها ولداً اسمه هند.
وكان لهذا التميمي امرأة أخرى قد ولدت له زينب ورقية، فماتت، ومات التميمي، فلحق ولده هند بقومه، وبقيت هالة أخت خديجة والطفلتان اللتان من التميمي وزوجته الأخرى؛ فضمتهم خديجة إليها، وبعد أن تزوجت بالرسول >صلى الله عليه وآله< ماتت هالة، فبقيت الطفلتان في حجر خديجة والرسول >صلى الله عليه وآله<.
وكان العرب يزعمون: أن الربيبة بنت، ولأجل ذلك نسبتا إليه >صلى الله عليه وآله<، مع أنهما ابنتا أبي هند زوج أختها وكذلك كان الحال بالنسبة لهند نفسه([390]).
ولربما يمكن تأييد هذه الروايات بما ورد من الاختلاف في اسم والد هند، فلتراجع المصادر التي ذكرناها ثمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــ
([378]) راجع الأوائل ج1 هامش ص159.
([379]) راجع: الأوائل ج1 ص159 وقال: إن هنداً هذه قد تزوجت من صيفي بن عائذ فولدت محمد بن صيفي.
([380]) للاطلاع على هذه الاختلافات وغيرها راجع المصادر التالية، وقارن بينها: الإصابة ج3 ص611 ـ 612، ونسب قريش لمصعب الزبيري ص22، والسيرة الحلبية ج1 ص140، وقاموس الرجال ج10 ص431، ونقل عن البلاذري وأسد الغابة ج5 ص12 ـ 13 و 71، وغير ذلك.
([381]) مناقب آل أبي طالب ج1 ص159، والبحار، ورجال المامقاني، وقاموس الرجال كلهم عن المناقب.
([382]) الإستغاثة ج1 ص70.
([383]) الأوائل لأبي هلال العسكري ج1 ص311 ـ 312 والإصابة ج1 ص293 عنه وعن ابن الكلبي وابن حزم ومحاضرة الأوائل ص46.
([384]) الإصابة ج4 ص335 وطبقات ابن سعد ج8 ص193 ط ليدن.
([385]) الاستيعاب هامش الإصابة ج4 ص331.
([386]) صفين للمنقري ص325.
([387]) الآية 30 من سورة النور.
([388]) الآية 31 من سورة النور.
([389]) لها ذكر في كتب الأنساب، فراجع على سبيل المثال: نسب قريش لمصعب الزبيري.
([390]) راجع: الاستغاثة ج1 ص68 ـ 69، ورسالة حول بنات النبي >صلى الله عليه وآله<، مطبوعة ط حجرية في آخر مكارم الأخلاق ص6.
طالب الغفران