عرض مشاركة واحدة
قديم 20-07-2009, 05:45 PM   رقم المشاركة : 34
سلمان الفارسي
شاعر وكاتب وباحث قرآني قدير






افتراضي رد: العصمة في سورة الفاتحة ( حلقات )

ثم إن قوله تعالى:{اهدِنَــــا}على لسان العبد معناه طلب الهداية من الله {عز شأنه} والله {عز شأنه}لا يهدي إلى الضلالة إلا من شاء الضلالة لنفسه ومعنى أن يهديه إلى الضلالة هو أن يحرمه من اللطف الإلهي الذي يوصله إلى الهدى ، وذلك كحال ثمود، قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }فصلت17،ومن أهم ما يحتاجه العبد من الهداية هو الهداية إلى الدين الصحيح الذي يدين به والذي سمته الآية: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }ولا يعرف الدين غير المعصوم ؛لأنه هو المرتبط بالسماء فإذا غاب عن الناس لم يدروا أين {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }فيُعمِلون عقولهم القاصرة فيَضلون ويُضلون ، قال تعالى : {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ }طه85 فعلى هذا فلا بد من حضور المعصوم، ألا ترى كيف أن رسول الله {صلى الله عليه وآله }قرن وجود المعصوم بوجود القرآن الكريم فقال:هذا علي مع القرآن ،والقرآن مع علي.انظر مسند الرضا {عليه السلام}لداود الغازي ص208،وقرن وجوده بوجود الحق فقال:اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار.انظر المسائل الصاغانية للشيخ المفيد {رحمه الله}ص109
ووجود المعصوم ليس مقتضاه أن لا يكون ثمة ضلال بل مقتضاه أن يبين الحق ويظهر فليختر من شاء الهدى الهدى وليختر من شاء الضلال الضلال،غير أننا نقول إن الهدى لايمكن معرفته والوصول إليه إلا بمعصوم والمعصوم إنما يعرف الهدى بالله {عزوجل}وليس من تلقاء نفسه فهدى الله هو الهدى الحق ،قال تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }البقرة120وقال تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }آل عمران73وقال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام71.ثم إننا نلاحظ أن سؤال الهداية ورد بلسان الجماعة وليس للجماعة أن تصل إلى الهداية فتكون مجتمعة عليها ما لم تكن الهداية من الله {عز وجل}والهداية من الله{عز وجل}لاتكون إلا بطريق الأنبياء والمعصومين {عليهم السلام}ومالم يكونوا معصومين فإن الضلالة ستكون أمرا حتميا ولو في بعض أحوالهم .وقد قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }آل عمران103.وهاهنا ملاحظة وهي أن سؤال الهداية يقتضي إمكانها مطلقا ،فإذا صح هذا المعنى ،صح لنا أن نقول :إن إمكان الهداية على كل حال يقتضي إمكان العصمة المكتسبة فعلى هذا فإن الآية تثبت نحوين من العصمة وهما:عصمة الخاصة وهي عصمة الأنبياء والأوصياء{عليهم السلام}،وعصمة العامة والتي هي مقام يمكن لغير الأنبياء والأوصياء{عليهم السلام}الوصول إليه،على أن ثمة فرقا كبيرا بين العصمتين وهو ليس محل بحثنا.ثم إن قوله تعالى: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6يدل على العصمة ،فقد ورد قوله تعالى: {الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ }الفاتحة6معلقا بطلب الهداية ،وهو طلب من عباد لله وعباد الله لن يبلغوا الهداية الحقة مالم يكن ماهدوه صراطا مستقيما،قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ }آل عمران51لأن خلاف الصراط المستقيم –وهوالحق- هو الضلال،قال تعالى: {فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }يونس32،والصراط المستقيم هو الدين القيم ،قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }الأنعام161فانظر كيف ربط الصراط المستقيم بملة إبراهيم {عليه السلام}وهو نبي ،وقد ثبتت عصمة الأنبياء ،وإلا كيف يكون الدين قيما والحامل له مظنة المعصية والذنب؟أترى يكون الصراط حينها مستقيما؟قال تعالى: {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }الأنعام153.
لقد صرح القرآن الكريم بأن الاعتصام بالله يؤدي إلى الهداية إلى الصراط المستقيم ،والاعتصام بالله لازمه الاعتصام برسوله{صلى الله عليه وآله وسلم}، وأوصيائه{عليهم السلام}ومالم يكونوا معصومين فإن الاعتصام بهم لا يهدي إلى الصراط المستقيم لاقتضاء عدم عصمتهم الذنوب والمعاصي والخطأ وهذا نقيض الصراط المستقيم ،قال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }آل عمران101،وأضاف القرآن الكريم في مواضع أخرى صفة الإيمان ،قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً }النساء175،وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الحج54والإيمان معنى لا يمكن معرفته إلا بطريق الوحي ،والوحي إنما يكون نزوله على الأنبياء{عليهم السلام} فتثبت عصمتهم لأن خلاف ذلك يقتضي الشك في مفهوم الإيمان ويترتب عليه الشك في مفهوم الصراط المستقيم.وقد فسرت السورة المباركة الصراط المستقيم فقالت: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7وأقول:مادام المرء غير معصوم فالمعصية والذنب محتملان في حقه ،ويترتب على هذا أن يكون غضب الله والضلال محتملين في حقه أيضا ولو على نحو الإمكان المتعلق بالعادة لا العقل ،فلا يكون إذن غير المعصوم معنيا بقوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7،على أن القرآن الكريم فسر:{ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}في موضع آخر ،قال تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً }النساء69،وفي معاني الأخبار للشيخ الصدوق قال:حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي،قال حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي ،قال حدثني محمد بن الحسن بن إبراهيم،قال حدثنا ألوان بن محمد،قال حدثنا حنان بن سدير،عن جعفر بن محمد {عليهما السلام }قال:قول الله{عزوجل}في الحمد:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}يعني محمدا وذريته {صلوات الله عليهم}.ص36وفي رواية أخرى فسر رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} قوله تعالى: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}بقوله:شيعة علي {عليه السلام}الذين أنعمت عليهم بولاية علي بن أبي طالب {عليه السلام}لم يغضب عليهم ولم يضلوا.المصدر السابق.أقول :ولولا ارتباطهم بالمعصوم لما صح أن يكونوا مصداقا لقوله {تعالى}:{ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}وما كل من ادعى التشيع بشيعي فعلى هذا فأهل البيت أصل والشيعة فرعه.
إن مواطن غضب الله {عز وجل }لا تعرف على كل حال إلا بمن يعرف الله {عز وجل }وإن سبب غضب الله هو المعاصي والذنوب -نعوذ بالله منها-وكذلك الضلال فإنه لا تعرف مواطنه مطلقا وعلى كل حال إلابواسطة المتصل بالسماء وهو المعصوم كما قلنا فيما سلف من البحث ،وهو المطلوب .فقد يقدم الإنسان على مايسخط الله وليس يحسبه كذلك، وقد يضل وهو يحسب أنه على هدى ،قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً # الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }الكهف103-104وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ،وأستغفر الله من كل ذنب وأتوب إليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

سلمان الفارسي غير متصل   رد مع اقتباس