ومما يستدل به على العصمة في هذه الآية الشريفة قوله تعالى:{ نَعْبُدُ}وهاك تفصيل الكلام:إن مما تسالم عليه علماؤنا أن العبادة أمر توقيفي لا توفيقي ،أي أن البشر ليس لهم من الأمر شيء في التشريع الإلهي وإنما حق التشريع لله {عزوجل}قال تعالى : {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ # وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ#وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}59-61يونس .قال الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل :إن الآيات أعلاه قد أثبتت ضمن عبارات قصيرة هذه الحقيقة وهي أن حق التشريع مختص بالله ،وكل من يقدم على مثل هذا العمل بدون إذنه وأمره ،فإنه يكون قد افترى على الله ...انظر تفسيره لهذه الآيات .وقال الشيخ جعفر السبحاني :..إن حق التشريع على العباد من شؤون الربوبية...انظر :الإلهيات ص427الدار الإسلامية.وقد ورد في بعض أقوال العلماء أن للرسول {صلى الله عليه وآله وسلم }ولأهل البيت{عليهم السلام} حقا في التشريع وهذا إنما صح لأنه وقع بإذن الله {عز وجل}ومن أذن الله له فإنما يكون مشرعا على نحو التفويض لا على نحو الأصالة ،قال السيد جعفر مرتضى العاملي:ليس لأحد حق التشريع ،ولا يؤخذ من أحد سوى الله ورسوله ثم من أمر رسول الله{ص}بأخذ الشريعة منهم وهم أهل البيت الأطهار {عليهم السلام}...انظر :الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج1 ص257دار السيرة.وهذا بحث ليس هذا محله.
أقول :وإنما جعلت العبادة أمرا توقيفيا لأن الله عزوجل هو خالق الإنسان وخالقه هو أعرف به ،قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14فإذا كان كذلك كان أعرف بكيفية عبادته ،وإنك لترى الإنسان الذي يعطي نفسه حق تشريع العبادات كيف يخبط خبط عشواء،ويأتي بها شوهاء خرقاء وهذا باب لانريد تفصيله ،غير أنني أبني عليه لأنه مقدمة .حسنا، فإذا علمت أن العبادة أمر توقيفي فاعلم أن التوقيفي لابد فيه من اتصال بالسماء وإلا كان توفيقيا وذلك عن طريق الأنبياء وأوصياء الأنبياء {عليهم السلام}وهؤلاء لا بد أن يكونوا أمنا ء على ما يحملون ولا يؤتمن من تجوز عليه المعصية لأنه قد يخون –عياذا بالله-فإذن لابد من معصوم وهو المطلوب .
ثم إن هاهنا كلاما آخر وهو :إن قولك:{ نَعْبُدُ}تنسب فيه العبودية منك لله فتصبح أنت على هذا عبدا لله ومن شرط العبودية أن تكون مطيعا لمعبودك والمعبود هنا وهو الله قد أمرك بطاعته مطلقا وعطف طاعة رسوله {صلى الله عليه وآله وسلم }على طاعته بلا قيد وعطف طاعة أولي الأمر {عليهم السلام}على طاعة رسوله بلا قيد أيضا ،قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59،والطاعة المطلقة بلا قيد دليل على عصمة المطاع.ولذلك من أخذ بطريق هو غير طريق المعصوم فإنه لم يعبد الله حق عبادته لأنه أطاع من لم يؤمر بطاعته مطلقا ،قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ }يونس35والله العالم.