أما لفظ {العَالمِينَ}فقد اختلف المفسرون في معناه وقد لخص الشيخ الطوسي (رحمه الله) في التبيان آراءهم ،قال : والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك
والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من
الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات
وقيل إنه أيضا اسم لكل صنف من الأصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى
عالما ولذلك جمع وقيل عالمون لعالم كل زمان قال العجاج :
فخندف هامة هذا العالم
وهذا قول أكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم
واشتقاقه من العلامة لأنه علامة ودلالة على الصانع تعالى وقيل إنه من العلم - على
ما روى ابن عباس - قال هم صنف من الملائكة والإنس والجن لأنه يصح أن يكون
كل صنف منهم عالما.انظر تفسير سورة الفاتحة من التبيان.
وقد ذكر الله في هذه الآية التي نحن في الحديث عنها أنه {عز شأنه}{رب العالمين}والعالمون -على أي وجه فسرتها-مربوبون لله {عز شأنه}والمربوب لله لا يكون مرتبطا بالله ارتباطا ماديا لأن الله {عز شأنه}لايجوز عليه ذلك- كما ثبت في محله من أبحاث علم الكلام والفلسفة عند علمائنا-أي أنه سبحانه وتعالى ليس بمادة فيصح عليه الالتباس بالمادة ولما كان الله {عز شأنه}كذلك ،كان لابد من واسطة بينه وبين خلقه وذلك ليس قصورا في قدرته على أن يتصل بهم مباشرة ولكنه قصور في المخلوق .
والمخلوق على نحوين هما:مخلوق وهب مناط التكليف وهو العقل ،ومخلوق جرد منه فلا يكلف وهو ليس محل حديثنا،والمخلوق الذي وهب مناط التكليف له مصاديق في الخارج وعلى رأس هذه المصاديق بل هو أفضلها الإنسان ،والتكليف أوامر ونواه والأوامر والنواهي يتلقاها المكلَف من المكلِف،والتلقي لابد له من قابلية يستطيع بها المتلقي حمل الرسالة قال تعالى: {وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ }الأنعام124وقال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }الحج75
ولما كان الأمر كذلك كان الظالم ممن لايصح تلقيه للرسالة ،قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124فمن هاهنا وجب أن يكون المتلقي معصوما لأن الذنب حجاب والاتصال بالسماء يحتاج إلى طهارة وصفاء ونزاهة وليس يخلومنها الظالم ولما كان أهل البيت{ عليهم السلام} حملة لهذه الرسالة كان لابد أن يكونوا مؤهلين لذلك قال تعالى:{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً }الأحزاب33والله العالم.