مواجهة التطرف ثقافية ... لا سياسية ولا أمنية
محمد الرميحي - الكويت
اعتداء بالسلاح على جنود اميركيين في جزيرة فيلكا اثناء قيامهم بواجباتهم التدريبية وقتل احدهم، ثم احتجاز مجموعة مشكوك في انتمائها للفاعلين قيد التحقيق، وبعدها احتجاز شاب صغير كان ينوي تفجير مبنى سكني كبير يقطن فيه اجانب من بينهم عسكريون اميركيون، وتنقل وكالات الانباء ان وراء اعتداء جزيرة بالي المروع في اندونيسيا والذي راح ضحيته المئات من الابرياء كويتي ايضا، وقبل ذلك كان الناطق الرسمي باسم تنظيم "القاعدة" الذي روع العالم حتى الان هو كويتي، ثم يظهر التحريض العلني على مهاجمة الاميركيين على موقع رسمي للانترنت؟ السؤال الآن هل كل هذا يحدث في جزر معزولة بعيدة عن الترابط بالاحداث التي ليس لها علاقة ببعضها، ام انها تشكل ظاهرة سياسية، علينا ان نسبر غورها ونعرف اسبابها؟ هي في يقيني على علاقة بتثقيف طويل المدى اخذ من الوقت حقه ومن الموارد ما يحتاجه، ويتوجب تاليا ان يواجهه تثقيف مخالف، قبل ان يحتاج الى لجان تحقيق او سجون او معتقلات.
من الثابت ان هذه الاعمال الارهابية ضد رغبة الغالبية في الكويت، فان كان الموضوع موضوع ديموقراطية فان الغالبية في المجتمع الديموقراطي هي التي تقرر ما يصلح او يرغب فيه المجتمع، وقد قررت من خلال مؤسساتها ان الجنود الاميركيين موجودون برغبتها وموافقتها لتحقيق مصلحة عامة. وان كانت المصالح العليا هي المرجعية فان المصالح العليا للكويت، التي خرجت من براثن غزو كامل وكاسح لأول مرة في تاريخها، لو استمر لأصبح الجميع بلا وطن، وكان السبب في التحرير والوسيلة اليه القدرة العالمية ممثلة في الولايات المتحدة، مع اصدقاء عرب انتبهوا في الوقت المناسب ان الطوفان يمكن ان يصيبهم. هذه المصالح حتمت وجود قوات اميركية تساعد في حماية الكويت من اي محاولة غدر جديدة. فأي المرجعيات يريد لنا هؤلاء ان نتبنى؟ استطيع ان افهم ان يكون للبعض اعتراضات سياسية، وان يكون لديهم منغّصات ادارية ومعيشية، او ان يكون لديهم اعتراضات ثقافية، ولكن الشرط المسبق لطرحها للنقاش ان يتحدثوا عنها من خلال اجندة سياسية، واضحة ومفهومة، اما هذه الجندة التي يعملون من خلالها فأقل ما يقال عنها انها اجندة مرتبطة بحبل سري مع القرون الوسطى، ضبابية في طرحها وعمومية في تناولها لمصالح الناس.
ان كان الامر هو اعتراض سياسي فعلى الاطراف ان تقدم برنامجها السياسي، وان تحتكم للجمهور العام، اما ما اعترض عليه بشدة فهو ان تختطف العقيدة الاسلامية وتحتكر لتنصب هذه الفئة القليلة من الناس نفسها مفسرة وحيدة لها، وهو ما يعترض عليه كل عاقل. فالاسلام ليس لفئة مسلمة دون اخرى، كما انه لا يدعو الى الترويع والقتل العشوائي، كما لا يدعو لتعريض الاوطان بمجمل قاطنيها للتهلكة.
المسكوت عنه في الجدل الدائر الآن هو عدم التصدي لمثل هذه الاعمال بقطع صلاتها نهائياً بالعقيدة السمحة، وبرفض مطلق ان يحتكر البعض تمثيل الاسلام. ونتيجة لتثقيف سلبي مضطرب بدأت، ويا للاسف، بعض الاصوات في الصحافة وفي التلفزيون على امتداد الساحة العربية تنتقي بعض التصريحات الصادرة من موتورين او من جماعات مقاطعة للعلم الحديث في تطور المجتمعات، والسياق العالمي في التطور العلمي والتقني، لتقول للعلامة إن هناك "حرباً ضد الاسلام". وهذا قول يريد به هؤلاء حشد العامة خلف طروحات المتطرفين، فما نشاهده هو في حقيقته حرب مصالح، لا حرب أديان، فمن مصلحة الشعب العراقي مثلاً ان يتحرر من جلاديه، ويشارك في هذه الرغبة مسلمون عراقيون من كل الطوائف، فالحرب على العراق مثلاً ليست حرباً ضد "المسلمين" ولا "الاسلام" بقدر ما هي حرب ضد التسلط والديكتاتورية والاحتكار السياسي الظلامي، ويباركها كل ذي بصيرة من اجل الانعتاق من الظلامية، وسيطرة فئة صغيرة على السلطة والثروة ومصير الشعوب في زمن يلفظ هذا النوع من الاحتكار الذي تتحكم فيه فئة تفتقد الرؤية والحكمة.
لقد تُرك حيز ضيق للمهمات الثقافية التي يتوجب ان تتصدى لهذا الفكر الذي يضيق على الناس، وسقط من الحساب ان تعديل التوازن بين الفكر الشمولي والانفتاح والتسامح وفهم الآخر، هو مدخل ثقافي، وخلت الساحة ممن يدعو الى استنباط اشكال جديدة من النضال السياسي للخروج من المأزق الذي نواجهه في الكويت، كما تواجهه مجتمعات عربية كثيرة لان لجوء البعض للعنف العشوائي، هو ظاهرة يجب أن تدرس من مدخلها الثقافي اولاً، ثم السياسي، وآخر مداخلها هو الأمني.
أحد اسباب هذه الحيرة حيال العنف المنظم هو ان القادة السياسيين تحدثوا بلغتين وبخطابين متناقضين فحولوا الحيرة الى ارتباك، وامتنعت مؤسسات التعليم لدينا عن القيام بمهماتها، فقد فُرّغ التعليم من محتواه تفريغاً كاملاً، واصبح الايمان بالخرافة واعادة انتاج العلاقات الاجتماعية المتخلفة اساس التعليم، وسُكت عن تنمية التفكير العقلاني، وساهم الاعلام ووسائله المختلفة بإطعام العامة الكثير من الآمال، ممزوجة بالكثير من المسلمات حتى اصبح ابناؤنا ضحية لمن يخطف عقولهم اولاً.
فما نحن بصدده الآن هو ظاهرة، وليس افعالاً معزولة، ونحتاج للتصدي اليها الى مجهود ثقافي في الدرجة الاولى، يبدأ بتحرير الشرائح الاجتماعية الكبيرة من قيم العصور الوسطى التي ما زال بعضنا يجترها في عالم يتغير بسرعة، ومجتمعات تضربها رياح التغيير بقسوة.
ان إغفال الجدلية بين الديموقراطية المبتغاة في مجتمعاتنا والثقافة يعوّق اقامة التوازن المنشود بين القوى المختلفة داخل المجتمع، ويتيح لسيطرة فكر قروسطي ضبابي الرؤية ليس له علاقة بما يدور في العالم. ويوسع هذا الفكر الذي ينصب علينا من كل جانب، شقة الخلاف والاختلاف في المجتمع، ويحقق بيئة صالحة تنمو فيها الافكار المتطرفة، التي تقود بالضرورة الى العنف.
استنهاض الهمم للتحرك السياسي هي المهمة الاولى للتجمعات السياسية العصرية في الكويت، والقوى الديموقراطية مدعوة للتوجه للجمهور ومخاطبته بوضوح لا يحتمل التزلف والمحاباة، مفاده ان التخلص من القهر والاستلاب لا يعني الوقوع في الخرافة والتجهيل. إن الاحتضان الذي يظهره الجمهور العربي العام للتطرف هو احتضان للتنفيس عن القهر والاستلاب والمصادرة التي يواجهها، وهو في صلبه سياسي واقتصادي وتنظيمي، يستغله الآخرون أبشع استغلال، فيضفون عليه، نتيجة التجهيل، صبغة عقيدية ويطلقون خلاياه للعبث بأمن المجتمعات من اجل تهميش المطالب الديموقراطية التي تنادي بها قطاعات واسعة من العرب تطالب ايضاً بالشفافية والمساواة. اما في حالة الكويت، فالإخلال بالمسلمات الدستورية وهو امر ان استمر دون ان تطلق اجراس الانذار سيعود بالفوضى والخراب.
كاتب كويتي