قال أبو مخنف عن رجاله: ثمّ قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس الى بيعته فاستجابوا له وقالوا: ما أحبّه إلينا وحقّه بالخلافة، فبايعوه( مقاتل الطالبيين 52 ).
وقال المفيد: كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، فرتب العمال وأمر الامراء، وأنفذ عبد الله بن العباس الى البصرة، ونظر في الأُمور( المفيد: الارشاد ).
وقال أبو الفرج الاصفهاني: وكان أوّل شيء أحدثه الحسن أنّه زاد في المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، وهو فعله يوم الاستخلاف، فتبعه الخلفاء بعد ذلك( مقاتل الطالبيين 55).
قال المفيد: فلمّا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن، دسّ رجلاً من حمير الى الكوفة، ورجلاً من بني القين الى البصرة ليكتبا اليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأمور، فعرف ذلك الحسن فأمر باستخراج الحميري من عند لحام في الكوفة فأخرج وأمر بضرب عنقه. وكتب الى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأخرج وضربت عنقه( المفيد: الارشاد 188، مقاتل الطالبيين 52.
).
ثمّ إنّه استمرت المراسلات( ومن أراد الوقوف عليها فليرجع الى مقاتل الطالبيين 53 الى 72 وبالامعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل، يتضح سرّ صلح الإمام وتنازله عن الخلافة فلم يصالح إلاّ أنّه أتم الحجّة عليهم، ومن اراد التفصيل فليرجع الى صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين.) بين الحسن معاوية وانجرّت الى حوادث مريرة الى أن أدّت الى الصلح واضطرّ الى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية، فعقدا صلحاً واليك صورته.
صلح الحسن عليه السلام مع معاوية
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم اليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله، وليس لمعاوية أن يعهد الى احد من بعده عهداً، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من ارض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم.
وعلى أنّ أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه.
وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من اهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غائلة سوء سرّاً وجهراً، ولا يخيف أحداً في أفق من الآفاق. شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيداً( ابن صباغ المالكي: الفصول المهمة 163).
ولما تمّ الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته: إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ هاتين لا أفي بشيء منها له( المفيد: الارشاد 191 طبعة النجف). شهادته:
لما نقض معاوية عهده مع الإمام الحسن <img src='style_images/1/p2.gif'> وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبو سفيان وأمّه هند، وهو طليق ابن طلقاء _ عمد الى اخذ البيعة ليزيد ولده -المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته -وما كان شيء أثقل عليه من امر الحسن بن علي <img src='style_images/1/p2.gif'> فدس إليه السم، فمات بسببه.
فقد روي: أنّ معاوية أرسل الى ابنة الأشعث - وكانت تحت الحسن <img src='style_images/1/p2.gif'> - إنّي مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن علي. وبعث إليها بمائة ألف درهم، فقبلت وسمّت الحسن، فسوّغها المال ولم يزوّجها منه( مقاتل الطالبيين 73).
فلمّا دنا موته أوصى لاخيه الحسين <img src='style_images/1/p2.gif'> وقال:
«اذا قضيت نحبي غسّلني وكفّني واحملني على سريري الى قبر جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ ردّني الى قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك، وبالله أقسم عليك أن تهريق في امري محجمة دم ».فلمّا حملوه الى روضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يشكّ مروان ومن معه من بني أميّة انّهم سيدفنونه عند جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتجمّعوا له ولبسوا السلاح، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: ما لي ولكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا احب!! وجعل مروان يقول: يا ربّ هيجاء هي خير من دعةٍ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ. وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أميّة. ولاجل وصيّة الحسن مضوا به الى البقيع ودفنوه عند جدته فاطمة بنت أسد( الارشاد 193، كشف الغمة 1 / 209، مقاتل الطالبيين 74 _ 75).
وتوفي الحسن وله من العمر 47 عاماً وكانت سنة وفاته سنة 50 من الهجرة النبويّة. والعجيب أنّ مروان بن الحكم حمل سريره الى البقيع فقال له الحسين: «أتحمل سريره!! أما والله لقد كنت تجرّعه الغيظ» فقال مروان: إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال( مقاتل الطالبيين 76).
ولما بلغ معاوية موت الحسن <img src='style_images/1/p2.gif'> سجد وسجد من حوله وكبّر وكبّروا معه، ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار وابن عبد البرّ في الاستيعاب وغيرهما. فقال بعض الشعراء:
أصبح اليوم ابن هند شامتا *** ظاهر النخوة إذ مات الحسن
يا ابن هند إن تذق كأس الردى *** تكُ في الدهر كشيء لم يكن
لست بالباقي فلا تشمت به *** كل حيّ للمنايا مرتهن( الأمين العاملي: في رحاب أئمّة أهل البيت 43)
هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة. وتركنا الكثير ممّا يرجع الى جوانب حياته، خصوصاً ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار، ومن أراد التفصيل فليرجع الى تحف العقول( الحرّاني، حسن بن شعبة، تحف العقول 225 _ 236) فقد ذكر قسماً كبيراً من كلماته.