بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى ( اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وأخرنا وآية منك
وارزقنا وأنت خير الرازقين ) .
صالح الرستم : يروي ايضا شئ مما عرفه
إن سماحة الشيخ حسن السعيد رحمه الله كان بمثابة المائدة التي أنزلها الله تبارك وتعالى لأبناء
الطرف وقد كانت عيدا لأولهم وعيدا لآخرهم ، وما زالت تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها . والبداية كانت قبل البداية ، عندما كنا صبية نلعب في بيت أختي بيت المرحوم إبراهيم الحمد الذي
تحول أخيرا إلى الحسينية الحيدرية ، فسبحان الله حتى المكان لحقته بركته فتحول إلى بيت للذكر .
هكذا النفوس النيرة عندما تتألق تكون كالشمس يسبقها الضياء قبل الشروق . حيث كنا نجلس
على الدرج وكأنها مقاعد للدارسة وكان الشيخ عليه الرحمة صغير السن لم يذهب بعد إلى النجف
الأشراف حيث كان يدرس في الابتدائية إلا أن نبوغ القيادة والتعليم قد هيمنت على شخصيته فصار
المعلم الذي وزع علينا أقلام الرصاص وأوراقا بيضاء ومساطر ليبدأ الدرس القاسي منتظرا أي خطأ
يصدر من أحدنا فيوجعه ضربا ليعمق في نفسه مكانة المعلم ويعمق في أنفسنا هيبته ، هكذا كان التعليم
قديما القائم على حكمة ( إن لم تظلمهم ظلموك ) . البداية:يام لتكون البداية بعد أحداث النجف الأشرف
التي استشهد فيها أعجوبة العصر وسلالة الطاهرين آية الله العظمى الشهيد الصدر قدس سره الشريف.
وكان الشيخ أحد المطلوبين لحزب البعث الهالك لأنه كان من المقربين منه ولكن الله سلم حتى استقر به
الحال في بلدته لتكون البداية .
البداية :
نعرج بكم أيها الأحبة إلى تاريخ البداية حيث تسعفني الذاكرة ما استطعت إلى ذلك سبيلا بحول منه وقوة :
ففي بداية سنة 1400هـ تقريباً كان يزورنا شخص عزيز علينا لا بُدّ من التنويه باسمه حيث كان له دوراً
كبيراً بعد مشايخنا الأفاضل أيدهم الله في أمرين مهمين ينعم ببركاتهما مجتمعنا إلى وقتنا الحاضر ألا وهما:
جلسة الجمعة المباركة وتخليص المجتمع من ضرب الدف في الأعراس (العرضة) . هذا الشيخ المبارك هو
سماحة الشيخ علي الجاسم عليه الرحمة من أهلنا بلدة الجفر ، كان حينها لم يلتحق بالحوزة العلمية بعد .
وكان كثيراً ما يجتمع مع أخي (أبوعبدالله) وكنت أحضر معهما وكان الحديث كثيراً ما يدور حول قصائد
الأعراس وتلحينها وأنه يجب أن تنتهي مسألة العرضة ، وتحل محلها قصائد المديح لأهل البيت عليهم السلام
أما بالنسبة لي فكان يحدثني عن الشيخ حسن وأنه يجب أن نستفيد من علمه وعطائه حيث كان على علاقة
كبيرة بالشيخ وقد رتّب أول جلسة وكانت يوم جمعة حيث كانت الانطلاقة الأولى للجلسة المباركة وكان يحضرها
ثلة من المؤمنين وعلى سبيل المثال لا الحصر أتذكر منهم الأستاذ الشيخ علي الحجي وأخيه القدير عيسى
والأستاذ سعيد الشملان والأخ القدير أحمد الفايز والأخ القدير أحمد الديواني والأخ القدير أبو ضيف والأخ القدير
محمد الشريد والأخ القدير محمد الغانم والأخ القدير محمد العلي وغيرهم من الصالحين ووددت أني حصرتهم لولا
خيانة الذاكرة وأتذكر في أحد الجلسات حضر كل من الدكتور سعد الناجم والأستاذ محمد الناجم.
كما كان يحضرها مجموعة من إخواننا المؤمنين من بلدة الفضول وعلى رأسهم فضيلة الشيخ جعفر المطر
حفظه الله . استمر هذا الحال إلى سنة 1407هـ على وجه التقريب ثم توقفت الجلسة حتى سنة 1410هـ
تقريبا كان ذلك يوم جمعة حين زرت الشيخ في بيته الحالي وطلبت منه استئناف الجلسة وقد رحّب بذلك على
أن تكون ابتداءً من الجمعة المقبلة ، أخبرت الشباب بذلك ، ولكن للأسف الشديد لم يحضر أحد أصبت بحرج شديد
وهو كذلك ، أوعدته على أن أشدد عليهم بالحضور في الجمعة التي تليها ، جاءت الجمعة ولم يحضر إلا شخصان
وأنا ثالثهما . ألتفت إليّ الشيخ قائلاً: أين يجتمعون الشباب عادةً ؟ فقلت : في بيت فلان أخذ الهاتف واتصل
بصاحب البيت وقال له : بيتنا لا يوجد فيه برتقال وإلاّ لحضرتم ، قال ذلك على وجه الملاطفة .
ولكنها أثرت تلك الكلمات مع الشعور الواعي و وعدوه بالحضور ، وهكذا أخذ الشباب يتفاعلون مع تلك الجلسة
حتى أصبح المجلس مزدحماً بالحضور ، استمرت هذه الجلسة إلى يوم رحيله من هذه الدنيا بعد أن زاحمته بهمِّها
وغمها وضنك عيشها ، كان خلال أيامها يتجرع مرارة الحق ويكابد بلاء الصبر عليه ولكن كل ذلك لم تثني ذلك
الجبل الأشم عزيمته بل على العكس من ذلك حين زادته عزيمةً وتصميماً لنشر علوم آل البيت عليهم السلام حتى
تمكن من تعميق جذوره في أرض قد أصلح الله تربتها ، فلما اشتد سوقها وأورقت فروعها وتهيأ عطاؤها ناداه
العزيز الجليل بعد أن عرفهم قدره وأعلمهم عظيم شأنه
فشيعته تلك الجموع التي لم يسبق للمنطقة مثيلا له ، ورحل الشيخ بعد أن خلف إرثاً حظي بحبوته تلميذه البار
الذي شمّر عن ساعد الجد وهزَّ بَيْرق الإقدام بكل عزيمة وشجاعة واستطاع بعطائه أن ينسي إخوانه ألم اليتم وحز
ونته ، إنه أستاذنا الفاضل الشيخ علي الحجي أيده الله وسدد خطاه مفخرة الشيخ الراحل وعنوان عطائه ، كل ذلك
نتيجة الآثار الرحمانية والرعاية الربانية حين سخر لنا أستاذ شيخنا الراحل سماحة الحجة الشيخ عبد الله الدندن
حفظه الله
ليزيح عنا ألم الفراق وليربط على قلوبنا كي تكمل القافلة مسيرتها لتحقيق الهدف الذي أراده وبينه لي فيما بعد
سماحته عندما سألته ما السبب في توقفك عن المجيء إلى الطرف ، قال إن الهدف الذي جئت من أجله قد تحقق
ولله الحمد وهو يعني بذلك جلب بعض تلاميذ الشيخ الراحل إلى الحوزة وقد تم ذلك في شخص الأستاذ الشيخ
علي الحجي والأستاذ ملا صالح الغانم ، وذكر لي سماحته بأن هذا الأسلوب هو من وصايا أستاذه الشهيد الصدر
قدس سره .
سر الخلود :
أتدرون ما هو السر في كل هذا النجاح وهذه ألموفقيه والفلاح ذلك لأمر قلبي خفي ، بطائنه من إستبرق وهو
الإخلاص لله وحده ، لذا أوصيكم ونفسي بهذا السر في كل عمل تقدمون عليه ، وتخليصه من أدران الأنا وحطام
الدنيا فإن ذلك عين السعادة وسر الهداية .
موقف:
في أيامه الأخيرة كان يقيم صلاة الفجر في المسجد خرجنا بعد الصلاة ، واصطحبني معه لنأخذ طريقاً أطول إلى
البيت بحجة الرياضة ، كان يوماً شديد البرودة وكان ملتحفاً ببردة خراسانية وغترة قطنية ضاماً يديه على يعظهما
نحو صدره ، أما أنا فأنساني حلو الحديث معه شدة البرودة وعندما وصلنا محاذاة بيته دعوته على الإفطار فاعتذر
لمشغوليته حينها طلبت منه أن لا يكلف نفسه ويختصر الطريق إلى البيت إلاّ أنه أبى ذلك قائلا : ليس من آداب
الصحبة أن أدعك حتى أوصلك البيت ، هكذا عمق فينا الشيخ جميل الفضائل وإن صغرت .
أيامه الأخيرة:
كان رحمه الله يحضر لي وصفة الدواء لأترجم له محتواها حيث كان يشكو من آلام في المعدة وغازات
وحموضة ولعله الضغط أيضا ، وذُكر لي فيما بعد بأنه قد سقط مغشياً عليه في حج ذلك العام وكاد يهلك على
إثرها لولا أن القضاء لم يحن بعد .
قبل وفاته بأسبوعين سافرت إلى سوريا بقصد الزيارة مع أحد الأصدقاء على أن نمكث هناك أسبوعين إلا أن
الظروف أجبرتنا على العودة قبل تلك المدة بأسبوع وكأن في نفسي إلحاح لا بد من العودة سريعا عرفت فيما
بعد سر ذلك الإلحاح وهو التزود من محيا الأستاذ قبل الرحيل وقبل أن يغيب القضاء محاسنه وجماله وبالفعل
وصلنا البلد يوم الأحد وقابلت الشيخ يوم الاثنين ولكن لم يكتفي بذلك بل زارني ليلة الثلاثاء حيث طال بنا
السمر وتكرر ذلك اللقاء مع غيري وكأنه يودع أحبابه ، ومن جملة ما قال لي في تلك الليلة : وددتُ أني سافرت
معكم ، قلت له : إنها سفرة قصيرة ، فرد علي : هذا ما كنت أرغب فيه يقصد السفر القصير ، قلت له : إن شاء
الله في السفرة الآتية ، ابتسم ثم ودعني .
في يومه الأخير :
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر ظهرا حين أوقفت سيارتي وقد جئتُ للتوّ من مستشفى أرامكو ، صوّبتُ النظر
طويلا نحو غرفة الشيخ لمدة ليست بالقصيرة حيث كانت في مرمى ناظري عندما تكون سيارتي واقفة نحو الجنوب
ولا أدري ما سبب تلك النظرة ، وكنت ذلك اليوم من بدايته مهموما مغموما وأنا لا أدري أني على موعد مع الخبر الأليم
والنبأ الحزين بعدما رجعت من صلاة الظهر في المسجد ورأيت الحشد عند بيته وثمت لغط هنا وهناك والوجوه يكتسيها
ألم المصاب والإسعاف متوقف جانب البيت وصعدت الغرفة ورجلاي لا يطاوعان على الصعود وكأني لا أريد أن أرى
ما أحذر ولكنه القدر المحتوم الذي لا يتقدم ولا يتأخر ، رأيت ذلك الجسد الممدد وبيده الهاتف حيث كانت المكالمة الأخير
مع مستوصف الطرف وهو يقول : ( أسعفوني .. أسعفوني ) ، هذا ما ذكره رجل الاستقبال في المستوصف ولكن لم
يعرف من المتحدث ولا عنوانه إلا فيما بعد ، وقفت على ذلك الجسد مذهولا مصعوقا وعلى وجه السرعة حملناه وكلنا أمل
بأنه في حالة إغماء ولم يفارق الحياة بعد ، ولكنه القدر الأليم والخبر الحزين قد هز أسمعنا بأنه فعلا قد فارق الحياة
فتذكرت تلك النظرة الطويلة التي صوبتها نحو غرفته بأن الشيخ كان على موعد مع ملك الموت الذي وقف على باب
مكتبته وهو يقول للشيخ تفضل معي ، هكذا رآه الشيخ جعفر المطر حفظه الله في عالم الرؤيا .
قالوا في الشيخ :
ذكر لي أستاذه سماحة الحجة الشيخ عبد الله الدندن حفظه الله حين سألته عن مقام الشيخ وعلمه قال لي :
إذا استثنيتَ الهفوف والمبرز فهو أعلم الباقي ولا غرو في ذلك وقد توسم فيه الشهيد الصدر رضوان الله عليه
النبوغ العلمي ويكفيه ذلك فخرا ومنقبة .
ما رأيته في شخصه :
من أبرز ما تميز به الشيخ ولعله كان واضحاً لدى الجميع شدته في الحق حيث كان لا يخاف في الله لومة لائم
وكانت المجاملة تولي الدبر في حضرة الشيخ إذا رأت نفسها على حساب الحق .
ومن أبرز ما رأيت فيه قوة الإرادة والعزيمة والصبر على الكتمان لمصائبه ولا أريد ذكر شيئا من ذلك لأنه خلاف
الكتمان وخلاف ما يريد ، والله وحده أعلم كم تحمل هذا الشيخ الجليل من مصائب ومحن ومع ذلك كان يظهر خلاف
ذلك ليستوحد بشكواه إلى خالقه فهو وحده صاحب كل نجوى ومنتهى كل شكوى .
عندما تتوسد الشمس ذراع الآخرة:
انطوت صفحة من صفحات العطاء بعد أن خط حروفا من حروف الفضائل الجميلة والمثل العليا لتكون نبراسا في درب
السالكين ومشعلا في سبيل الطالبين ... فالشمس لا تغيب في لحدها الغربي حتى ترسل أشعتها على صفحات قمرها
الشرقي لتخبر الناظرين بأن النور سيبقى في أفق السماء رغم أنف الظلام.
فسلام على أهل السلام وهم يمشون على أرض السلام وحين يوسدون تراب السلام وحين يبعثون على أرض السلام
ثم يزفون إلى دار السلام لتستقبلهم ملائكة السلام بالتحية والسلام.
وفي الختام نبسط أكف الضراعة للمولى العلي القدير بقلوب ملؤها الإخلاص رجاء رحمته أن يتغمد فقيدنا الراحل
بواسع رحمته ويسكنه الفسيح من جنته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
رحم الله من قرأ سورة الفاتحة لروحه ولروح أستاذه الشهيد الصدر وأرواح العلماء والمؤمنين والمؤمنات محفوفة
بعطر الصلاة على محمد وآل محمد .
معذرة أبا مجيد هذا القليل... فهو على قدري لا على قدرك .. والعذر عند كرام القوم مقبول ... جمعنا وإياك
على مائدة الجنة كما جمعنا على مائدة الإمام جعفر الصادق عليه السلام.