عرض مشاركة واحدة
قديم 22-01-2004, 02:48 PM   رقم المشاركة : 1
سبيل الرشاد
كاتب قدير ومربٍ فاضل







افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كان لزما علينا أن نكتب ولو شيئا يسيرا من سيرة الوالدة العطرة المليئة بالعطاء والبذل والإحسان والذي عجزعن إتيانه بعض الرجال ، وفاء وبرا بوالدتي .

الوالدة تضحية وجهاد :
فارقنا الوالد وأنا ابن التاسعة وأخي ابن الثاني عشر وعشنا في ذلك البيت الصغير الذي حولته الوالدة إلى بيت ذكر وعبادة فهو في النهار مدرسة ومنبر وفي الليل مسجد ومحراب ، عشنا في أعماق اليتم بكل معانيه إلا أن الوالدة استطاعت أن تزيح آلامه وأيامه ، معرضة عن كل من تقدم إليها للزواج لكي تؤدي رسالتها على أكمل وجه وآثرت أن تقضي بقية عمرها في رعايتنا ورعاية القرآن الكريم والمنبر الشريف وقضاء حوائج المؤمنين ، وامتد ذلك الاحسان إلى رعاية يتامى أخيها يوسف العباد ويتامى ابنتها المرحومة مريم ، ولقد واصلت رعايتها حتى تزوج الجميع .

الوالدة في محرابها :
استيقظتُ ليلة من ليالي شهر رمضان الكريم وأنا صغير على صوتٍ شجي حزين تتكسر فيه عبرات خانقة ، صوبتُ عيني على مصدر ذلك الصوت وإذا به الوالدة في ثياب الصلاة قد انكبت على كتاب الدعاء المعروف بضياء الصالحين وهي ترتل بعض الأدعية ربما كانت أدعية السحر ، وكنت أسمعها تلح بالدعاء لنا من الأعماق بالصلاح وبعبرات دامعة ، واليوم نحن نعيش بركات ذلك الدعاء .
كانت تحفظ كثير من سور القرآن الكريم والأدعية من كتابي مفاتيح الجنان وضياء الصالحين ، ولقد عرفتُ ذلك من خلال متابعتها لي عند قراءة القرآن الكريم والأدعية الخاصة في شهر رمضان المبارك وغيره ، كما كانت تهتم كثيرا بالمستحبات والنوافل ولا تتركها حتى في السفر ، وبعد أن فقدتْ بصرها اشتريتُ لها ختمة كاملة مسجلة بصوت القاريء عبدالله خياط ، وكانت تستمع له بمعدل جزء كل يوم ، كما كانت تقرأ في كل يوم سورة يس والصافات وتبارك .

الوالدة معلمة القرآن الكريم :
نشأنا وآيات القرآن تطرق مسامعنا صباح مساء بصيغة التهجية المميزة التي لم تعد موجودة في وقتنا الحاضر والتي كانت تخرج من تلك الحناجر الطاهرة البريئة ( ألف لا شي لا ، ب نقطة من تحت ، ت نقطتين من فوق ... ) .. ( ب كسر ، سين سكنه بِسْ ، ميم كسر مي ، بِسْمِ ، ألفتحه ، لام شدَّ فتحة ألّل ، هـ كسر هي اللّهِ ... ) .
وكانت الحلقة تتألف من 15 إلى عشرين فتاة ، يحضرن في الصباح إلى الظهر ويرجعن مرة أخرى من العصر إلى المغرب ، وبمجرد حضورهن يتدارسن القرآن الكريم قبل أن تأتي إليهن الوالدة ، وعند خروجهن ينشدن تلك الأرجوزة الخالدة ( يا امطوعتنا رحم الله والديك أنتي في الجنة واحنا حواليك ) ، ويا لها من أرجوزة في ثوب الدعاء تردد معهن ملائكة السماء بالتأمين والتحميد والتمجيد لتخرق حجب الفضاء وتملؤه طهراً ونقاء . تخرجت من تلك المدرسة المباركة ما يقارب مائة وخمسون فتاة ، كل حرف ينطقن به هو خير شاهد لها وشفيع .

الوالدة والمراثي الحسينية :
مأتم الحسين عليه السلام في ذلك الزمان يتألق بعمق الروحانية لأن تلك الأفئدة كانت تهوي على عمق المأساة بدموع صادقة ومشاعر مرهفة فبمجرد أن القاريء يذكر اسم الحسين تحركت لديهم شجون المصيبة منسجمة مع ذلك الصوت الشجي الحزين ، وهذا ما كانت تتميز به الوالدة مع مستمعيها من المؤمنات الصادقات ، كما كانت تتميز بذلك الحماس المثير للمشاعر الذي كان يصور المأساة في أحلى لوحاتها . ولطالما تكسرت عبراتي بين أضلعي متكهربة ببكائهن وندبهن الحزين ، ولقد نقلت الوالده هذه اللوحة الشريفة إلى معظم بيوتات المؤمنين استجابة لما روي عن المعصوم عليه السلام ( رحم الله من أحيا أمرنا ) .
وكانت الوالدة رضوان الله تعالى عليها تعيش مأتم الحسين عليه السلام إلى آخر لحظة من حياتها وهي لا تفتر عن ذكر المأساة وكأنها ومأساة الطف توأمان حتى كانت آخر كلماتها في هذه الدنيا بعد أن شربت آخر رزق لها من الماء ( السلام عليك يا أبا عبدالله ) لتختم به حياتها كما بدأت به ، ثم أغشي عليها إلى أن فارقت الحياة ولا أشك بأن سيدي ومولاي الحسين عليه السلام قد رد عليها في تلك اللحظة ، كما أنه لن ينساها ولن ينسى عاشقيه بشفاعته العظمى يوم الدين وهو الذي أعتق تلك الأمَة لأنها أهدت إليه وردة فلما قيل له لما فعلت كل هذا ؟ فذكر قوله تعالى ( فإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) .

الوالدة في عيادتها :
دخلت ذات يوم ورأيت أكثر من إمرأة تراجع الوالدة للتداوي ، فقلت لهن مازحا سأوزع عليكن أرقاما حسب الأولوية ، وكانت هذه المراجعة الطبية شبه يومية ، كما كانت تستدعى في الحالات الطارئة كالولادة أو إلقاء الشهادة في وجه المريض وغير ذلك من قضاء حوائج المؤمنين .

خاتمة :
أيها القاريء الكريم كيف تقيم شخصية انقضى عمرها بين تعليم كتاب الله ومراثي أبي عبدالله وتربية اليتامى ومعالجة المرضى وقضاء حوائج المؤمنين والمؤمنات وبين التهجد والعبادة . لهذا كان الفقد عظيم والمصاب جلل لأننا فقدنا موضعا من مواضع الرحمة الإلهية والبركة السماوية خصوصا نحن أبناؤها وعلى الأخص محدثكم حيث قد تعودت بعد كل صلاة مغرب أن أجلس إليها وأنادمها وكأني أطرق بابا من أبواب الجنة ، فتزيح عني هموم هذه الدنيا وآلامها ، لكنه القضاء المحتوم والورد المعلوم ، فأمرنا وأمرها إلى الله ذو الرحمة الواسعة ( فإنا لله وإنا إليه راجعون ) ، كما نرفع إليه أيادي الضراعة سائلين المولى العلي القدير أن يعوضنا بالمغفرة والعفو والرحمة لها ولنا وأن يسكنها الفسيح من جنته إلى جوار الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها عليهم السلام بعد عمر ناهز التسعين . وعند من لا تضيع عنده الودائع نحتسبها ، إنه ولي الباقيات الصالحات .

هل تريد أن تهدي لها هدية ؟!
إذن فصل على محمد وآل محمد عشرا واقرأ الفاتحة وأهد ذلك إليها .

ولك مثل ذلك . والله يضاعف لمن يشاء .

ابنك المقصر / صالح

 

 

 توقيع سبيل الرشاد :
ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
سبيل الرشاد غير متصل   رد مع اقتباس