ــ 4 ـــ
يحدث أن يسافر أبي وأمي وحدهما إلى القرية، فإذا ما رجعا بعد يومين أو ثلاثة فلا حديث لهما إلا عن الأقارب والجيران القدامى، أولئك الذين عرفتهم الأسرة في بيتها الثاني، بيت وسط القرية. وكثيراً ما يتركز الحديث على الجيران اللصقاء أو الجنب منهم: ماذا جد في حياتهم، من هجر بيته القديم وسكن بيتاً آخر، من تزوج منهم ومن أنجب، ومن أدخل المدرسة من أطفالهم الذين لم ترهم الأسرة في عهدها في بيت وسط القرية، ومن دخل الجامعة ومن تخرج منها من أطفالهم الذين رأتهم الأسرة في ذلك البيت، ولاذي اصبحوا اليوم في شرخ الشباب كأطفال الأسرة الذين ولدوا وعاشوا طفولتهم في القرية.
كان حديث الأب والأم هذا يدور فيما بينهما تارة،
وفيما بينهما وبين باقي أفراد الأسرة بنين وبنات تارة أخرى. أنا كواحد من الأسرة لم يكن هذا الحديث ليعنيني قليلاً أو كثيراً، غير أنني كنت أبدي اهتمامي له من باب الاحترام، حتى كان يوم دار فيه الحديث بين أبي وأمي، وكانا قد رجعاً منذ ليلة فقط من القرية. كانا مقبلين على بعضهما بالحديث إقبالاً تاماً، وكأنما خلي ما بينهما وبين المكان، فهما في خلوة على أن باقي الأسرة في الحقيقة كان من حولهما، ولم يكن حديثهما إسراراً. ما لفت انتباهي إلى الحديث الدائر بينهما هو انصرافه إلى مديح واحدة من بنات الجيران، جيران القرية القدامى طبعاً. كانت الغبطة ولا شك هي شعورهما تجاه البيت وأهلها.
تحدثا عن نيلها شهادة في التمريض، وعن عملها مؤخراً في المستشفى الحكومي القريب من القرية نسيباً، وعن الرخاء الذي أخذ يشق طريقه إلى أسرتها على يديها. كان الحديث في حدوده هذه جديراً بأن يثير اهتمامي وأن يدفعني إلى صرف انتباهي كله إليه، حتى قبل أن يذكر أسم الفتاة وقبل أن أعرف المقصود بذلك الحديث، وإن كنت قد عرفت أسرة الفتاة من البداية. إنها الأسرة التي تسكن البيت الملاصق من الخلف لبيتنا في وسط القرية. غير أن الاهتمام لذلك الحديث والانتباه إليه تحولا إلى عاطفة حب ساذجة، وإلى حنين مفاجئ لا يقاوم، وإلى حمى تهتصر المخيلة والذاكرة معاً بمجرد أن ذكر أسم الفتاة.
لا تكاد الذاكرة ترسم وجهاً تام التفاصيل لتلك الطفلة التي عرفتها في طفولتي، ولاتي أصبحت اليوم ممرضة في المستشفى الحكومي حسب حديث أبي وأمي. بيد أن أول خط من ذلك الوجه ظهر على شاشة الذاكرة كان الغمازتين اللتين تبزعان على خدين مليئين كلما ضحكت طفلتي أو ابتسمت. لم أكن لأنسى تينك الغمازتين أبداً؛ فأنت قد تمر عليك آلاف الوجوه في حياتك فلا تقع إلا على وجه واحد بغمازتين، أو لا تقع. إنهما شارة وإشارة، مثلما هو خاتم النبوة على كتف النبي. استطيع أن أعرف طفلتي بأنها بنت الجيران ذات الغمازتين وكفى.
يبدو أن حديث أبي وأمي عن بنت الجيران ذات الغمازتين قد رج صندوق اللاوعي، فطفحت صورة منه على سطح الوعي وتجسدت أمام عيني كأنما تعرض على شاشة سينمائية كبيرة: كانت الشمس تبعث سهاماً ضوئية باردة، وكنت على سطح بيتنا، بيت وسط القرية، أقلب بين يدي قطعاً صغيرة من الحديد والخشب، وأسلط عليها مخيلتي فاستخرج منها صور أسود وثعالب وخيول وجمال، فأقابل ما بين أسدين وأشعل بينهما معركة ضارية، وأتخيل أصابعي فرساناً فأركبهم الخيول وأطارد بعضهم ببعضهم الآخر..
وبينما كنت مستغرقاً في لعبي هذا نبهتني يد صغيرة كانت تربت على كتفي، فالتفت فإذا بها بنت الجيران ذات الغمازتين تنصب ورائي باسمة.
يبدو أنها ارتفعت برميلاً أو صندوقاً كبيراً، وتسورت الجدار الواطئ الفاصل بي سطح بيتنا وسطح بيتهم وتدلت بقدميها على البرميل القابع في مكانه تحت الجدار على سطح بيتنا، ونزلت بهدوء من البرميل. أو أنها جاءت من الأسفل.. دلفت من باب البيت إلى الفناء، ومنه إلى الدرج وصعدت إلى السطح، ثم اقتربت مني بهدوء لتخرجني من عالم أحلامي بيدها الصغيرة. المهم أنني تركت كل ما في يدي، وقمت إليها. قالت: "أريد أن ألعب معك" ففرحت وانحنيت على قطعي الصغيرة لأعرض عليها اللعبة، فبادرت وقالت متأففة: "لا أحب اللعب بهذه القطع" فرميت ما في يدي واعتدلت وفكرت لحظة ثم قلت في فرح من وجد حلاً لمشكلة صعبة: "أذهب وآتي بالكرة من تحت" فأمسكت يدي وقد هممت بالذهاب لجلب الكرة وقالت: "لا.. أنت ولد والأولاد يفوزون على البنات دائماً" ثم عرضت عليها لعبة ثالثة فلم تستجب لها أيضاً. فكرت وفكرت لحظات حتى اهتديت إلى لعبة مبتكرة، لا أعلم كيف واتتني فكرتها، فهتفت في ظفر: "نلعب لعبة الطبيب والمريضة" فنظرت إلي نظرة متسائلة، فأومأت إلى الرواق الصغير في إحدى زوايا السطح، ذلك الرواق الذي كان بيتاً للحمام ذات يوم، وقلت في حماسة: "هذا هو المستشفى" وأخذ بيدها وقدتها إلى الرواق، وقلت: "سأكون أنا الطبيب، وتكونين أنت المريضة التي تأتي إلى المستشفى "فأخذ الحماس إلى اللعبة يسري شيئاً فشيئاً مني إليها، فإذا بها تدلي باقتراحات ذكية، فتقترح أن ننقل ذلك الصندوق القابع في جانب من السطح إلى الرواق ليكون مكتباً للطبيب بعد أن كانت أسوداً وثعالب وخيولاً وجمالا.
أنجزنا مكتب الطبيب والسعادة تحدو ذهابنا وإيابنا، ثم فرشنا في جانب من الرواق / المستشفى بطانية مغبرة لتكون سريراً. ألقت ذات الغمازتين نظرة شاملة على المكان، ثم تساءلت: "هل ينقص المستشفى شئ؟" فألقيت نظرة على مكتب ثم قلت: "تنقصني سماعة الطبيب" فقالت: "وقلم وأوراق حتى تكتب الوصفة الطبية" فمضيت من فوري إلى غرفتي في الأسفل، وبعد لحظات عدت وفي يدي حبل وقلم وأوراق. وضعت القلم والأوراق على المكتب، أما الحبل فقد فتلت أحد طرفيه وجعلته فرعين ثبتهما في أذني وتركت الطرف الآخر يتدلى إزاء صدري وبطني، فأعجب ذلك ذات الغمازتين، فقالت: "إنك طبيب بحق رغم أنه ينقصك ذلك القميص الأبيض المنسدل حتى الركبتين، ولكن من أين نأتي به؟! لا يهم، فلنبدأ اللعبة "وخرجت من الرواق، وبعد لحظات عادت تشكو إلى الطبيب الجالس وراء مكتبه ألماً في بطنها، فطلب إليها الطبيب أن تستلقي على السرير ففعلت، فأخذت سماعتي وأقبلت على مريضتي، فاطمأنت على قلبها بعد أن نقلت الساعة إلى أذني ضرباته المنتظمة. ولأني طبيب، ولأن مريضتي تشكو مغصاً، فلابد أن أكشف عن بطنها. وهكذا مددت يدي إلى ذيل ثوبها وأزحته شيئاً فشيئاً إلى ما فوق البطن. سألت مريضتي عن منطقة الألم، فوضعت إصبعها على نقطة من بطنها، ثم أخذت أنقر بإصبعي على بطنها في مواضع متعددة، وأصغي إلى الأصوات المختلفة التي تصدر عن تلك النقرات، ثم قمت إلى مكتبي وأخذت بعض الأدوات الطبية وأقبلت ثانية على مريضتي المستسلمة تماماً لحكمة الطب.
شرعت أحرك أدواتي الطبية على بطن المريضة محاكياً بذلك حركات المشرط والمقص كما لو كنت أجري عملية جراحية. أنجزت مهمتي، واطمأنت ثانية على قلب مريضتي، ثم جمعت أدواتي الطبية وعدت بها إلى مكتبي، ونهضت ورائي المريضة ومشت إلى المكتب وانتصبت أمامه بينا كنت وراءه أكتب العلاج الذي لم يكن سوى خطوط وتعرجات لا معنى لها في الحقيقة. ناولت المريضة الوصفة الطبية وحددت لها موعداً لزيارتي مرة أخرى.
لقد كانت اللعبة مسلية حقاً، وكانت سفر إلى عوالم جديدة مدهشة، ولم تكن الغمازتان لتفارق خدي بنت الجيران في ذلك اليوم البعيد. كنا سعيدين نكاد نسمع ثرثرة الفرح في قلبينا.
وها أنا اليوم ــ في العقد الثالث من عمري، في المدينة الجديدة، مدينة الصناعة والتلوث البيئي ــ ها أنا مجرد م غمازتي الحنونين، أقبع في علبة من الإسمنت معزولة عما جاورها. تجفف العزلة مشاعري، ويهتصر العطش الفاجع زهرة فؤادي، ويتراكم الظمأ الصاد على قلبي كما تتراكم صخور الجبل العظيم على صدر الأرض؛ فألوذ بالذاكرة العاشقة، وبقة اللاوعي الكامنة، لأرتشف فرحاً كثيراً ينفتح من غمازتين سخيتين، وأترطب بذكرى جسد خلع على شاشة ذاكرتي بياضه الحليبي الصقيل.
بعد حديث أبي وأمي ــ ذلك الحديث الذي رج صندوق الذاكرة، وأخرج أطياف اللاوعي من سباتها ــ سافرت إلى القرية في إحدى المناسبات، فلما وصلت وتخففت من متاعي، أقلتني السيارة إلى المستشفى الحكومي، فدلفت إلى البهو الأمامي، وسألت أحد موظفي الاستقبال عن القسم الذي تعمل فيه بنت الجيران ذات الغمازتين، طبعاً لم أقل له هذه الجملة الأخيرة، وإنما سألته عن الممرضة فحسب، وذكرت له اسمها، فدلني على القسم الذي تعمل فيه، فشكرته وخرجت.
بعد ذلك، وعلى مدى زيارتي هذه القرية، كنت أمر بالمستشفى صباح كل يوم، فأدلف إلى بهو الاستقبال، وابقى متردداً، أقدم خطوة وأؤخر أخرى، فقد كنت أفكر في أمر، وأعرضه على نفسي على هذه الصورة:
أدعي إصابتي بمرض يتيح لي الدخول على طبيب في القسم الذي تعلم فيه ممرضتي، فإذا تم لي ذلك فلعل الصدفة الجميلة تضعني وجهاً لوجه معها.. بل هذا ما سيحدث بالضبط.. قلبي يحدثني بذلك. فه ستتعرف على وجهي يا ترى؟ لا يهم. المهم أن أكون وجهاً لوجه معها، وأن أنظر إلى غمازتي الغاليتين. ولكن.. قد تكون متنقبة؟! حسناً سأقول لها بسذاجة الطفل الذي كنته قبل عقدين من السنوات: "هل تسمحين بأن ترفعي النقاب عن وجهك وتبتسمي، حتى أنظر إلى غمازتيك المحروستين؟ "ترى هل تقتنع أن كل هدفي من رفع نقابها هو النظر إلى تينك الغمازتين فقط، وبعدها أمضي إلى حال سبيلي؟! لعلها.. ولعلنا ــ فوق ذلك ــ نلعب مرة أخرى لعبة الطبيب والمريضة ولكن بعد تبادل الأدوار هذه المرة.
جاسم عبدالوهاب الحسن
الأحساء ــ الطَّرف
20/9/1421هـ