عرض مشاركة واحدة
قديم 12-02-2009, 10:40 AM   رقم المشاركة : 1
منتدى السهلة الأدبي
منتدى السهلة الأدبي






افتراضي ( شذرات من تجربة طفل ) قصة لـ جاسم عبدالوهاب الحسن

نداء الأمكنة العتيقة
"شذرات من تجربة طفل"

ــ 1 ــ


هل كان مسعود محظوظاً حقاُ لأنه بات واحداً من الأسرة؟. يبدو ذلك؛ فهو لم يكن مدللاً من قبل أفراد الأسرة فحسب، بل كان المكان نفسه يحترم رغبات مسعود، ويتخذ الشكل الذي يريحه ويسمح له بقدر أكبر من حرية الحركة.

فباب البيت الخارجية ترتفع عن العتبة بمقدار خمسة أصابع، مما يصنع فجوة مستطيلة تمكن مسعوداً من الانسياب بخفة من خلالها، من داخل البيت إلى خارجه، ومن الخارج إلى البيت؛ فهو كأي واحد من الأسرة يحتاج إلى الخروج من البيت لقضاء بعض شؤونه اليومية الخاصة، التي تعرف الأسرة بعضها، ويغيب عنها بعضها الآخر.

أما فناء البيت الذي ــ الذي كانت تنفتح عليه أبواب غرفة النوم وباب المطبخ وباب دورة المياه وباب أخيرة منعزلة قليلاً عن بقية الأبواب ــ فكان فسيحاً يسيح فيه مسعود كما يحب.

مثلاً: يطارد جرادة حطت من الفضاء، فيثب خلفها من زاوية إلى زاوية حتى يرهقها الطراد فتستسلم بين يديه أو يحالفها الحظ فتلوذ بالفرار على متن الهواء، أو يمارس هوايته المفضلة فيلعب الكرة التي تكون صغيرة في حجم التينة، فينقلها من يدي إلى أخرى وعيناه على الكرة تنتقلان يمنة ويسرة فيما هو يذرع ( الحوش ) طولاً وعرضاً، مسرعاً طوراً ومهرولاً طوراً آخر، وفي كل الأحوال محافظاً على الكرة بين يديه.

وأما غرف النوم التي كانت مواربة الأبواب معظم ساعات النهار وجزءاً من ساعات الليل فكانت على استعداد لاستقباله في كل وقت، فهي تبذل له الفرش والأغطية يتقلب عليها ويندس بين طياتها ويتمطى أثناء ذلك نافضاً عن جسمه آثار النوم.

ولم تكن الأحضان أقل ترحيباً بمسعود، فهي مفتوحة أمامه دائماً، تشجعه على الارتماء فيها، وملاعبة الأصابع التي لا تلبث أن تمسّد جسمه حالما تحس بعضاته التحببية ووخزات أظفاره التي تعرف الصديق من العدو.

ومن الاستعدادات التي قام بها المكان من أجل راحة مسعود الساحة الترابية التي تنبسط أمام البيت، فهو كأي واحد من أبناء جلدته لا غناء له عن شئ من الأرض، تلك التي تتفتت وتحرث وتنزاح وتسوّي ويمكن أن ينبت على وجهها العشب.

أما وجبات الطعام فلم تكن لتسقط مسعوداً من حسابها، فإذا ما فرشت السفرة ووضعت عليها الأطباق وتحلقت من حولها الأسرة تلفت الجميع متسائلين عن مسعود الذي يدنو في جذل ويتخذ مكانه من الحلقة المقبلة على الطعام، ولا يبادر إلى مد يده إلى الصحون، وإنما ينتظر في أدب يقدم له أحدهم قطعة من اللحم، فيتناولها بيديه الصغيرتين ويأخذ في تمزيقها بأسنانه الصغيرة حتى يأتي عليها، وينتظر قطعة أخرى ولم تطن لتبطئ عليه.

قد يعطي هذا الحديث فكرة عن أخلاق مسعود، فماذا عن خلقه؟ ثم مزيتان خلقيّتان حببتا مسعوداً إلى الأسرة، فقد كان أشقر الشعر ذا عينين خضراوين، ولم تكن هاتان المزيتان لتوجدا في أحد في أفراد الأسرة، فالشعور سوداء والعيون سو أو بنية، وهكذا ستكون الأجيال القادمة.

عند هذه النقطة ينبت خيط الحكاية، حكاية مسعود، ولا تعود الذاكرة بمسعفة على إتمام هذه اللوحة التي نجمت عن عهد موغل في القدم، موغل في القدم بالنسبة لي على الأقل. ولكن المخيلة واسعة الحيلة ! فماذا يمكن أن ترسم من مصائر، وماذا في وسعها أن تنسج من نهايات، وهل لابد من نهاية للحكاية ؟ ونزولاً عند رغبة المخيلة، فليكن الحديث الآتي.

استيقظت الأسرة ذات صباح، فباشرت شؤونها اليومية المألوفة، وغرقت في رتابة النهار، حتى إذا حان موعد الطعام افتقدت الأسرة مسعوداً، وأعطت هذه الملاحظة المتأخرة: لم يظهر في ( الحوش ) طوال ساعات الصباح. وإذن؟ وطفقوا يبحثون عنه في الغرف، بين ثنايا الفرش وتحت الأغطية، في دورة المياه وفي المطبخ وفوق السطوح، وأمام البيت في الساحة الترابية. ولأنهم لم يقعوا له على أثر، لاذوا بالانتظار والارتقاب اللذين لم يأتيا به البتة، فلم يبق أمام الأسرة إلا أن تلجأ إلى المخيلة في تفسير غياب مسعود المفاجئ. فهل هذا ما حدث فعلاً؟ ربما.


فجأة كف مسعود عن اللعب، ولم تعد له شهية إلى الطعام، ولزم أحد الفرش، وحُمَّ جسمه، وبينا كانت الأسرة حلقة متوجسة من حوله، وثمة أيد صغيرة تمتد لتجس نبض الجسم المحموم، كف الجسم عن الاختلاج، وأخذت تتسلل إليه البرودة.

لقد صد السر إلى مستودعه !! هل كان هذا مصير مسعود حقاً ؟ ربما.
أم أن الأسرة ــ التي كانت قد انتقلت إلى بيت آخر بعيد عن بيتها الأول جراء حادثة ألمت بها على غير موعد ــ قد نسيت أن تأخذ مسعوداً معها كما لو كان قطعة أثاث بالية ! ما أقسى قلبها إذن ! وأي شئ كانت تلك العاطفة التي أحاطته بها في البيت الأول ؟ ولكن قد لا تكون هذه تتمة الحكاية.

أم أن الأسرة أنكرت من مسعود سلوكاً ما، فانقلب الحب كراهية، فقبضت عليه يد كانت تمسد ف حنو جسمه من قبل، وأودعته كيساً من ( الخيش )، وأحكمت ربط طرفه المفتوح، وألقت به في السيارة التي ستذهب به بعيداً بعيداً.. إلى أحد البساتين النائبة مثلاً إن لم تكن الصحراء حيث سيطلق سراحه وتعود السيارة أخف عبّئاً بعد أن توهت مسعوداً وما عاد فق مقدوره الاستدلال على الطريق المؤدية إلى بيته وأسرته التي لا يعلم ماذا ساءها منه, هل تكون هذه تتمة الحكاية؟
ربما.

المخيلة منجم لا ينفد، وفي ميسورها أن تزودك أيها القارئ بصور أخرى عن مصير مسعود، ومخيلتك تملك كافة الصلاحيات، في أن تستأنف الحكاية من حيث انبت خيط نسيجها، فتنسج على غير منوال واحد، ولعلك تكون أقرب إلى الحقيقة.

( يـــتـــبـــع )

 

 

منتدى السهلة الأدبي غير متصل   رد مع اقتباس