المقالة
تعريفها : قطعةٌ نثريةٌ إنشائيةٌ ذات طولٍ معتدلٍ تكتب بطريقةٍ عفوية ٍ سهلةٍ دون الخضوع لنظامٍ معينٍ ، وتلمُ بمظاهر الموضوع الخارجية أو حول جزءٍ منه وتعبر تعبيراً صادقاً عن شخصية الأديب أو الكاتب .
أهميتها : لاختلاف الناس في أذواقهم ومناحي التفكير عندهم وأعمالهم في الحياة ، فهناك صنفٌ منهم يجدون اللذة في الخلوة بأنفسهم يمتطون فرسَ التفكير في هذا العالم الذي يحيط بهم ، فهم لا يجدون في الحياة التي يحيونها إلا الاستغراق في الأعمال والعكوف على الأشغال وبعض ساعاتٍ من الفراغ التي تهيئ لهم أن يقضّونها في التأمل والتفكر .
التأمل في تجارب الآخرين التجارب الحيوية ذات المتعة واللذة التي فيها ترويحاً عن النفس ، فإذا اجتاز الإنسان مرحلة التأمل والمطالعة إلى مرحلة التعبير عما في ذاته وتأملاته ، فإن وسيلته الأولى هي المقالة .
المقالة في الأدب العربي وتطورها : في أدبنا العربي تبدو بذور المقالة قديماً حتى قال بعض الباحثين (( قد ترجع إلى القرون الهجرية الأولى )) (1) .
ويقول الدكتور محمد يوسف نجم بأن بذورها ترجع إلى القرن الثاني الهجري (2) إلا أن الرأي الذي نميل له هو الأول ، فلو تصفحنا كتب التراث لوجدناها مليئة بنماذج قريبة ، نسمع أمير المؤمنين في زهدياته وتأملاته حين يقول : (( وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى ؛ لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ولو شئت لهديت الطريق لمصفى هذا العسل ولباب القمح ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة )) (3) وممن تأثر بهذا الاتجاه في القرن الهجري الأول الحسن البصري في رسالته إلى عمر بن عبدالعزيز التي ضمنها صفات الإمام العادل .
ويتجلى ذلك بوضوح في مقالات الوفود والمحافل التي تقام في الأسواق ومجالس الخلفاء .
من ذلك مقامُ أعرابي بين يدي هشام بن عبدالملك وقال : أتت على الناس سنون ، أما الأولى فَلَحت اللحم ، وأما الثانية فأكلت الشحم وأما الثالثة فهاضت العظم ، وعندكم فضول أموال ، فإن كانت لله فاقسموها بين عباده ، وإن كانت لهم ففيم تُحظَرُ عنهم أم إن كانت لكم فتصدقوا عليهم بها فإن الله يجزي المتصدقين (4) .
وفي أدبنـا العـربي من مسامرات وعتاب وإخوانيات ما يجعلنا تقطع بذلك يقول المسعودي : (( وكتب الجاحظ مع انحرافه تجلو صدأ الأذهان وتكشف واضح البرهان لأنه نظمها أحسن نظم ورصفها أحسن رصف وكساها من كلامه أجزل لفظ ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع خارج من جد إلى هزل ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة )) (5)
وكذلك نرى في كتاب الكامل لأبي العباس المبرد هذا الأسلوب .
وأيضاً في رسائل عبدالحميد الكاتب وسهل بن هارون ، أما في القرن الرابع يطالعنا كاتب مجيد وعالم جليل ألا وهو أبو حيـان التوحيدي في طلاقة وغزارة معانيه وبراعة تصوره وخاصة في كتابه (( الإمتاع والمؤانسة )) .
أما في العصر الحديث يقول الأستاذ محمود الحليبي : (( وبظهور الصحف وانتشارها نشأ فن المقالة )) ونخالفه في هذا الرأي ؛ إذ أن هناك مقالات ذاتية كالشيخ ناصيف اليازجي وشكيب أرسلان ، وموضوعية تهكمية أو غير تهكمية كتبها أصحابها ولكن لم تسلط عليها أضواء النشر والإعلام فاندثرت ونسيت مع مرور الأيام ، كالخزانة المكية للأستاذ صالح عبدالقدوس التي كانت تجمع كل ما ينتج في شبه الجزيرة العربية تقريباً وخاصةً الحجاز .
نعم هذه الصحف والمجلات ساهمت في تعميق جذور المقالة واتضاح هويتها وسعة انتشارها وخاصة في بلاد الشام ومصر فنجدها في الوقائع المصرية ومرآة الشام ونجد الكتّاب الرافعي وطه حسين والعقاد والمازني وغيرهم .
وقد لعبت هذه الصحف دوراً هاماً في تطوير المقالة :
1 - تطويع اللغة وتهذيب أساليبها لأبناء العربية .
2 - انتشار الصحافة لنشر مختلف أنواع المقالة من ذاتية وموضوعية .
3 - خلق طبقة من الكتّاب الذين عنوا بفن المقالة وجعلوها الوسيلة الأولى لنقل أفكارهم وإذاعة آرائهم .
للموضوع بقية،،،،،، يتبع
الحواشي:
(1) الأستاذ محمود سعود الحليبي .
(2) انظر : فن المقالة ص 17 .
(3) النهج 3/588 شرح الشيخ محمد عبده .
(4) عيون الأخبار 2/710 لابن قتيبة ، تحقيق الإسكندراني .
(5) نقلاً عن فن المقالة السابق ص 20 .