(((لكي تكون كاتبا ناجحا)))
لي كتيب مختصر بهذا العنوان:
(لكي تكون كاتبا ناجحا)
كتبته من أجل واحدة من الأخوات كانت تسألني عن
(المنهج العلمي الصحيح للبحث والكتابة)
وتطلب مساعدتي لها في شق طريقها في عالم الكتابة والتأليف،ولأني أحبكم جميعا،وأتمنى أن أراكم من كبار الكتّاب،قررت أن أضع هذا الكتيب بين أياديكم الكريمة،آملا أن تجدوا فيه ما يعينكم على الكتابة بمنهج علمي صحيح.
سأضع هذا الكتيب في حلقات متتالية هذه هي الأولى منها،وهي تتضمن المدخل والمقدمة،وكلي أمل أن أجد منكم التجاوب المطلوب.
************************************************** ***********
تنويه
هذه الوريقات تتناول الحديث عن بعض المقومات والمؤهلات التي يجب أن تتوافر في الإنسان ليكون كاتباً ناجحاً.
وهي معلومات عامة ، وكتبتها على شكل نصائح وتوجيهات لواحدة من الأخوات سألتني عن
(فن الكتابة والتأليف).
ولأن هذه الوريقات هي مجرد نصائح وتوجيهات ، فإنها لن تفي بالغرض كاملاً، ولا تغني عن الرجوع إلى الكتب المؤلفة في هذا الموضوع لمن يريد أن يقف على تفاصيله وأبعاده،ولكنها ـ في الوقت ذاته ـ ستكون كافية ومفيدة في إيقافكم على أهم مقومات المنهج العلمي للكتابة والتنأليف.
************************************************** **********************
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علم بالقلم ، علم الإنسان مالم يعلم ، والصلاة والسلام على محمد وآله سادات الأمم، وأنوار الظلم
مما لا شك فيه ولا ريب أن القراءة والكتابة من أعظم النعم الإلهية التي أسبغها الله على عباده ، ولشرف القراءة وأهميتها في حياة الإنسان كان أول ما نزل من الوحي الإلهي المقدس على هيكل القداسة وسيد الكائنات، والمعلم الأول والأعظم للبشرية رسول الله (ص) هو الحث على القراءة
إذ قال جلَّ وعلا :
" اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم " .
ولقدسية التدوين وعظمة الكتابة وجلالة شأنها عند الله
عز وجل ، أقسم سبحانه وتعالى بالقلم وما يسطّره قائلاً
جلّ شأنه وعزّ سلطانه:
"ن، والقلم وما يسطرون".
وهناك الكثير من الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي وعترته الأكرمين في الحث على الكتابة والتأليف، وحفظ العلم وتدوينه ، ومنها
-على سبيل المثال لا الحصر ـ
الحديث المبارك:
"قيدوا العلم بالكتابة"
كما أن الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين كانوا يشجعون أصحابهم على النهل من علومهم ، والاستفادة من مكنون أسرارهم ، وعلى أن يقوموا بجمع ذلك وتأليفه في كتب مستقلة مفيدة ونافعة، ونشرها بين الملأ ليستفيد منها الآخرون .
واستجاب شيعة أهل البيت لدعوة أئمتهم فأقبلوا على العلم بجد ونشاط فدرسوه ودرّسوه ، وجمعوا ما أخذوه عن الأئمة المعصومين في كتب عمّ نفعها البشرية، كجابر بن حيان ملهم الكيمياء وأستاذها الأكبر ، إذ دون كل ما أخذه عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) في علم الكيمياء ،في أكثر من ألف ورقة.
وكالمفضل بن عمرو الذي دون ما أملاه عليه الإمام الصادق (ع) عن التوحيد وعجائب الخلقة في كتاب بعنوان
" توحيد المفضل" أو العنوان الآخر " من أمالي الإمام الصادق " وقد أورد العلامة المجلسي في بحاره هذا الكتاب كاملا، كما قام الأستاذ الخليلي بشرحه في كتاب يتكون من أربعة مجلدات.
ومازال لشيعة أهل البيت (ع) قديماً وحديثاً قصب السبق في العلم والتأليف والتدوين في شتى العلوم والفنون
كالفقه والحديث والتفسير والطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والإحياء ..... وغيرها.
من العلوم التي بفضلها ازدهرت الحضارة الإنسانية على جميع الأصعدة والمستويات.
وليس قصدي من هذا الكلام أن أتنكر لدور غير الشيعة بل ولا لما غير المسلمين من دور بارز وكبير في بناء النهضة العلمية للإنسان ، ولكني أأكد أن دورهم أقل بدرجات من دور الأئمة وشيعتهم في هذا المضمار.
وحث الإسلام على طلب العلم ، واكتساب المعرفة ، وعلى التدوين والتأليف لم يقتصر على الرجال فقط، بل هو يشمل النساء أيضاً، فالعلم نور وهبه الله لجميع عباده ، وكما أنه من حق الرجل أن يضيء عقله بالعلم والمعرفة أيضاً من حق المرأة ذلك، وأن حرمانها من هذا الحق هو اعتداء عليها ،وظلم لها
واغتصاب لحقوقها التي أباحها الله لها .
وإذا تعلمت المرأة فمن حقها أيضاً أن تستفيد وتفيد الآخرين من علمها ، فإن زكاة العلم إنفاقه وبذله للآخرين ، ولاسيما وأن العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلاّ ارتحل، فلا بأس على المرأة أن تحضر المؤتمرات العلمية الحديثة لإجراء بحوثها وتجاربها ، ولا بأس عليها أن تبحث وتحلل وتحقق وتكتب وتنشر، وباسمها الحقيقي وليس باسم مستعار.
فقد ولىّ زمن التخلف والرجعية الذي كنا نظن فيه أن ذكر اسم المرأة عار وعيب وحرام.
نعم إذا تعلمت المرأة وجب عليها أن تستفيد وتفيد الآخرين من علمها ودليلنا على ذلك ماقامت به سيدات النساء وفضيلاتهن من نشاط علمي بارز في خدمة الدين والمعتقد والمجتمع .
فهذه السيدة الزهراء كانت تلميذة أبيها الرسول ومنه استقت علومها ومعارفها، لم تضنّ بعلمها على الناس وإنما بذلته إليهم بسخاء، فكانت المرجع العلمي الذي يرجع إليه النساء في أخذ أحكامهن وتعاليم دينهن ودنياهن.
وحينما مات أبوها الرسول (ص) وانقلب بعض الأصحاب على الأعقاب فغصبوا حق بعلها أمير المؤمنين ، ونهبوا تراثه، لم تجلس حبيسة بيتها، ولم تتنصل من القيام بواجبها، في نصرة الدين والدفاع عن الحق، وإنما نزلت إلى الساحة العملية ، وذهبت إلى مسجد أبيها النبي (ص) وكان سلاحها العلم والمعرفة بالإضافة إلى الجرأة والشجاعة ،فألقت خطبتها الفدكية العصماء التي تعدّ من آياتها العظمى في البلاغة والفصاحة ، وعظمة البيان، وسمو المعنى وقوة الحجة، وغزارة العلم والمعرفة، حتى وضعت النقاط على الحروف ، وأسفرت الحقيقة عن وجهها
(لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) .
وبهذا أصبحت تلك الخطبة من أهم الوثائق السياسية المؤرخة لأحداث الصدر الأول من الإسلام.
وهناك بطلة كربلاء السيدة زينب (ع) فلقد كانت عالمة جليلة القدر إلى درجة أنها إذا دخلت على أخيها الحسين (ع) كان يقوم إجلالاً لها ويجلسها في مكانه، وحينما أراد الإمام زين العابدين(ع) أن يمتدحها ،ويبين بعض صفاتها اختار من بين تلك الصفات الجليلة ، والمزايا الحميدة العلم والمعرفة فقال لها
عليهما السلام:
(عمة زينب : أنت بحمد لله عالمة غير معلمة ،وفهمه
غير مفهمة).
وأيضا فإن العقيلة زينب (ع)، لم تحرم الناس مما أفاضه الله عليها من علم خصها به من بين العباد ، فلقد كان لها (ع) مجلس لتفسير القران الكريم تحضره النساء،كما أنها تصدت للفتيا وبيان الأحكام الإسلامية بعد استشهاد أخيها الحسين ريحانة قلب جدها الرسول ، طيلة مرض ابن أخيها
زين العابدين (ع).
ومهما نسيت فلن أنسى خطبها النارية في الكوفة والشام والمدينة ، تلك الخطب البليغة التي فضحت النظام الأموي ، وحولت نصره الموهوم المزعوم إلى هزيمة ساحقة.
وتاريخنا الإسلامي يزخر ويفخر بالكثير من النساء الفاضلات المؤلفات وما بنت الهدى ، وخوله القز ويني وأم المهدي ..... وأمثالهن إلاّ نماذج حية لمؤلفات قديرات،
وكاتبات مبدعات.
وأنا واحد من الذين منّ الله عليهم وتفضل ، وهو سبحانه وتعالى ذو المن والفضل العظيم، بنعمة التأليف والكتابة، فلي
ما يربو على الخمس عشر سنة وأنا أكتب في شتى المجالات الأخلاقية والاجتماعية والتربوية والعقائدية والتاريخية والفلسفية والفكرية..... وغيرها حتى أنتج قلمي ما يزيد عن خمس وعشرين مؤلفا عدا البحوث والمقالات المنشور بعضها في الصحف والمجلات ومواقع الأنترنت.
ولذا فقد لمست عن قرب عظمة الكتابة وفضائلها التي لا تحصى ، وفوائدها التي هي فوق العد والحصر، ولعلي أستطيع القول أن أقل هذه الفوائد:
تنمية العقل ، وإنارة الفكر ، وتوسيع المدارك ، وفتح آفاق التفكير ، وترسيخ المعلومات بالذهن ، والتعرف على تاريخ الأمم الماضية وربطها بالحاضر ، والاستفادة منها في بناء المستقبل ، واكتساب الخبرة في معالجة القضايا ، وتصحيح منهج التفكير ، هذا عدا ما تعطيه الكتابة من شهرة ووجاهة ومكانة اجتماعية مرموقة تفرض على الآخرين حبك واحترامك وتقديرك ، ولك أن تضيف الى ذلك تحسين وضعك المادي والاقتصادي ... وإلى ما هنالك من فوائد جمة جعلت الكتابة معشوقي الأول.
وانطلاقاً من كل هذا ومن قاعدة نبوية شريفة تقول:
(حب لأخيك ما تحب لنفسك)
كان ديني وديدني التشجيع الدائم والمستمر للشباب والشابات أن يخوضوا هذه التجربة الجميلة بإخلاص وجدية ، وهمة ومثابرة ، وأعدهم بالوقوف إلى جانبهم معيناً ومرشداً ومشجعاً إلى أن يقفوا على أقدامهم ، ويشقوا طريقهم بأنفسهم ، فيكون لي شرف الأخذ بأيديهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم.
والتي من أجلها أكتب هذه السطور هي واحدة من الذين استجابوا لدعوتي ، فقررت أن تغوص في أعماق بحار التأليف والكتابة علها تجني بعض لؤلؤه ومرجانه ، إذ أنها كتبت
إليًّ تقول:
" بعون الأحد الفرد الصمد ، ساغوص البحر الذي لا ساحل له ، وبمده وجزره... وأبحر في جوانبه الواسعة ، وأبحث عن أصدافه ودرره ومرجانه، متشرفة بصحبة جنود علوية وأسلحة عساكرية"
ثم تساءلت:
" ولكن ، من أين أبدا ، وكيف أكتب ، وما هي المقومات الأساسية ، والقواعد الذهبية لفن الكتابة؟"
ولذا فإني سأترك الآن حديثي العام ، لأتوجه بالحديث إليها بصورة مباشرة ،فأقول بعد حمد الله والصلاة على رسوله
وآله الطاهرين:
أولا :
أشكرك من القلب على استجابتك لدعوتي وتشجيعي ، واتخاذك القرار الجميل والرائع بالغوص في أعماق بحر التأليف والكتابة ، سائلاً من المولى العلي القدير أن يوفقك في هذا المشروع الكبير ،الى أن تكوني من كبار الكاتبات المبدعات حتى يسجلك التاريخ في سجل الخالدات.
ثانياً :
يشرفني ويسعدني الوقوف بجانبك ومساعدتك لئلا تغرقي وأنت
تغوصين في أعماق هذا البحر العميق ، وستجديني لكِ ناصحاً وموجهاً ، ولن تخيب ثقتكِ فيَّ إنشاء الله تعالى.
تابعونا في الحلقة القادمة،فمنها سنبدأ الدخول في صلب الموضوع إن شاء الله تعالى.
إلى اللقاء
،،،((المندوب))،،
منقووووووووول