6- و كذلك التحدث بنعم الله الظاهرة و الباطنة , فإن معرفتها و التحدث بها يدفع الله به الهم و الغم , و يحث العبد على الشكر الذي هو ارفع المراتب و أعلاها حتى و لو كان العبد في حالة فقر أو مرض أو غيرهما من أنواع البلايا . فإنه إذا قابل بين نعم الله عليه التي لا يحصى لها عد و لا حساب , و بين ما أصابه من مكروه , لم يكن للمكروه إلى النعم نسبة .
بل المكروه و المصائب إذا ابتلى بها العبد , و أدى فيها وظيفة الصبر و الرضى و التسليم , هانت وطأتها , و خفت مؤنتها , و كان تأمل العبد لأجرها و ثوابها و التعبد لله بالقيام بوظيفة الصبر و الرضى , يدع الأشياء المرة حلوة فتنسيه حلاوة أجرها مرارة صبرها .
7- و من أنفع الأشياء في هذا الموضع : استعمال ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح حيث قال : " انظروا إلى من هو أسفل منكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه اجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم " { رواه البخاري و مسلم }, فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل , رآه يفوق جمعا كثيرا من الخلق في العافية و توابعها , و في الرزق و توابعه مهما بلغت به الحال , فيزول قلقه و همه و غمه , و يزداد سروره و اغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها .
و كلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة و الباطنة , الدينية و الدنيوية , رأى ربه قد أعطاه خيرا كبيرا و دفع عنه شرورا متعددة , و لا شك أن هذا يدفع الهموم و الغموم , و يوجب الفرح و السرور .
فصل
و من الأسباب الموجبة للسرور و زوال الهم و الغم : السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم , و في تحصيل الأسباب الجالبة للسرور و ذلك بنسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يمكنه ردها , و معرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث و المحال , و أن ذلك حمق و جنون , فيجاهد قلبه عن التفكر فيها و كذلك يجاهد قلبه عن قلقه لما يستقبله , مما يتوهمه من فقر أو خوف أو غيرهما من المكاره التي يتخيلها في مستقبل حياته , فيعلم أن الأمور المستقبلة مجهول ما يقع فيها من خير و شر و آمال و آلام , و أنها بيد العزيز الحكيم , ليس بيد العباد منها شئ إلا السعي في تحصيل خيراتها , و دفع مضراتها و يعلم العبد أنه إذا صرف فكره عن قلقه من أجل مستقبل أمره , و اتكل على ربه في إصلاحه , و اطمأن إليه في ذلك إذا فعل ذلك اطمأن قلبه و صلحت أحواله , و زال عنه همه و قلقه .
9- و من انفع ما يكون في ملاحظة مستقبل الأمور : استعمال هذا الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به :" اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري , اللهم أصلح لي دنياي التي فيها معاشي , اللهم أصلح لي آخرتي التي إليها معادي , و اجعل الحياة زيادة لي في كل خير , و اجعل الموت راحة لي من كل شر" {رواه مسلم}.
و كذلك قوله : " اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني على نفسي طرفة عين , و أصلح لي شأني كله , لا إله إلا أنت " { رواه أبو داود بإسناد صحيح }.
فإذا لهج العبد بهذا الدعاء الذي فيه صلاح مستقبله الديني و الدنيوي بقلب حاضر , نية صادقة , مع اجتهاده فيما يحقق ذلك , حقق الله له ما دعاه و رجاه و عمل له , و انقلب همه فرحا و سرورا .
فصل
10- و من انفع الأسباب لزوال القلق و الهموم إذا حصل على العبد من النكبات : أن يسعى في تخفيفها بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر , و يوطن على ذلك نفسه , فإذا فعل ذلك فليسع إلى تخفيف ما يمكن تخفيفه بحسب الإمكان , فبهذا التوطين و بهذا السعي النافع , تزول همومه و غمومه , و يكون بدل ذلك : السعي في جلب المنافع , و في دفع المضار الميسورة للعبد .
فإذا حلت به أسباب الخوف , و أسباب الأسقام , و أسباب الفقر و العدم لما يحبه من المحبوبات المتنوعة , فليتلق ذلك بطمأنينة و توطين للنفس عليها , بل على أشد ما يمكن منها فإن توطين النفس على احتمال المكاره يهونها و يزيل شدتها , و خصوصا إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره , فيجتمع في حقه توطين النفس مع السعي النافع الذي يشغل عن الاهتمام بالمصائب , و يجاهد نفسه على تجديد قوته المقاومة للمكاره , مع اعمتاد في ذلك على الله و حسن الثقة به , و لا ريب أن لهذه الأمور فائدتها العظمى في حصول السرور و انشراح الصدور , مع ما يؤمله العبد من الثواب العاجل و الآجل , و هذا مشاهد مجرب , و وقائعه ممن جربه كثيرة جدا .
فصل
11- و من أعظم العلاجات لأمراض القلب العصبية , بل و أيضا للأمراض البدنية : قوة القلب و عدم انزعاجه و انفعاله للأوهام و الخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة ; لأن الإنسان متى استسلم للخيالات ; و أنفعل قلب للمؤثرات : من الخوف من الأمراض و غيرها , و من الغضب و التشوش من الأسباب المؤلمة , و من توقع حدوث المكاره و زوال المحاب أوقعه ذلك في الهموم و الغموم و الأمراض القلبية و البدنية , و الانهيار العصبي الذي له آثاره السيئة التي قد شاهد الناس مضارها الكثيرة .
12- و متى اعتمد القلب على الله , و توكل عليه , و لم يستسلم للأوهام و لا ملكته الخيالات السيئة , و وثق بالله و طمع في فضله – اندفعت عنه بذلك الهموم و الغموم , و زالت عنه كثير من الأسقام البدنية و القلبية , و حصل للقلب من القوة و الانشراح و السرور ما لا يمكن التعبير عنه , فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام , و الخيالات الفاسدة و كم أثرت هذه الأمور على قلوب كثير من الأقوياء , فضلا عن الضعفاء , و كم أدت إلى الحمق و الجنون ! و المعافى من عافاه الله ووفقه لجهاد نفسه لتحصيل الأسباب النافعة المقوية للقلب , الدافعة لقلقه , قال تعالى : (و من يتوكل على الله فهو حسبه )
{الطلاق:4} أي كافية جميع ما يهمه من أمر دينه و دنياه .
فالمتوكل على الله قوي القلب لا تؤثر فيه الأوهام , و لا تزعجه الحوادث لعلمه أن ذلك من ضعف النفس , و من الخور و الخوف الذي لا حقيقة له , و يعلم مع ذلك أن الله قد تكفل لمن توكل عليه بالكفاية التامة , فيثق بالله و يطمئن لوعده , فيزول همه و قلقه , و يتبدل عسره يسرا , و ترحه فرحا , خوفه أمنا , فنسأله تعالى العافية , و أن يتفضل علينا بقوة القلب و ثباته بالتوكل الكامل الذي تكفل الله لأهله بكل خير , و دفع كل مكروه و ضير .
13- و في قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا يفرك مؤمن مؤمنة إ ان كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر" {رواه مسلم} , فائدتان عظيمتان :
إحداهما : الإرشاد إلى معاملة الزوجة و القريب و المعامل , و كل من بينك و بينه علقة و اتصال , و أنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص أو أمر تكرهه ; فإذا وجدت ذلك , فقارن بين هذا و بين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الإتصال و الإبقاء على المحبة , بتذك ما فيه من المحاسن و المقاصد الخاصة و العامة , و بهذا الإغضاء عن المساوئ و ملاحظة المحاسن , و تدوم الصحبة و الاتصال و تتم الراحة و تحصل ذلك.
الفائدة الثانية: و هي زوال الهم و القلق , و بقاء الصفاء و المداومة على القيام بالحقوق الواجبة و المستحبة, و حصول الراحة بين الطرفين , و من لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بل عكس القضية فلحظ المساوئ , و عمي عن المحاسن , فلابد أن يقلق , و لا بد أن يتكدر ما بينه و بين من يتصل به من المحبة , و يتقطع كثير من الحقوق التي على كل منهما المحافظة عليها .
و كثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث و المزعجات على الصبر و الطمأنينة , لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون , و يتكدر الصفاء, و السبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار , و تركوها عند الأمور الصغار فضرتهم و أثرت في راحتهم , فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة و الكبيرة و يسأل الله الإعانة عليها , و أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين فعند ذلك يسهل عليه الصغير , كما سهل عليه الكبير , و يبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحا.
14- العاقل يعلم أن حياته الصحيحة حياة السعادة و الطمأنينة , و أنها قصيرة جدا , فلا ينبغي له أن يقصرها بالهم و الاسترسال مع الأكدار فإن ذلك ضد الحياة الصحيحة , فيشح بحياته أن يذهب كثير منها نهبا للهموم و الأكدار , و لا فرق في هذا بين البر و الفاجر , و لكن المؤمن له من التحقق بهذا الوصف الحظ الأوفر و النصيب النافع العاجل و الآجل .
15- و ينبغي أيضا إذا أصابه مكروه أو خاف منه أن يقارن بين بقية النعم الحاصلة له دينية أو دنيوية , و بين أصابه من مكروه فعند المقارنة يتضح كثرة ما هو فيه من النعم و اضمحلال ما أصابه من المكاره .
و كذلك يقارن بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه , و بين الاحتمالات الكثيرة في السلامة منها , فلا يدع الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة و القوية , و بذلك يزول همه و خوفه , و يقدر اعظم ما يكون من الاحتمالات التي يمكن أن تصيبه , فيوطن نفسه لحدوثها إن حدثت , و يسعى في دفع ما لم يقع منها و في رفع ما وقع أو تخفيفه .
16-و من الأمور النافعة : أن تعرف أن أذية الناس لك و خصوصا في الأقوال السيئة , لا تضرك , بل تضرهم , إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , و سوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تضع لها بالا لم تضرك شيئا .
17- و اعلم أن حياتك تبع لأفكارك , فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا فحياتك طيبة سعيدة , و إلا فالأمر بالعكس .
18- و من أنفع الأمور لطرد الهم : أن توطن نفسك على أن لا تطلب الشكر إلا من الله , فإذا أحسنت إلى من له حق عليك أو من ليس له حق فاعلم أن هذا معاملة منك مع الله , فلا تبال بشكر من انعمت عليه , كما قال تعالى في حق خواص خلقه : (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا ) {الإنسان:9}.
و يتأكد هذا في معاملة الأهل و الأولاد و من قوي اتصالك بهم , فمتى وطنت نفسك على إلقاء الشر عنهم فقد أرحت و استرحت , و من دواعي الراحة أخذ الفضائل و العمل عليها بحسب الداعي النفسي دون التكلف الذي يقلقك , و تعود على أدراجك خائبا من حصول الفضيلة , حيث سلكت الطريق الملتوي , و هذا من الحكمة , و أن تتخذ من الأمور الكدرة أمورا صافية حلوة و بذلك يزيد صفاء اللذات , و تزول الأكدار .
19- اجعل الأمور النافعة نصب عينيك و اعمل على تحقيقها , و لا تلتفت إلى الأمور الضارة لتلهو بذلك عن الأسباب الجالبة للهم و الحون و استعن بالراحة و إجماع النفس على الأعمال المهمة .
20- و من الأمور النافعة : حسم الأعمال في الحال و التفرغ في المستقبل , لأن الأعمال إذا لم تحسم اجتمع عليك بقية الأعمال السابقة , و انضافت إليها الأعمال اللاحقة , فتشتد وطأتها , فإذا حسمت كل شئ بوقته أتيت الأمور المستقبلة بقوة تفكير و قوة عمل .
21- و ينبغي أن تتخير من الأعمال النافعة الأهم , فالأهم و ميز بين ما تميل نفسك إليه و تشتد رغبتك فيه , فإن ضده يحدث السآمة و الملل و الكدر , و استعن على ذلك بالفكر الصحيح و المشاورة , فما ندم من استشار و ادرس ما تريد فعله درسا دقيقا , فإذا تحققت المصلحة و عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين .
و الحمد لله رب العالمين , و صلى الله على سيدنا محمد و على آله و صحبه وسلم.
المصدر : كتاب من تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (رحمه الله )
تحياتي
***10***