الإمام السيستاني رؤية من الداخل
للكاتب عمار البغدادي
الفصـــل الأول
يستند الإمام السيستاني بما لم يسبقه إليه مرجع من قبل ـ إلى قاعدة جماهيرية خلاقة ومليونية تتوزع على مساحات واسعة من مدن العراق ومحافظاته. وتزداد كثافة هذا الوجود كلما أوغل هذا المرجع الذي يتخذ النجف الأشرف منذ أكثر من خمسة وستين عاماً قاعدة ومركزاً لمحيطه الفقهي ودرايته الدينية وسكنه الروحي ونشاطه المرجعي في بحر الجماهير العراقية ومحاولات إخراجها من قمقم العزلة والقوقعة والحصار وظروف الاحتلال إلى الانفتاح على العالم وآليات العصر والمدنية والأخذ بكل الأسباب الموضوعية المؤدية إلى العدالة والأمن والعافية.
ويستند المرجع السيستاني إلى تأييد واسع النطاق من قبل جميع فرقاء الساحة الدينية والوطنية الشيعية والإسلامية في العراق وتحظى فتاواه ومواقفه السياسية من الحرب الأميركية الأخيرة ضد النظام الفاشي السابق وتطورات اللحظة العراقية الراهنة وما يجري من تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وإنسانية متسارعة قبولاً وتقديراً واحتراماً بالنظر لما يمتاز به خطابه من واقعية تحليلية ورؤية مفعمة بالعقلانية والأهم من كل ذلك وضع مصلحة الإسلام والأمة والحرية والكرامة والاستقلال بنظر اعتباره بوصف هذا كله القاعدة التي تتألف منها الكينونة العراقية وموزائيكها البشري والحضاري.
كما يشكّل وجوده المبارك ملاذاً حقيقياً لكل القوى الوطنية والإسلامية التي تجد فيه الموئل والقاعدة الأساسية التي يتأسس على ضوئها البناء الوطني وكثافة معطياته على الأرض بما في ذلك لون النظام السياسي البديل وهي ملاحظة أو كما يسميها الفقهاء وأهل القانون المادة الفقهية التي تلتقي عندها كافة أهداف التعبيرات السياسية للفريق السياسي العراقي الذي يعمل اليوم على إنجاز طبيعة نظام الحكم في العراق بعد سقوط الدكتاتورية ونهاية عصر القمع والجبـروت.
إن الإمام السيستاني يضطلع اليوم وعبـر فتاواه ولقاءاته السياسية مع وفود الأمم المتحدة وتنظيمات وقوى سياسية وطنية وإسلامية عراقية إلى تهيئة الظروف الموضوعية العراقية الجادة لبناء النظام الوطني القادر أولاً على بناء المجتمع الكفؤ الناهض بأهدافه وكفايته الذاتية المتطلع إلى إرساء دولة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية ويستجيب لكافة الشروط والمتطلبات الواجب توافرها في دولة وطنية يفترض أن تقيم نظام العدل بعد أن تم القضاء على دولة الحزب الواحد المتحكم بالحديد والنار بـرقاب الناس.
ويستند الإمام السيستاني إلى تراث فقهي يعد من بين أهم القواعد التي وضعت إلى جانب شقيقاتها من القواعد الفقهية للمرجعيات السابقة إضافات هامة في العلوم التشريعية الإسلامية ومن يتطلع بأبسط قراءة ولو كانت (عابـرة) لفتاوى الإمام في المسائل محط الابتلاء الشخصي للإنسان المؤمن ولغة إجاباته (دام ظله) على الأسئلة التي كانت وردته وترده باستمرار من قبل أبنائه من الجاليات العربية والإسلامية التي تعيش في بلدان الاغتراب يلحظ جزالة المعنى ودقة العبارة ووعيه لخلفيات المسألة الشرعية ودرايته بالأوضاع والوقائع الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية والقضائية في بلدان الاغتراب.
وفي هذا الإطار يقدم الإمام رؤية عقلانية تجديدية للإنسان المسلم الذي يعيش في بلدان الاغتراب مؤداها ضرورة القيام بعكس صورة الإسلام والدين الإسلامي الحنيف والفكر والشريعة السمحاء للإنسان والمجتمعات الغربية لكي يحدث الحوار الديني والإنساني ولقائه المفترض بين العالم الإسلامي وجالياته العربية والإسلامية والأديان والطقوس والمفاهيم والسياسات الدينية الأخرى. على أن الإمام يستهدف من وراء هذا كله إيضاح صورة ونموذج الإسلام الحقيقي بمسلميه للعالم المسيحي وشعوبه وقد نجح الإمام في مجمل إجاباته الفقهية وإرشاداته القيادية الأبوية في تأكيد تلك المعاني والإشارات.
إن العديد من الدول الاسكندنافية واستراليا والولايات المتحدة الأميركية وعدداً لا بأس به من دول العالم يعرفون الإمام ومرجعيته الدينية قبل سقوط صدام ودخول القوات الأميركية وظهور هذه المرجعية الدينية بقوة في الشارع العراقي.
فبحكم كثرة ومساحة مقلدي سماحة الإمام في الخارج أمكن التعرف على أبـرز الآراء والمواقف الاجتماعية والسياسية للإمام من قبل هذه الدول وقد أشادت دول عديدة من بينها الدانمارك والسويد وعلى لسان مسؤولين كبار بحرص الإمام السيستاني على جالياته الشيعية وتربيته النبيلة لهم عبـر حظهم على حماية الممتلكات والأسواق والمتاجر الموجودة في تلك البلدان من السرقة والسراق وعدها ممتلكات لا يجوز التلاعب بها بل أكد الإمام في وقتها على (النهي الشديد) من مغبة التطاول على الممتلكات هذه كونها لا علاقة لها بما يتحدث به المسلمون في تلك البلدان من أن هذه المتاجر غير مسلمة ولا تتعامل بالأصول الشرعية في بيعها وشرائها كذلك دعوة الجاليات المسلمة إلى التقاضي في المحاكم الغربية والدعوة إلى احترام أهل الكتاب وتوقير تقاليدهم وأعرار تقاليدهم وأعرا به الدين الإسلامي الحنيف أتباعه ونهاهم عن الإساءة مهما كانت.
لقد كانت تأثيرات سياسات الإمام وأخلاقياته في الغرب لها انعكاسات مهمة في مسيرة التعرف على شخصيته الدينية ومواقفه كمرجع أعلى للطائفة الشيعية فيما بعد ولعّل القوى السياسية المهمة كالولايات المتحدة الأميركية كانت تدرك مكانة الرجل المهمة الاستراتيجية تلك حين أصبح شغلها الشاغل بعد سقوط النظام كيفية التعاطي مع مرجعية السيستاني الفقهية وحيازة رضاه والحرص على لقائه ومحاولة الانضواء تحت (عبائته) لاستحصال الشرعية!!. ولا نعتقد أن هناك مرجعية دينية قادرة على تثوير الشارع العراقي وتهدئته والتحكم بأزرار قوته وتوجيه مساره وتفعيل حركته السياسية والعقائدية كمرجعية الإمام السيستاني مع تقدير جهود كل المرجعيات الدينية المتنورة في العراق.
ولهذا السبب توجهت الأنظار في الغرب وفي الولايات المتحدة الأميركية لمحاولة فهم هوية الرجل والدخول في صميم مداركه ومواقفه ودواخل شخصيته وتحليل حركته ونظرياته في العمل وعقد المقارنات بينه وبين بقية الشخصيات الدينية والسياسية في الساحة العراقية. وفي هذا الصدد كتب الكثير وارتفع صوت البعض من هذه الكتابات في الغرب مطالباً بضرورة تحريك كل مسارات الضغط على الرجل السبعيني في النجف الأشرف لكي (يستقيم على الطريقة) بعد أن لمسوا في شخصيته وسمات حركته ما لا يدل على ذلك!!.
إن أدنى مطالعة لمجمل آراء وتوجهات كتابات كبار المحللين الأميركيين والبـريطانيين على وجه الخصوص تظهر مقدار الأهمية الاستراتيجية التي يوليها هؤلاء الكتاب لمواقف الإمام السيستاني المرجعية في الساحة العراقية.
إنهم يعتقدون أن الإمام هو المسؤول عن مجمل النشاط السياسي القائم على رفض الاحتلال والمطالبة بخروج القوات المحتلة من أرض العراق وإنشاء مجلس وطني منتخب من قبل الغالبية العظمى من أبناء الشعب العراقي ويعتقد كذلك بضرورة إجراء انتخابات مليونية حقيقية بإشراف دولي يستطيع العراقيون أن يعبـروا فيها ومن خلالها عن أهدافهم الوطنية وأمانيهم في التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية ومن لا شرعية السلطة البائدة إلى شرعية الدستور المكتوب بالأيدي العراقية والقائم على شرعية الأمة وممثليها المؤهلين إلى كتابته وبلغته الدستورية التي لا تسقط حقاً من حقوق الشعب العراقي ولن تقيم أود باطل ما دام نبض الأمة لا يزال مستمراً بدفق أكبـر تؤصله في ذلك تضحيات أبناء العراق وتاريخ طويل من الكفاح والمقابـر الجماعية وقتال الشرفاء.
ويعتقدون كذلك أن الإمام لديه سلطة أكبر من سلطات الإدارة المدنية الأميركية وسلطات الصيغ السياسية التي تشكلت بعيد انهيار النظام في 9/4. وأنّ تلك السلطة المرجعية قادرة على الضغط وبقوة من أجل تحقيق مطالب الناس وينصح عدد من الكتاب البـريطانيين إلى عزل مرجعية الإمام السيستاني عن محيط الجماهير المسلمة في العراق.
لأن السيستاني لا يطالب بدولة ليبـرالية يحدد شروطها وسقف خصائصها حاكم مدني واتجاهات وألوان سياسية باهتة في مجلس الحكم ومستشارون غرباء لا علاقة لهم بالشعب العراقي وخصوصياته الفكرية والعقائدية والثقافية والروحية بل يطالب بدولة تكون منسجمة مع واقع الناس ووقائع الحياة العراقية وتنهي مسرحية تحويل العراق إلى (علف لحروب قذرة) قادتها السلطات السابقة داخل العراق وخارجه لغرض تحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن مصالح العراقيين وأمانيهم في الحياة الحرة الكريمة.
إن المتابع لمجمل كتابات السياسيين في الغرب والولايات المتحدة الأميركية يلحظ الأهمية التي يولونها هم وعدد كبير من مراكز الدراسات الاستراتيجية للإمام ومرجعيته ويسبغون أوصافاً وتعريفات غاية في الدقة وفي أحيان كثيرة بعيدة عن الواقع على حركته ومديات تأثير مرجعيته في وقائع الأزمة السياسية المتفاقمة في البلاد لكن يجب أن ننتبه (وهذا ما سيلاحظه القراء في الكتاب) إلى أن بعض الكتاب الغربيين يحاولون تحميل الإمام ما لا تحتمله حركته السياسية والروحية وبالتالي الإيحاء وكأن الإمام هو المسؤول عن تفاقم الأزمة وليس استمرار الاحتلال وما يولده يومياً من انعكاسات حقيقية على الشارع والمؤسسات وحتى يوميات العراقيين.
إن الخبث في الخطاب الإعلامي والسياسي لعدد من الكتاب الغربيين واضح هنا وضوح الشمس هدفه إفساد الحياة السياسية العراقية وتأليب الأجواء ضد المرجع وموقع النجف من الأزمة العراقية ومحاولة إبعاد المرجعية الدينية ودورها الأبوي عن الدخول في صلب القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفي المقدمة القضية الكبـرى المتمثلة في العمل على إنهاء الاحتلال وخروج القوات الأميركية وإقامة الحكومة العراقية عبـر الانتخابات الديمقراطية وبإشراف الأمم المتحدة.
إن هذا الكتاب أخذ على عاتقه تتبع أهم الأدوار السياسية التي تقوم بها مرجعية الإمام السيستاني وتؤديها بمهارة وقدرة فائقة في أجواء عراقية حرجة وفي ظل وجود أساليب ومحاولات تستهدف اغتيال البلاد وتصفية كل العناصر الفاعلة والحيوية والمؤثرة وإسقاط العراق كوطن وموقع ودور وحاضرة في أتون المواجهات العرقية والقومية والفتن والحروب الأهلية وجره إليها جراً رغم أن تلك المحاولات فشلت في تحقيق أهدافها بفعل مواقف وعمل المرجعيات الوطنية في البلاد وفي مقدمتها الإمام السيستاني دام ظله.
كما أن هذا الكتاب سيناقش نصوص كبار الكتاب والسياسيين الغربيين والأميركيين التي سلطت الضوء وبتباين واضح على مرجعية الإمام وهدفنا في ذلك إدراك موقع المرجع في الحركة السياسية الغربية وأهميته المتزايدة في صناعة القرار العراقي والأهم من كل ذلك إدراك أن الإمام يمثل (رأس الشاقول) في كل الذي يجري، بكل ما تختزنه تلك المفردة من اعتدال ووسطية وعقل كبير ودراية وخبـرة طويلة في التعامل مع الأوضاع العراقية الحالية.
إن الكتاب سيركز أيضاً على الجهود السياسية الوطنية التي يؤديها ويقوم الإمام بها في إطار تسريع خطوات نقل الحاكمية والسلطة للشعب العراقي وتعتبـر تلك المهمة ـ هي المهمة الأولى للمرجع الكبير وفي هذا الإطار سيؤكد الكتاب على النفوذ الواسع للإمام في مجال الحركة الاستقلالية العراقية بما يقدم به نفسه كل يوم وما يحظى به من احترام وتقدير عاليين من قبل الفريق السياسي العراقي في مجلس الحكم والقوى السياسية الأخرى خارجه وفي المحيط العربي والإسلامي والدولي.
أن الكتاب سيلاحق وجهات نظر الإمام السيستاني السياسية المتعلقة بأحوال العراق الحالية وكيفية رؤية العراق المستقل. أنها أول إطلالة من زاوية النظر لتطلعات مرجع كبير كالإمام السيستاني على العراق الدستوري ـ الديمقراطي ـ التعددي وعلى العراق الذي ينوء بحمولات ثقيلة في الراهن وتحديات جسام في المستقبل.
للفصل الأول بقية سأحاول نقلها في مشاركات لاحقة لو رأيت من الأخوة الأعزاء مايشجعني على ذلك.