السلام عليكم /
تباينت النظرة تجاه الارتباط بالممرضة على وجه التحديد بين القديم والحديث , فلقد كانت النظرة إلى الممرضة في زمن ٍ ما حادّة ً جدّا ً فكل من تمتهن هذه المهنة فقد جاءت بذلك شيئا ً فريا ً , كون هذه المهنة اتمزجت بلون ٍ يخالف العرف السائد الذي يجعل من صوت المرأة عورة ً ومعرفة اسمها عند الرجال عيبا ً فضلاً عن الدخول في معترك الرجال والحديث معهم يجمعها بهم هدف ٌ واحد وتحت سقف ٍ واحد , فمثل هذه المشاركة في العمل والتعامل مع الرجل مرفوضة ٌ البتـّة في غلبة ٍ واضحة ٍ للنظرة العرفية على النظرة الشرعية , ورغم أنّ هذه النظرة بدأت تخف ّ نوعا ً ما إلا أنـــّها لا زالت متماكسة ً في فكر الكثيرين حتى من طبقة المثقفين منهم , وقد يأخذ هذا السبب النصيب الأوفر من أسباب عزوف الرجال عن الاقتران بالممرضة , ولي هنا وقفة سريعة في شكل نقاط :
1- الجانب الديني يمثـّل محرّكــا ً رئيسا ً في حياة المتدينين وخوف تلويث هذه الحالة الدينية هي الباعث الأكبر لرفض المهنة فضلا ً عن الاقتران بمن يمتهنها , ومنبع الخوف ناشىء ٌ من أنّ هذه المهنة فيها اختلاط بين الرجل والمرأة وتعامل مباشر بين الجنسين مما يثير حفيظة الزوج , وتساوره الشكوك بمدى انضباط العلاقة بين زوجته ومرضاها أو بين زوجته وزملائها في نفس هذا الحقل , وهذه النظرة السوداوية عائدة لعدّة أمور منها :
أ- النموذج السيء المتمثل في الممرضات المتجاوزات لأخلاقيات المهنة وضوابطها سواء من جنسيات أجنبية مسلمة أو غير مسلمة أو حتى الممرضات من بنات الوطن .
ب- غياب الثقة بالمرأة عند الرجال لعب دورا ً كبيرا ً في تأصيل هذه النظرة .
جـ - قد تساعد أنظمة المؤسسة الصحية التي تعمل بها هذه الممرضة من رفع حالة الأمان أو خفضها تبعا ً لما تضمنه لها من حقوق ومحافظة على خصوصيتها , وأقصد بهذه الجزئية هو أنّ بعض المؤسسات الصحية بما تتضمنه أنظمة العمل فيها تعطي درجة كبيرة من الاطمئنان لوجود هذه الممرضة ضمن هذه المنشأة , بينما تجد مؤسسات صحية أخرى انظمتها على الورق فقط , ولا تضمن أي حقوق أو محافظة على أي ٍ من الخصوصيات , مما يجعل ولي أمر هذه المرأة غير مستقر .
د - قد توجد الثقة في المرأة , ولكن غياب الثقة بالمحيطين تخلق حالة الخوف والقلق وعدم الارتياح , ولذا قد يشترط بعضهم على هذه الممرضة ترك وظيفتها بعد الزواج خصوصا ً إذا كان مقتدرا ً ماديا ً .
2- الوعي الاجتماعي بقيمة الممرضة , وتعريف المجتمع بمتانة الدور الذي تمثلّه في خدمة مجتمعها بصفتها أنـّها هي ابنة الوطن , تخدم أبناء جلدتها , ومحاولة إعادة صياغة النظرة الضبابية التي تتمثل في كون الممرضة امرأة ً تتعاطى مع الرجال وحسب , فهي تلك المرأة التي خرجت مع المصطفى صلى الله عليه وآله في غزواته , وضمـّدت جراح المقاتلين , فكانت مجاهدة ً بخدمتها للمجاهدين , وتحتاج إلى من يدعم ثقافة تصحيح الأخطاء لا الهروب منها , وأقصد من ذلك , إذا كان ثمـّة أخطاء تمارسها الممرضة في مهنتها , أو تـُمارَس ضدها فلا يعني ذلك أن نتنصل للمهنة ونرفضها , ونبتعد عن الاقتران بمن يمهنتها , ولكن لا بد لنا أن ننادي بكل ما يحفظ لهذه المهنة كرامتها ويبعدها عن تدنيس المدنسين , فإذا لم يقم بهذا الدور بناتنا لنا فمن يقوم به إذنْ ؟! , وإلى متى يكون اعتمادنا على غير بنات وطننا , كم يسر قلبك كرجل عندما ترى أنّ من يمـرّضك هو ابن مجتمعك , وكذلك المرأة كم تسـر ّ عندما تمـرّضها ابنة مجتمعها , أليس هذا حقا ً ؟ , وفي النهاية فالاقتران بأي أمرأة هي قتاعة شخصية , ومن المشاهد مؤخرا ً من يبحث عن الممرضات للزواج بها لهدف ٍ مادي .
3- مسألة العزوف عن الاقتران بالممرضة لطول ساعات عملها قد يأخذ حيـّزا ً لا بأس به , ولكن بشكل عام هناك من يتجاوز كل هذه المسائل إذا ابتنت الحياة على التفاهم , فالرجل يتعين عليه تفهم طبيعة عملها ولا شك أنـّه كان يعلم به سابقا ً .
4- لا أعتقد أنّ هناك برودا ً عاطفيا ً مرتبطا ً بمهنة معينة دون غيرها , فالأمر أولا ً وآخيرا ً يرجع للمرأة نفسها , ولا شك أنّ العمل بشكل عام قد يشغل المرأة عن زوجها ذهنيا ً أحيانا ً , ولكن لا يعني ذلك غياب العاطفة أو برودها .
5- حضور المرأة في جميع الأصعدة يثري الساحات الاجتماعية متى ما تهيأ لها المكان والزمان بما يتوافق مع طبيعتها , ويحافظ على خصوصياتها , ويضمن لها حقوقها , وهذا هو خلاصة نظرتي الشخصية لعمل المرأة بأي حقل من الحقول , فإذا لم تتوفر هذه العناصر , فهي مسئولة عن قراراتها وتحمل ما يترتب عليه من آثار عكسية .
قد يحتاج الحديث عن الطبيبة مساحة أخرى أتمنى أن أجد الفرصة للكتابة عنها لاحقا ً .
أبو إلياس لك كل الشكر والتقدير على اختيارك هذه المادة المهمة .
تحياتي