( الشيخ أحمد الوائلي عميد المنبر الحسيني المعاصر نتاج المرجعية الرشيدة ) 3/3
ـ ( شعر الوائلي ) :
الشعر عند الدكتور الوائلي احد السمات البارزة في شخصيته، فقد تحرك من خلال الشعر على الكثير من القضايا والشؤون السياسية والاجتماعية، وعالجها معالجة إسلامية واعية.
وكان شعر الوائلي مثل خطابته وثيقة من وثائق التوعية الجماهيرية، فحول أحداث العراق الإسلامية كتب عن ثورة العشرين قصيدة رائعة جاء فيها:
[poet font="Simplified Arabic,4,crimson,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
ففي ( الرميثة ) من هاماتنا سـمة=وفي ( الشعيبة ) من أسلافنا نصب
و( العارضيات ) أمجاد مخـلدة=أضحى يحدّث عنها الدهر والكتب
فالجـو طائرة والأرض قنبلة=وبالجهات البواقي مدفع حـرب
وخضت بحراً دماء الصيد ترقـده=وما السفائن إلاّ الضمـدُّ العرب
ثم انجلت وحشود من أحبتنا=صرعى على القاع تسفي فوقها الترب
فذا قوام وكـان الغصن منكسرا=وذاك وجه وكان البدر مـحتجب
وتلك أمّ يلفّ الوجـه أضلعها=على جنين أبوه في العرا تـرب
قد افلت الأمل المنشود فهي على=جمر من الألم المكبوت تضطرب
حتّى احتضنا أمانينا وصار لنا=بين الممالك من جاراتنا لقب
جاء الزعانف من حلف الفضول ومن=أذنابه فأرانا أننا الذنب
أنحى بمنجلـه حصداً وخلّفنا=لا سلّة يجتنى فيها ولا عنب(1)
[/poet]
ويقف الشيخ الوائلي ليكشف زيف التيارات السياسية والفكرية التي أريد لها أن تستوعب الأمة، وكان في وقفته يتحلى بالأفق الواسع والوعي الكبير الذي تميز به، لنستمع إليه وهو يقول :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
والأرض يحكمها رهطٌ وان نزلوا=لا ينسبون إلى ما جدَّ من نظم
لو ساوموني حصيّ َمن تحت أرجلهم=بانجم الاشتراكيين لم أسم
الكاذبين على التأريخ والمثل الغـ=ـراء والعلم والأخلاق والقيم
والحاملين شعار الكادحين وهـم=محض افتراء على العمـال متهم
والمدعين التساوي والسماء لهـم=والأرض والناس أصناف من الخدم
الناب والظفر فحواهم فمـا نبضت=من رحمة بهم يوماً ولا رحم
عقماً لأرحام دنيا الناس إن نسـلت=أمثال أولاء من عرب ومن عجم
[/poet]
ولا يقف الوائلي وقفة المصدوم بما يجري أمامه، لكنه يقف وقفة من يعرف الحل ويشير إليه.
فهو يقول في إحدى قصائده أن الحل يكمن في حكم الله على الارض، جاء في هذه القصيدة التي يبث فيها شكواه إلى الله تعالى ويسأله النصر والحكم الإسلامي:
[poet font="Simplified Arabic,4,sienna,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
رب رحماك ذوَّبتنا الرزايـا=واللظى قد يذوب منه الحديد
كُفَّ نعمى الحكام عنا فإنَّا=نحو هذي النعماء فينا جحود
وأعنّا على الوصول لحكـم=من معانيك ظلـه ممـدود
[/poet]
لم يعرف الشيخ الوائلي الممالأة للسلطات الحاكمة، فعندما سقط النظام الملكي في العراق عام 1958م وتشكلت الجمهورية العراقية، قام عبد الكريم قاسم بتقريب الشيوعيين لدعم سلطته، وقد إستغل الشيوعيون ذلك فقاموا بحملة تخريب كبير في الجوانب الفكرية والتربوية والسياسية، فتصدى الشيخ الوائلي لعبد الكريم قاسم، مخاطباً إياه في قصيدة شجاعة جريئة، مع العلم أن الشيوعيين لم يكونوا يتوانون عن الدفاع عن قاسم، ومهاجمة من ينتقد الحكم، لكن الشيخ لم يضعف في أداء رسالته:
[poet font="Simplified Arabic,4,green,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
وعـاد يزأر في النادي الوديع فتىً=مُفَيهق صوته كالصخر ينـحدر
يحكي البطولات كالصبيان إن ركبوا=عصيَّهم حسبوها الخيـلَ تبتدر
وحوله نفر يروون مـن خدع=له الهدير ليروي أنَّهـم هدروا
وهو الذي كان لا يسطيع من هلع=إن تستقر على أعطافه الأزُرُ
أيام لا نحن في سلم فيمنعنا=ولا بحرب فندري كيف نعتجر
أغراب لا نحن من قيس فتمنعنا=ولا قريش فيحمي رحلنا مضر
مشى لنا، غرباء، لو بساعدهم=لهان، لكنّهم ظلٌّ لمن أمروا
تقسمونا فإغراء لمن رقصوا=رقص القرود وضغط للذي صبروا
[/poet]
وللشيخ الوائلي مواقف مماثلة من حكم عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، الذي تميز بالطائفية المقيتة، فقد قال قصيدته الخالدة في مهرجان الأدباء العرب عام 1965م :
[poet font="Simplified Arabic,4,indigo,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
بغداد يومـك لا يزال كأمسه=صورٌ علـى طرفي نقيض تجمع
يطغى النعيـم بجانب وبجانب=يطغـى الشقا فمرفّه ومضيع
في القصراغنية على شفةِ الهوى=والكوخ دمعٌ في المحاجر يلذع
ومن الطوى جنب البيادر صرّع=وبجنب زق ابـي نؤاس صرّع
ويد تكبّل وهـي مما يُفتدى=ويدٌ تقبّل وهي مما يُقطـع
وبراءة بيـد الطغاة مهانة=ودناءة بيـد المبرِّر تصنـع
ويصان ذاك لأنـه من معشر=ويضام ذاك لأنّه لا يركـع
كبرت مفارقـة يمثّل دورُها=باسم العروبة والعروبةُ ارفع
فتبيّني هذي المهازل واحذرى=من مثلهـا فوراء ذلك إصبع
شُدّي وهزي الليل في جبروته=وبعهدتي انَّ الكواكب تطلع
[/poet]
هذه جوانب من الشخصية الشعرية للدكتور الوائلي عميد المنبر الحسيني المعاصر، وهي تكشف عن الملكات الكبيرة التي يتمتع بها في المجال الأدبي. والحق أن خطيبا يمتلك هذه الموهبة الشعرية المرهفة، لخليق به أن يكون رائد المنبر الحسيني المعاصر وعميده.
ـ ( فترة الخطابة ) :
عندما برز الشيخ الوائلي في عالم الخطابة كانت الفترة التي عاشها تتميز بوجود ثلة من الخطباء الواعين الذي ساهموا في نشر الوعي الإسلامي في مختلف مناطق العراق، وقد تصدوا بشكل مكثف للموجات الإلحادية والمادية والقومية التي كانت مدعومة من قبل السلطات الحاكمة.
لقد كان لهم الدور المشهود في التبليغ الإسلامي، وكان لهم حضورهم الميداني في مدن وقرى العراق المختلفة، فكان الوعي ينتشر حيث حلوا وألقوا خطبهم ومارسوا عملهم التبليغي الحركي.
وفي تقديرنا أن وجود خطباء بارزين لهم مكانتهم وقدراتهم العالية في المجال الخطابي، كان يمثل عامل تحفيز لولادة أجيال من الخطباء الذين يتمتعون بمقدرة وكفاءة في المجال الخطابي. لأن الحاجة إلى التطوير والابداع تصبح ملحة من أجل أن يأخذ الخطيب مكانته في الساحة.
وهذا ما نلاحظه في تجربة الشيخ محمد علي اليعقوبي الخطابية. فقد كان الخطيب الذي يشغل الموقع الأول قبله هو السيد صالح الحلي، الذي كان يمتلك قدرات عالية في مجال الخطابة والتأثير على المستمعين بشكل كبير. وكان الخطباء الآخرون لا يرقون إليه بأي حال من الأحوال. لكن مشكلة السيد صالح الحلي أنه كان قاسياً على من يخالفه الرأي، وقد دخل بقوة في المعركة التي شنت ضد السيد الأمين والسيد أبو الحسن الأصفهاني في موضوع الشعائر الحسينية. وأخذ يؤجج المعركة من على المنبر مستغلاً قدراته الخطابية، مما دفع السيد الأصفهاني إلى تحريم مجالسه إذا أستمر على هذا النحو.
وكانت مشكلة السيد الأصفهاني هي في إيجاد الخطيب البديل الذي يستطيع أن يشغل مكان الحلي، ويستقطب الأضواء منه. وكان البديل هو الشيخ محمد علي اليعقوبي الذي مثّل في زمانه ظاهرة خطابية جديدة، نتيجة ما يتمتع به من علم وثقافة وأدب.. إلى جانب قدرة خطابية عالية مؤثرة في نفوس المستمعين. وقد تمكن اليعقوبي خلال فترة وجيزة أن يكون هو الخطيب المبرز في عالم الخطابة، والبديل الكفؤ للسيد الحلي.
أسدى الشيخ اليعقوبي خدمة كبيرة للمنبر الحسيني وثبت المرتكزات الصحيحة في عالم الخطابة، وكان في زمانه أمير المنبر بلا منازع طوال الاربعينات والخمسينات.
إن اليعقوبي ما كان بإمكانه أن يكون هو الخطيب المطلوب للمرحلة، لو لم يتمتع باللياقات المطلوبة من علم وأدب وبيان. مما يعني أن البديل لا بد أن يكون أفضل من سابقه حتّى يفرض نفسه ومنهجه. وهذه مسألة مسلمة بشكل عام ولا تنحصر في عالم الخطابة.
ربما لم يكن من السهل في الذهنية العامة تصور بروز خطيب يخلف الشيخ اليعقوبي، نظراً للمستوى الرفيع الذي وصل اليه، والذي كان يشير إلى أن البديل أو الخلف لا يمكن أن يأتي بسهولة، ولا بد أن يتمتع بمواصفات عالية تمكنه من الجلوس في درجة اليعقوبي.
لكن المفاجأة كانت كبيرة بظهور الشيخ أحمد الوائلي الذي نال الإعجاب منذ بداية ارتقائه المنبر الحسيني، وكانت طريقته الإبداعية ومنهجيته في الطرح وثقافته الموسوعية، تشير بشكل لا يقبل الشك أنه الخليفة المنتظر للشيخ اليعقوبي. بيد أن الشيخ الوائلي ومع مرور الزمن كان يعطي صورة أخرى أكثر قوة وبريقاً، فلقد كان ينتزع الإعجاب بشكل أكبر مما كان عليه سلفه الشيخ اليعقوبي.
لقد برز الوائلي في فترة زمنية حساسة شهدت سيطرة الاتجاهات المادية على الساحة، وكان المد الشيوعي والقومي لهما تأثير كبير على الثقافة العامة. مما يعني أن مهمة الخطيب ستكون صعبة في عملية التوعية الجماهيرية. لكن الدكتور الوائلي استطاع بفضل كفاءته ومقدرته العلمية من فرض منهجه وسط المجتمع، وتمكن من استقطاب الأضواء بدرجة ملفتة للنظر، وكان منبره مدرسة متحدية تتناول الأفكار المادية بالنقد والتفنيد وفق منهج علمي موضوعي.
لم يمر الشيخ الوائلي بفترة طويلة من أجل أن يصل إلى القمة الخطابية، فإن الفاصلة بين انطلاقته وبين تربعه على قمة هرم الخطابة كانت وجيزة جداً، بحيث يمكن لنا أن نقول أن الوائلي ظهر منذ بدايته كبيراً، ثم سرعان ما صار لامعاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية :
(1) من قصيدة للوائلي في رثاء السيد عيسى آل كمال الدين من رجالات ثورة العشرين.