( الوائلي نجم في حياتي )
حسن الشيخ علي المرهون
على مر العصور ومن بين طيات السنين عادة ما تأتي الأيام بنجوم من البشر تزدان بهم الحياة كما تزدان السماء بنجومها. هؤلاء النوعية من البشر جل همهم العطاء فهم كورد البساتين وكنور الصباح، وهم ربيع الأمم وعطرها والعبير. والشيخ الوائلي واحد من هؤلاء النجوم التي ازدانت بهم الحياة فهو صوت الحسين يخترق الزمان ويأتي كنجما ساطعا يبدد الظلام. نجم هيأه الله كي يضيء لنا الدرب ويفجر لنا العشق لآل محمد ( ص)، فكان شيخ شباب القرن الماضي من الهجرة وشباب شيوخ هذا القرن.
كان هذا النجم يرافقني منذ الصغر عبر الكاسيتات، كان يثير اهتمامي في قضايا شتى، كان السبب الأول الذي شجعني على البحث ورصد الحقائق، كان له دور كبير وهام في حياتي وفي رؤيتي للماضي وللحاضر وفي تتبعي للأحداث التاريخية.
لقد ساهم هذا الرجل وبشكل كبير في رسم الخارطة التاريخية والنظرة الشمولية لمجرى الأحداث في ذهني.
كنت أجد نفسي في الوطن وأنا في الغربة وأنا اسمع لمحاضراته في كل ليلة تقريبا وأجد نفسي أتنقل في دهاليز التاريخ وممرات الزمن، واجد سعادة فائقة وأنا استمع له وهو يشرح الآيات بتفاسير متعددة، كنت أعيش في رحاب محاضراته وأنا في غرفتي الصغيرة في بلاد الغرب وكأنني وسط حرم جامعي مترامي الأطراف فقد كانت مدرسته ترفع شعارات كريمة كنت آنس لها كثيرا، كنبذ العنف، ومحاربة التفرقة، وإحضار العقل في كل صغيرة وكبيرة، وان لا ضير في فهم النص القرآني بمفاهيم متعددة إذا كانت تعتمد على الدليل ولا خوف في اختلاف المنهج ووجهات النظر إذا ما كانت تستند إلى مناشيئ علمية.
كان يسحر الألباب وهو يقلب صفحات التاريخ ويربط بين الأحداث، كما كانت له صولات وجولات في تبيان أهمية الدور الذي لعبه آهل البيت للحفاظ على رسالة النبي محمد (ص) وما عانوه لأجل ذلك.
كانت طريقته في قراءة الشعر رائعة جدا جعلتني اعشق الشعر وأقلده في إلقائه، كانت تأسر فيﱠ كل جنان كما كانت مصدر لتنمية الإحساس وتذوق الجمال.
<span style='color:sienna'> كانت سعادتي لا توصف ذات يوم -قبل أكثر من عام ونصف- عندما رفعت سماعة التلفون في بيتنا ووجدت الشيخ الوائلي على الطرف الآخر يطلب التحدث لوالدي، أجبته من المتحدث: أجاب وبكل تواضع "أحمد الوائلي"، فهذا الذي كنت استمع له لساعات طوال من خلال جهاز المسجل هاأنا الآن أتحدث معه مباشرة وعبر التلفون. لقد كنت سببا لسعادتي يا أيها الوائلي في الكثير من أوقاتي، وهكذا النجم ينبغي أن يكون متألقا ومصدرا للسعادة والاستفادة.
وعندما سمعت خبر وفاته يوم الاثنين الموافق: 14 /7/2003م، حزنت كثيرا، وفي الليل وكعادتي كل ليلة أتحدث مع والدي عما يستجد من أحداث وقد نقلت له خبر وفاة الوائلي كأي خبر آخر وقد غاب عني في تلك اللحظة عمق العلاقة بينه وبين أبي. لقد ترك هذا الخبر حزنا كبيرا على ملامح وجه أبى وسقطت دمعة من عينيه وأخذ يردد قوله تعالى : (( إنا لله وإنا إليه راجعون )) . تركته وهو يقرأ آيات من الذكر الحكيم.</span>
نعم لقد حزنت على الوائلي عندما سمعت الخبر وحزنت مجددا على حزن أبي عليه.
تغمدك الله بواسع رحمته، فقد كنت يا أيها الوائلي صوتا للحسين صارخا، وقلبا لتعاليم محمد حاويا، وكنت فارسا شهما، تذود عن حياض أهل البيت وكراماتهم. وكنت بحق فكرا عملاقا ومدرسة متميزة. وكانت مسيرة حياتك مليئة بالعمل والعطاء، لقد كنت أيها الوائلي شمعة تضيء لنا الدرب بنور الحسين لقد كنت لي وللكثيرين نبع ماء نعود لمعينه عندما يستبد بنا العطش.
الشيخ الوائلي من أولئك البشر الذين كتب عليهم أن يعيشوا خارج بلادهم لكنه عندما عشق تربة بلاده بادلته الأوطان هذا العشق فرفضت هذه التربة أن يدفن جسده الطاهر إلا فيها، فكما كان وفيا للنجف كانت النجف وفية له، وكأنما الدنيا بقضها وقضيضها بذلت الجهد لكي يتحقق بيت شعر قاله منذ أكثر من نصف قرن:
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
وادي الغري وحق رملك وهو = أشتاقه في غدوتي ومسائي
[/poet]
الى أن يقول:
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
فلديك أصلي والفروع وأنني = أنا لاحق بهما بدون مراء
[/poet]
أيها الوائلي ستظل في ضمائر الأمة والعقول كالنجم يصل نوره إلى أعماق المستقبل وان غيبك الثرى لأنك قبس من نور الحسين ولأنك قلت في رسالة للحسين :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
دأبت أزورك في كل عام= والثم تربك يا ابن النبي
ويا ابن علي ويا ابن البتول = ويا ابن ذرى المجد من يثرب
[/poet]
بدموع سواجم نودعك يا خادم الحسين يا من تركت بصمات من الكرامة ومن الثقافة والفكر في وجدان الأمة ومسير الإنسانية. دعني أودعك أيها الراحل عنا بقولك لأنه الأبلغ وأنت تؤبن أستاذك الشيخ محمد رضا المظفر رحمه الله عام 1964م :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
تغيبت عنا وحاشا أن تموت فما=يموت فكر ولا يغتاله اللحد
لا يأكل الترب روحا منك خالدة=بل كل ما للترب الشلو والجسد.
[/poet]
( عن موقع قطيفيات )