عرض مشاركة واحدة
قديم 05-09-2003, 05:00 AM   رقم المشاركة : 19
الهدهد
طرفاوي نشيط
 
الصورة الرمزية الهدهد
 





افتراضي

عُذراً... يا فارسَ الكلمة
بقلم السيد عبد المحسن الموسوي


<span style='color:darkblue'>قَدَره منذ النشأة إنّه مسكون بوجوب تصيّد جمال الكلمة.
نورانيّةٍ لا يخبو وهجُها، مُلتهبة لا تبردُ حرارتُها، جسّت شُغافَ قلبهِ، بسُهدٍ وتعب، فغنّى بها بوجعٍ لا ينتهي.
تفاءل أبوه الشيخ حسون بكتاب الله لاختيار إسم وليده، فاشرقت الآية بنور ربها {..ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد...}، فاطمئنت أسارير الوالد ووقع الاختيار، فتلك مشيئة الله تعالى أن يولد أحمد في ذكرى محمد(ص) في ربيع الأول سنة 1347هـ.
وكما هيأت الأقدار اسمه، هيأت محضنه في رحاب عليّ "الذي ينحدر عنه السّيل ولا يرقَى إليه الطير".
درج الوليد في فلك يدوي عند كيان ضخم لا يضمّه قبر، ولا تحدّه جهات...
فاستمرأت طفولته عبيرَ الإيمان، وتنفست نسائم الولاء
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
« بلد الفصاحة والسماحة والندى =ومعرّس الابرار والفقهاءِ
صنعته مدرسةُ الوصيّ ونوّعـت= ملكاتهِ وبنته خيْرَ بناءِ»
[/poet]
وشبّت تلك النفس الطموح عن الطوق فإذا هي هوىً ومهوىً لتحصيل علوم العربية والفقه والأصول.
فظهرت عليها مُبكراً إمارات نبوغ الخطابة ثم أمتلكت أدوات تعبيرها من صرف ونحو وبلاغة وشعر، وراحت ترعاها أيادي الخطباء الكبار، أمثال الشيخ محمد علي اليعقوبي وسميه القسّام.
وراح الفتى الوائلي ينشد الشعر بلسانيه: القريض والعامي بأسلوب احتكر القلوب، وشنّف الإسماع، ثم ارتقى في سُلم التصاعد الخطابي، حتى أصبح خطيباً مفوّهاً يشار إليه بالبنان بفترة زمنيّة قياسية، وعندها ألقت الخطابة إليه زمامَها، واسلست قيادها، حتى كان بحق فارسَ مجدها، المشهود له في صولاتها.
انطلقت مسيرة الوائلي الخطابيّة من النجف والكوفة، إلى محافظات العراق الرئيسية كبغداد والبصرة وغيرها، حتى ذاع صيته، وطفقت شهرته في الآفاق. فأطل على الخليج في سنة 1951م ينشر ويرش عطره الخطابي في الكويت وما جاورها من الإمارات.
ولم يهمل الوائلي تحصيله الرسمي فتدرّج فيه حتى تخرّج من كلية الفقه سنة 1962م، ثم أكمل الماجستير برسالته الموسومة (أحكام السجون) وبعدها شفعها برسالة الدكتوراه من كليّة دار العلوم بجامعة القاهرة بأطروحته الموسومة (استغلال الاجير وموقف الإسلام منه)، دأب الدكتور الوائلي عن قصد وتصميم على بلورة منهج خطابته، وتحديد معالم منبره، فكان كما قال: "يستلهم النظرية الصائبة، والمفردة الحيويّة، ليكون منبره موثوقاً في نقله، نقيّاً في مصادره، صائباً جهد المستطاع في تحليله".
فكان مضمونه الخطابي لا يصطدم مع الأسس العقلية، ولا يشطح إلى الخرافة والأسطورة، لذلك جاءت خطبته مملوءة واعية، تحتوي على مضامين، تجلو متلقيها ذهنيا، وتهزّه وجدانياً، تصعد بنخوته إلى ملتهب الوهج الملحمي الحسيني ، ثم تعود به، رويداً رويداً، هادئاً خاشعاً حزيناً يُصغي إلى هدير الدمع من محاجر زينب وبنات رسول الله، ويبكي لما حلّ بهم من قتل وتمثيل وسبي وتشريد.
لقد اختار الوائلي في منهج خطابته طريقاً أكثر وعورة، وأخشن مركبا، فلم يتكلم كيف ما اتفق من دون سابق عناء مطالعات صعبة لمواضيعه، فيوفر لها منهجية البحث، وأسلوب التدرج، حتى يصل إلى عقدة الموضوع بادلة وشواهد، استقاها من مطالعاته الموسوعية من بقية الثقافات الإنسانية الأخرى، فلم يكن الوائلي مغلقاً على ذاته وبيئته، بل فتح نوافذ الثقافات الأخرى على ذاته، ليجعلها واسعة الأفق، متعددة المواهب، متنوعة القراءات.
لقد أدرك الدكتور الوائلي مهمة المنبر الخطيرة وقوته الفاعلة في نفوس الجماهير، لذلك حفلت مواضيعه بقضايانا الكبرى، وعالجتها بعقلية متأملة مُدركة.
لذلك حمل قضية الحسين فكراً وروحاً ومنهجاً ، عمل وكافح وهاجر، من أجل أن تكون تلك القضية ترنيمةً على شفتيه، ونوراً يسعى بين جنبيه، فكان له ما أراد. نَهبت أقدامُه المسافات الطويلة حتى وهنت من المرض العضال، وتقوست كعلامتي استفهام تسأل عن نهاية مشوار حياته ومثواها الأخير، ترجّل الفارس عن صهوة منبره ليبحث عن بقعة مباركة ليقرأ عند ساكنها أمير المؤمنين مجلس عزاء عن ابنه الحسين، فيدرك هناك الثمن الحقيقي لـ"يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً".
تَوسدي ايتها الروح المطمئنة ثرى عليٍّ

[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
« وشقي لها ما بين جنبيك مضجعاً =تنامُ به جنب الوصيّ وتُحشَرُ
وحسْبُ أمانينا رضـىً وكرامـةً =بأن الذي نهفوا لمثواهُ حيدرُ »
[/poet] </span>

 

 

 توقيع الهدهد :

سيبقى الرأيُ الآخرُ المُقصَى
والفكرُ المختلفُ المضايقُ
ملوّحاً لمن سيأتي مادام هناك مساحةٌ من الصوتِ أو حتى الصمتِ .

الهدهد غير متصل   رد مع اقتباس