<span style='font-family:Arial'>رحيل الشمس في وضح النهار
كتابات - د. ضياء المختار
" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي "
رحل عنا الشيخ الجليل شيخ مشايخ المنبر الحسيني العلامة المحقق الدكتور أحمد الوائلي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته انه هو السميع العليم. فلا اعتراض على أمر الله جلت قدرته، ولكن أبهذه العجلة يكون الفراق يا شيخنا الكريم؟ أم أنه الشوق والرغبة الجامحة للرقاد قرب الأمام الحسين "ع" هي التي أوصلتك لعراقك الحبيب قبل الرحيل الأبدي بأيام معدودات؟ يصعب علي فهم هذه المفارقة ولكني أخالها وفاءا للوفاء. لقد قضيت عمرك تبك الأمام الحسين "ع" وأبكيت كل من سمعك حتى ولو كان من الجاحدين وقلبه من حجر. أفنيت عمرك في كشف المزيف من التاريخ وإضهار الحقائق الناصعة التي تبين مظلومية أهل البيت عليهم السلام. حاججت الحاقدين والمارقين والمكابرين نصف قرن من الزمان فبرزت من بينهم شمسا ساطعة بددت كل غيوم الضلالة والافتراء التي حاولت النيل من الدوحة المحمدية الطاهرة. وفوق كل هذاوذاك، ومن بين كل أحزانك الحسينية صنعت منبرا خطابيا ثريا جعلته مدرسة لكل من عاصرك. فاقتفى أثرك الكثير من المحدثين، فكنت المجدد الحقيقي لهذا المنبر الخالد ونلت باستحقاق ما بعده استحقاق لقب عميد المنبر الحسيني.
لقد مسحت عن هذا المنبرغبار الزمان وكسحت المتفيقهين المرتزقة من على خشبته فلم يعد لهم عليه مكان. كنا نستمع إليك وأنت تحارب كل أنواع الشعوذة من مخلفات القرون المظلمة التي كانت ترتكب باسم المنبر الحسيني فتدخل في نفوسنا الأمل والاطمئنان لمستقبل هذا المرفق العريق. لقد حاربت التطبير والزنجيل واللطم الاستعراضي وتحملت في سبيل ذلك شتى الأراجيف والأقوال ولكنك ثبت طودا شامخا تعلم الأجيال كيف يكون الولاء الصحيح للإمام الحسين"ع". ولم يكن ولائك للمنبر الحسيني ووفائك له بالقول فقط بل عشت ثائرا حسينيا تقارع ظلم الطغاة رغم تقدمك في السن، فلم تكن عميدا للمنبر الحسيني فقط بل شيخا للثائرين السائرين على درب الأمام الحسين "ع ". ووفاءا لهذا الوفاء شاءت قدرة رب العالمين أن ترقد قرير العين قرب التربة الحسينية الطاهرة في البلد الذي حملت همومه طوال ربع قرن من الزمان.
حزني أنك رحلت في وضح نهار العراق بعد أن بُدِدَت دياجير الظلام. لن أنسى لك المتعة الفكرية التي كنت أعيشها وأنا استمع إليك وأنت تلقي خطبك الحسينية الرائعة في مجلس سوق الخظارة في البصرة. يومها كنت شابا يافعا وفي أمس الحاجة لكي أعرف المأساة الحسينية بشكلها الصحيح، ومن يومها كان المجلس الحسيني يعني لي الشيخ الوائلي وكان الشيخ الوائلي يعني لي المجلس الحسيني فلم أرغب بسماع أحد غيرك من بعدك. فسلام لك من نفس حزينة لفراقك فخورة بانجازاتك.
***10***
مريم نور الصغيرة</span>