عرض مشاركة واحدة
قديم 22-08-2003, 07:55 PM   رقم المشاركة : 9
ديك الجن
شاعر قدير
 
الصورة الرمزية ديك الجن
 






افتراضي

المكتبة المتنقلة.. انتقلت الى وجدان الأمة
الشيخ الوائلي: ثلاثة أرباع قرن من العطاء



<span style='color:blue'>
غرفت القليل من بحر علم العلاّمة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي منذ حداثة سني، حتى قدّر الله لي وظيفة أملت عليّ أن أتعامل بالمراقبة الدقيقة مع محاضرات "عميد المنبر الحسيني"، وكان الخير في ما قدّر رب العالمين، إذ اكتشفت عظمة هذا الإنسان الذي لا يحد علمَه مثلي، ولكنني استطعت أن أعي بعض الخطوط العلمية العامة لهذه الشخصية الفذة.
وها أنا أستغل مناسبة عروجه الى بارئه لأقدم بعض تلك الملامح، علّني أفيه بعض ما أكن له، ولعلّ الذكرى تنفع القارئين.
</span>

حياته ونشأته

<span style='color:indigo'>
ولد أحمد بن الشيخ حسّون بن سعيد الوائلي في النجف الأشرف سنة 1347هـ/ 1928م. وشاءت عناية الله أن يولد في السابع عشر من ربيع الأول، الذي يصادف ذكرى ولادة رسول الله الأعظم (ص) وحفيده صادق أهل البيت (ع)، فسمّاه أبوه "أحمد" من دون تردد ولا تأمل.
لم تكن عائلته المعروفة بأسرة "آل حرج" مشهورة مثل العائلات العلمية الكبرى في النجف مثل: آل المظفر، آل بحر العلوم، آل كاشف الغطاء.. وغيرهم. ولكن فقيدنا الكبير هو الذي جعل اسم أسرته لامعاً بما اكتسبه من علم ومعرفة أهّلاه لينال شهرة واسعة.
كان والده "خطيباً غير مشهور، كما أنه قليل القراءة، لأنه دخل ميدان الخطابة وهو في منتصف عمره".. كما يقول فقيدنا الذي تردد على مجالس الخطباء المعروفين ليتتلمذ عليهم، كما أوصاه والده.
هذه العوامل مضافاً إليها بيئة النجف العلمية، أثّرت على حياة الطفل أحمد، فولج ميدان الخطابة في سن مبكرة جداً كما يقول هو، وكان عمره نحو عشر سنوات أو أكثر بقليل.
يقول بعض الكتّاب إنه خلافاً لسائر الخطباء، دخل عالم الخطابة كبيراً وليس صغيراً، ولمع فيه نظراً لما يتمتع به من ميزات وقدرات.
تابع دراسته الحوزوية وتوغل فيها، وقرأ مقدمات العلوم على يد أساتذة الحوزة البارزين. ولم يكتفِ بذلك بل تابع دراسته الأكاديمية العليا حتى حصل على الماجستير من جامعة بغداد بأطروحته: "أحكام السجون في الشريعة الإسلامية"، ثم أكمل الدكتوراه في كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، فنالها بأطروحته: "استغلال الأجير وموقف الإسلام منه".
</span>

عميد المنبر الحسيني

<span style='color:firebrick'>
احتل الدكتور الوائلي مركزاً مرموقاً منذ منتصف القرن العشرين، وتربع على مركز الصدارة في الخطابة الحسينية حتى استحق عن جدارة لقب "عميد المنبر الحسيني" من دون منازع. ولم يتمكن الخطباء الآخرون من مجاراته في قدراته الخطابية والفكرية والأدبية، فهو صاحب مدرسة مستقلة خاصة لها أسلوبها الرائد ومنهجها الفريد، لذلك كانت نادرة في عطاءاتها وأبعادها، ما جعل الخطباء من بعده يسيرون على نهجه ويقتبسون من شعاع مدرسته. فأخذ الكثيرون يقلدون حركاته ويجارون نبرة صوته، وما ذلك إلا دليل على عبقرية هذا الخطيب الفذ.
إضافة الى "عمادة المنبر"، اشتهر الشيخ الوائلي بأنه شاعر مرهف وأديب مبدع وداعية كبير، حمل هموم أمته ودعا الى الذود عنها في وجه الاستكبار والاحتلال، وحرض المجاهدين بشعره وخطبه على المقاومة والتصدي لمشاريع الاستعمار وعدوانه.

لقد تمكن الشيخ الوائلي من تبوّؤ هذه المكانة الرفيعة لأسباب أربعة:
1 ـ تتلمذه على ثلة من العلماء الكبار أبرزهم الشيخ محمد رضا المظفر، ومجموعة من خطباء المنبر البارزين.
2 ـ نشوؤه في بيئة النجف الأشرف المعروفة بتراثها العلمي والأدبي.
3 ـ تحصيله الأكاديمي العالي، الأمر الذي أغنى شخصيته العلمية بالدراسة الحوزوية والدراسة الجامعية الحديثة.
4 ـ ملكاته الخاصة وذكاؤه الفطري وشخصيته المبدعة.
</span>

آثاره

ترك الشيخ الوائلي ثروة علمية لا تقدر ضمت آلاف المحاضرات المسجلة ومئات الأبحاث، وعدداً من الكتب المطبوعة، ومنها:
1 ـ أحكام السجون في الشريعة الإسلامية.
2 ـ استغلال الأجير وموقف الإسلام منه.
3 ـ هوية التشيع.
4 ـ إيقاع الفكر.
5 ـ من فقه الجنس في قنواته المذهبية.
6 ـ جمعيات حماية الحيوان في الشريعة الإسلامية.
7 ـ الخلفية الحضارية لموقع النجف قبل الإسلام.
8 ـ تجاربي مع المنبر.
9 ـ نحو تفسير علمي للقرآن الكريم.
10 ـ دفاع عن العقيدة.
11 ـ الأوليات في حياة الإمام علي (ع).
12 ـ ثلاثة دواوين مطبوعة.
هذا الإضافة الى عدة مخطوطات نأمل أن تجد طريقها للنشر.


ملامح فكره

<span style='color:teal'>قد يكون من الصعب الإحاطة بفكر غزير مثل فكر الدكتور الوائلي، لكننا سنحاول وضع ملامح عامة لما خلفه فقيدنا الكبير.
أ ـ المنبر الحسيني: يضع الدكتور الوائلي الإمام الحسين (ع) في وعاء الرسالة الذي يبتعد عن المزايدات والمبالغات، ويستشف من وراء كل تحرك وكل مفردة من مفردات واقعة الطف الهدف الكبير والسر الكامن، وفي الوقت ذاته استجلاء محتويات هذه الواقعة وتقديمها دروساً نستلهمها في مسيرة الحياة.

لذلك سعى مع رفيق دربه الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قده) الى رفع المستوى العام للمنبر بما يليق بصاحبه (ع)، وقالا ان لذلك ثلاث خطوات:
1 ـ تقعيد المنبر: بمعنى أن يصدر عن قواعد وعلم منهجي.
2 ـ إثراء مادة المنبر: بحيث تتنوع مضامين المحاضرات وتلتمس المواد المشوّقة للسامع المفهومة لديه.
3 ـ العمل على الارتقاء بالمنبر حتى يصل الى مستوى مرجع متجول، يرجع إليه الجمهور للتعرف الى كثير مما يهمه في حياته من عقائد وأحكام شرعية.

ورأى ـ رحمه الله ـ أن من أخلاقيات المنبر الحسيني ما يأتي:
1 ـ أن يهدف العمل لوجه الله تعالى قبل كل شيء.
2 ـ الارتباط بالمصلحة العامة والارتفاع بعيداً عن التحول الى مدية بيد فئة أو فرد ضد فئة أو فرد آخر بدوافع شخصية.
3 ـ ارتفاع ممارسة العمل المنبري عن إرضاء العوام على حساب الحقائق والقيم.
ودعا في كتابه القيّم "تجاربي مع المنبر"، الى عدم حصر الحسين في نطاق الدمع والمأساة فقط، بينما هو ثورة على الباطل، ومنهج سلك الشهادة لبناء المجتمع.
ب ـ شبهات حول الإسلام: كان الشيخ الوائلي خصماً عنيداً لأعداء الإسلام من مستشرقين وكتاب غربيين، ممن حاولوا تشويه دين الله والإساءة إليه، ونسبة آراء مغلوطة اليه.
فكان ـ رحمه الله ـ يتصدى لهم بالدليل والبرهان، ولا يكتفي بالأدلة الشرعية الإسلامية المأخوذة من الكتاب والسنة، بل كان يقارعهم بحجج عقلية ومنطقية وعلمية نظراً لدراساته الموسعة واطلاعاته الكثيرة. ومن أهم الشبهات التي فندها: شبهة انتشار الإسلام بالسيف، حقوق المرأة في الإسلام، شبهة وثنية بعض الشعائر الإسلامية، حقوق الإنسان، هل الإسلام دين عنف ودم؟!.. وغيرها.
ج ـ شبهات حول التشيع: وكان بسعة اطلاعه على المذاهب الإسلامية كافة، خير مدافع عن مذهب أهل البيت (ع)، فكان يفند الشبهات الملقاة على التشيع من كتب بعض الكتاب من المذاهب الإسلامية الأخرى، مستعيناً بالأحاديث التي ينقلونها وبآراء علمائهم.
ومن أهم الشبهات التي فندها وأبدع في ذلك: قصة عبد الله بن سبأ، مسألة الإمامة، حياة الخلفاء، العصمة، زواج المتعة، الشعوبية، المهدوية.. وغيرها.
د ـ الوحدة الإسلامية: كان من رواد الوحدة الإسلامية، فدعا "فرق المسلمين الى ان يدرسوا بعضهم بعضاً بروح علمية، وأن يتبينوا الخلفيات المشبوهة التي أدت دوراً كبيراً وما زالت في تمزيق المسلمين. كما دعاهم الى وعي "وحدة المنبع عند المسلمين.. ان القرآن إمامنا والسنة النبوية رائدنا.. لا ينبغي لنا أن نبقى "متفرجين" دون أن نجند الفكر الشريف والقلم النظيف في ميادين وحدة المسلمين".
هـ ـ البحث عن الحقيقة: كان ـ رحمه الله ـ دائم البحث عن الحقيقة، ويأخذها أنّى وجدها من دون تعصب أو هوى.. وكان منهجه "الدليل والبرهان". فكان مثلاً يمدح كل مسلم موضوعي حتى لو اختلف معه في المذهب، وكان يذم كل متعصب حتى لو اتفق معه في المذهب. وكان يدرس رواية معينة فيرفضها إذا بان فسادها، حتى لو كانت تنصر مذهبه.. "إن كل رأي أو اتجاه او استنباط لا ينتهي الى الكتاب والسنّة فهو الى النار ومضروب به عرض الجدار كائناً من كان قائله.. وانطلاقاً من ذلك فأي رأي ينتصر على رأي آخر من مسلم على مسلم لا يعتبر ربحاً لأحد وخسارة لآخر، بل هو نصر للإسلام والحقيقة والعلم.. هذا منطق كل من قال لا إله إلا الله.. أما من يستظل براية الهوى والتعصب ويسلك درب العناد واللجاج فليس من الله ولا من العلم في شيء".
و ـ مقارنة الآراء: تمتاز مدرسة الوائلي بعدم اعتمادها "الجزمية الفكرية" التي تشكل أحد المظاهر السلبية في مجتمعنا. ويتجلى ذلك في محاضراته عندما يفسر آية قرآنية معينة، فيقدم كل الآراء المطروحة في تفسيرها، ولا يجزم بصحة أي من تلك التفاسير إلا في حالات نادرة، وذلك عملاً بمبدأ جواز الاختلاف والاجتهاد، وحق كل شخص في أن يعمل بدليله.
ولذلك يكثر سماحته من استعمال الكلمات التي تفتح المجال أمام المستمع للتفكير مثل: أعتقد، أظن، أتصور.. وغيرها.
وقد ربّى هذه الملكة من خلال سعة تبحره واطلاعه على كل المذاهب، فلم يحصر علمه بمذهب دون آخر، فها هو يقول: "(من) الأمور التي عملتها وأكدت التجارب صوابها، الانفتاح على تراث المذاهب الإسلامية الأخرى والتفاعل معها نقداً وتقويماً بأعصاب هادئة وموضوعية تامة واتباع الدليل.. وقد برهنت لي التجارب أن هذا المنهج مثمر وفاعل".
ز ـ العقل والعلم: كان يستخدم الدليل العقلي والعلمي في كثير من الأحيان، سواء في الحكم على حديث أو رواية أو في الحكم على بعض الآراء.
ح ـ مواكبة العصر: كان دائم الدعوة الى مواكبة حركة المنبر والتجربة الاجتهادية والخطاب الإسلامي، عصرنا الذي نعيش فيه، وما شهده من ثورة علمية ومعرفية.
ط ـ الشيخ الشاعر: يتميز شعر الدكتور الوائلي بفخامة الألفاظ وبريق الكلمات وإشراقة الديباجة، لذلك عُدّ شاعراً محترفاً ومجرباً من الرعيل الأول.
شعره الحسيني يطفح بالحرارة والتأثير ليتناسب مع ما يحتاجه المنبر من شعر سلس مقبول جماهيرياً وأدبياً. وكذلك شعره في مديح ورثاء أئمة أهل البيت (ع).
وتعدى شعره المواضيع الدينية ليتناول المواضيع السياسية والاجتماعية، فهذه قصائده تدعو الى الثورة والمقاومة، كقصائد: حديث فلسطين، سماسرة الحرب، أمتي.. وغيرها.</span>

معاناته

برغم كل هذه المكانة لم يسلم الشيخ الوائلي من بطش النظام الصدامي في العراق، ما أجبره على ترك بلاده ليعيش متنقلاً في بلاد المسلمين وبلاد الغرب، ليرفد الجاليات الإسلامية بالعلوم الإسلامية. وقد فُجع بمآسي شعب العراق، وفُجع باغتيال رفيق دربه الشهيد الصدر، وفُجع بوفاة ولده سمير عام 1999م.. وظل متنقلاً في البلاد مدة ربع قرن، يحمل في قلبه حنيناً الى العراق والنجف، التي عاد إليها لتحتضنه بحنان كبير لن يتيح رحيلاً آخر.


جلال شريم
مجلة الانتقاد اللبنانية
http://www.alintiqad.com/









.
.

 

 

 توقيع ديك الجن :
الدِّيكُ يمتدحُ هديلَ الحمامة؛ لأنَّ الحمامةَ تمتدحُ صياحَ الدِّيكِ .


حكمةٌ لا يهم أن تعرف قائلها !!

.
.
ديك الجن غير متصل   رد مع اقتباس