<span style='font-size:12pt;line-height:100%'> الوائلي .. عميد الدعاة
</span>
ظل المنبر الحسيني طيلة مئات السنين أحد الخنادق الأمامية للدعوة الإسلامية، تدافع من خلاله عن معتقداتها وأفكارها ووجودها، وتحافظ على ترابط نسيجها الاجتماعي وتضامن أبنائها وتكافلهم ووحدتهم. كما توصل من خلاله صوتها الى الآخر، أياً كان هذا الآخر.. الديني، المذهبي، الفكري والاجتماعي. وأهمية المنبر الحسيني تنبع من تعدد أدواره وتكاملها. فهو وإن بدأ مساحة للتعبير عن العواطف والمشاعر تجاه مأساة كربلاء التي أعقبت إعلان الإمام الحسين (ع) حركته التغييرية الإصلاحية الكبرى، إلا أن أهداف هذا المنبر اتسعت وتطورت بمرور الزمن، لتلتحم بأهداف الدعوة والعمل الإسلامي، وليتحول المنبر الى أحد أهم وسائل الدعوة وأكثرها انتشاراً وتأثيراً.
وككل خنادق الإسلام ظل العنصر الإنساني هو العامل الأساسي في عملية التطوير والتجديد، فكان عمل الدعاة من خطباء المنبر الحسيني يتنقل بين التقليد والإبداع تبعاً للمستوى العلمي والوعي الاجتماعي والمعرفة بمتطلبات الزمان والمكان. وبرزت في هذا المجال أسماء لامعة جمعت في شخصيتها العلم والتفقه ـ مستوى الاجتهاد ـ الى جانب الدراسة الاكاديمية والوعي بحاجات الأمة السياسية والاجتماعية والمعيشية، وإتقان أساليب الخطابة والدعوة وتقنياتها. وتميزت حاضرة النجف الأشرف بوجود هذه النوعية من الخطباء، كما بقيت متميزة بحوزاتها العلمية ومنتدياتها الأدبية.
والعلامة الداعية الأبرز الذي شغل منبره الساحة الإسلامية والفكرية والأدبية في البلدان العربية والإسلامية خلال نصف قرن من الزمن، هو الشيخ الدكتور أحمد الوائلي (1927 ـ 2003)، الذي وافاه الأجل في 14 تموز/ يوليو الجاري في النجف الأشرف حيث وُلد. ويمثل الوائلي منعطفاً تاريخياً في مسيرة المنبر الحسيني، بل وفي مسيرة الدعوة الإسلامية بالكلمة، إذ نقل المنبر الحسيني شكلاً ومضموناً من واقع الى واقع، وبالتالي فمن غير الصحيح القول إنه جدد المنبر والخطابة أو طورها.. فالحقيقة أن الشيخ الوائلي هو مؤسس لمنهج مختلف في الخطابة الدينية ومنبر إسلامي لا سابق له.. ومن غير الصحيح أيضاً القول إن الوائلي هو مدرسة في الخطابة الحسينية، لأنه ربما الوحيد الذي يمكن وصفه بالمدرسة برغم بروز عدد من الخطباء الدينيين المجددين والمبدعين في القرن الميلادي الماضي. ويعود سبب الفرادة والتميز في خطابة الدكتور الشيخ أحمد الوائلي الى جملة من العناصر المكمل بعضها بعضاً، والتي أعطت للشيخ الراحل صفة المؤسس والعميد .
ـ دراسته المعمقة للعلوم الإسلامية الشرعية، إذ درس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف على كبار علماء الدين وبلغ مستويات متقدمة. وهذا العمق العلمي هو عنصر مهم لم يكن شرطاً في خطيب المنبر والداعية. وهذه العلوم تشتمل على علوم القرآن والحديث والكلام والفقه وأصول الفقه، فضلاً عن العلوم الأساسية كالعربية، والعلوم التكميلية كالفلسفة الإسلامية والتاريخ وغير ذلك، وبالتالي كان الشيخ صاحب رأي فقهي وعلمي.
ـ دراسته الأكاديمية، إذ درس في كلية الفقه في النجف الأشرف، ثم حصل على الماجستير من بغداد، والدكتوراه في الشريعة من القاهرة. وهذا العنصر له علاقة بنوعية المنهجية والموضوعية وحجم الآفاق التي تميزت بها خطابة الشيخ الوائلي.
ـ اطلاعه الواسع على العلوم العصرية والفكر المعاصر. فقد كانت قراءات الشيخ الراحل تتسع لمختلف العلوم والمعارف، كالفيزياء والكيمياء والطب والفلك والرياضيات وغيرها، فضلاً عن متابعته لآخر مستجدات الفكر الغربي والفلسفة الغربية والأديان والمذاهب. هذا الأمر جعل الخطابة الدينية الدعوية للشيخ الوائلي شاملة في رؤيتها وموضوعاتها وعميقة في طرحها وعلمية في شواهدها، إذ كان يضمِّن آراءه الفقهية والكلامية والتاريخية شواهد حسية من العلوم العصرية، ويستثمر بعض المناهج والآليات الجديدة في الاستدلال.
ـ المناهج والأساليب الجديدة في طرح موضوع الخطبة وتقسيمها ومعالجة الموضوع والشواهد والاستدلالات التي تدخل في إطار المعالجة، فضلاً عن أسلوب المخاطبة وتوجيه المخاطب ولفت نظره واستدراجه، وهي بمجملها تقنيات حديثة جداً شدّت الجمهور الى خطب الشيخ الوائلي.. ولم يسبق لخطيب وداعية أن استخدم هذه الأساليب.
ـ الشاعرية التي كان يتمتع بها، فقد كان شاعراً وأديباً بارعاً، لكلماته سحر خاص تؤثر في العالم والجاهل. فشاعريته وأدبه جعلاه ينتقي الكلمات والجمل البليغة في معناها والبسيطة في تركيبها، كما كان يضمِّن خطبه شعراً ونثراً. ويضاف الى ذلك مخزونه اللغوي الهائل وبيانه الفريد وقدرته النادرة على الإقناع.
ـ صوته المتميز في إيقاعه ونغمه وتلون طبقاته، وهو أمر يضيف الى سحر بلاغته وبيانه سحراً آخر. ولا يتوقف الشيخ الوائلي في توظيف صوته للمقاطع الشعرية التي تُلقى بطريقة الترجيع ـ النعي ـ وإنما يوظفها في كل أقسام الخطبة.
ـ شخصيته الاجتماعية المتميزة، فقد كان الشيخ الوائلي يعيش في وسط المجتمع يتحسس آلامه وآماله، ولا يتردد في دعم الأفراد والجماعات ومساعدتهم وحل مشكلاتهم. وهذه الشخصية الاجتماعية العامة كان لها حضورها النوعي أيضاً في الأوساط الإسلامية الخاصة والعامة، كمراجع الدين والحركات الإسلامية والمؤسسات العلمية والثقافية والاجتماعية، وحظيت بفائق احترامهم.
وما يميزه في هذا المجال أيضاً أنه كان بعيداً عن كل ألوان الخلاف بين المرجعيات والحركات والمؤسسات، ليس بعيداً بالمعنى السلبي، بل بمعنى أن يكون طرفاً فيها، الأمر الذي أضاف لشخصيته بعداً آخر يسمح له بالتدخل الإيجابي.
هذه العناصر التي جعلت من الدكتور الشيخ أحمد الوائلي عالماً ومفكراً وخطيباً وداعية، حوّلت منبره الديني الى منبر وعي وإرشاد وتثقيف على مختلف المستويات. فالخطابة الدينية لديه عملت على نشر الوعي الفقهي والعقائدي والتاريخي والاجتماعي والسياسي في أوساط الأمة. ومعظم الخطباء الواعين الذين جاؤوا من بعده تتلمذوا على منبره، وإن لم يكن تتلمذاً مباشراً، إذ حاول هؤلاء الخطباء تبني العناصر التي ميزت المدرسة الوائلية في الدعوة الإسلامية بالكلمة، وبالتالي المحافظة على المستوى الذي أوصل إليه الوائلي الخطابة الدينية.