السلام عليكم ورحمة الله
إن كل إنسان يستطيع أن يحكي لك حكاية أويقص عليك حادثة شاهدها في الطريق أووقعت له , أي أن الاستعداد القصصي خاصية إنسانية يشترك فيها جميع الناس , ولكن كاتب القصة يختلف عن كل إنسان في أنه ينظر إلى الأشياء الواقعة نظرة خاصة . فهو لايقف منها عند السطح , ولكنه يتعمقها ويفرز عليها من أفكاره وخياله , ويجعل لها تكوينا آخر وفلسفة أخرى , ثم هو يختزن كل ذلك في نفسه ليستغله في يوم من الأيام .
وحين يعود إلى نفسه لكي يستمد من ذلك المخزون فإنه لايستمد منه اعتباطا ولكنه يستمد ماله أهمية خاصة . لذلك كانت مادة العمل القصصي الناجح دائما مادة لها هذه الصفة , صفة الأهمية .
وليس كل القصص التي تتناول الحوادث الكبرى ذا قيمة أدبية , ولكن القيمة تأتي من أن الكاتب قد تعمق هذه الحادثة ونظر إليها من جوانبها المتعددة . وبعبارة مجملة نقول : قد أكسبها قيمة إنسانية خاصة .
وإذا قلنا إن الكاتب يختار الحادثة المهمة – صغيرة كانت أم كبيرة – فإننا نقدر قيمة معنى الاختيار في تكوين العمل الأدبي .
وفيما يلي دراسة سريعة لعناصر العمل القصصي :
1- الحادثة : الحادثة في العمل القصصي مجموعة من الوقائع الجزئية مرتبطة ومنظمة على نحو خاص هو مايمكن أن نسميه ( الإطار ) , ففي كل القصص يجب أن تحدث أشياء في نظام معين . وكما أنه يجب أن تحدث أشياء فإن النظام هو الذي يميز إطارا عن آخر . فالحوادث تتبع خطا في قصة , وخطا آخر في قصة أخرى . والحادثة الفنية هي تلك السلسلة من الوقائع المسرودة سردا فنيا , التي يضمها إطار خاص . وإذا كنا هنا نتحدث عن عنصر الحادثة فينبغي أن نذكر أن هناك نوعا من القصص يعنى عناية خاصة بالحادثة وسردها وتقل عنايته بالعناصر القصصية الأخرى , ويسمى هذا النوع (قصة الحادثة) أو ( القصة السردية) . وفي القصة السر دية تكون ( الحركة) هي الشئ الرئيسي . فالحركة عنصر أساسي في العمل القصصي وهي نوعان : حركة عضوية , وحركة ذهنية . والحركة العضوية تتحقق في الحوادث التي تقع , وفي سلوك الشخصيات . وهي بذلك تعد تجسيما للحركة الذهنية التي تتمثل في تطور الفكرة العامة نحو الهدف الذي تهدف إليه القصة .
2- السرد : هو نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة لغوية . فحين نقرأ مثلا : (( وجرى نحو الباب وهو يلهث , ودفعه في عنف , ولكن قواه كانت قد خارت , فسقط خلف الباب من الإعياء )) .. نلاحظ الأفعال جرى , يلهث , دفع , خار , سقط . فهذه الأفعال هي التي تكون في أذهاننا جزيئات الواقعة . ولكن السرد الفني لايكتفي عادة بالأفعال , كما يحدث في كتابة التاريخ , بل نلاحظ دائما أن السرد الفني يستخدم العنصر النفسي الذي يصور به هذه الأفعال (وهو يلهث, في عنف , من الإعياء – في المثال السابق ) وهذا نت شأنه أن يكسب السرد حيوية , ويجعله لذلك فنيا . ولكاتب القصة أن يختار كيفية كتابة قصته من بين ثلاث طرق : الطريقة المباشرة أو الملحمية , وطريقة السرد الذاتي , وطريقة الوثائق . والطريقة الأولى مألوفة أكثر من غيرها , وفيها يكون الكاتب مؤوخا يسرد من الخارج .وفي الطريقة الثانية يكتب على لسان المتكلم . وهو بذلك يجعل من نفسه وأحد شخوص القصة شخصية واحدة . وهو بذلك يقدم ترجمة ذاتية خيالية .وفي الطريقة الثالثة تتحقق القصة عن طريق الخطابات أو اليوميات أو الحكايات والوثائق المختلفة .
3- البناء : هناك صور عدة لبناء الحادثة القصصية بناء فنيا . ويمكن أن يقال إن كل قصة لها صورة بنائية خاصة بها , ومع ذلك فقد أمكن ضبط مجموعة عن الصور البنائية العامة . وهناك – بصفة عامة- صورتان لبناء الحبكة القصصية هما صورة البناء والصورة العضوية .وفي الأولى لاتكون بين الوقائع علاقة كبيرة ضرورية أومنتظمة . وعندئذ تعتمد وحدة السرد على شخصية البطل الذي يربط بوصفه النواة الشخصية المركزية بين العناصر المتفرقة . وقصص المغامرات بعامة تمثل هذا النوع . أما في الصورة البنائية العضوية فإن القصة مهما امتلأت بالحوادث الجزئية المنفصلة الممتعه فإنها تتبع ( تصميما ) عاما معقولا . وفي خلال هذا التصميم تقوم كل حادثة تفصيلية بدور حيوي واضح . فهناك شئ أكثر من مجرد الفكرة العامة بسير القصة , فالخطة كلها لابد أن تعد بصورة مفصلة , وأن تنظم الشخصيات والحوادث بحيث تشغل أماكنها المناسبة , وأن تؤدي كل الخطوط إلى النهاية . وينبغي أن يكون واضحا أن الصورة البنائية تختلف من نوع قصصي إلى آخر . فالصورة البنائية التي تتمثل في الرواية لايمكن أن تصلح لبناء قصة قصيرة . وأبسط صورة لبناء القصة _ وهي الصورة المألوفة بصفة عامة _ هي تلك التي تتمثل بين طرفي الصراع , وهما الهدف والنتيجة .
4- الشخصية : القصة معرض لأشخاص جدد يقابلهم القارئ ليتعرف عليهم ويتفهم دورهم , ويحدد موقفهم . وطبيعي أنه من الصعب أن نجد بين أنفسنا وشخصية من الشخصيات التي لم نعرفها ولم نفهمها نوعا من التعاطف . ومن هنا كانت أهمية التشخيص في القصة , فقبل أن يستطيع الكاتب أن يجعل قارئه يتعاطف وجدانيا مع الشخصية , يجب أن تكون هذه الشخصية حية . فالقارئ يريد أن يراها وهي تتحرك , وأن يسمعها وهي تتكلم , يريد أن يتمكن من أن يراها رأى العين . وهناك نوعا من أنواع القصة يعرف بـ ( قصة الشخصية) ويكون فيها الاهتمام بالشخصيات أولا ومن ثم الحادثة . وهناك أيضا نوعان للشخصيات ذاتها في القصة : ( الشخصية الجاهزة ) وهي الشخصية المكتملة التي تظهر في القصة _ حين تظهر_ دون أن يحدث في تكوينها أي تغير , وإنما يحدث التغير في علاقاتها بالشخصيات الأخرى فحسب .أي أن تصرفاتها لها طابع واحد. والنوع الثاني ( الشخصية النامية ) وهي الشخصية التي يتم تكوينها بتمام القصة , فتتطور من موقف لموقف , ويظهر لها في كل موقف تصرف جديد يكشف لنا عن جانب منها . والذوق الحديث يفضل النوع الثاني من الشخصية . كما أنه لكل قصاص طريقته الخاصة في رسم الشخصيات , فبعضهم يستعين على رسمها بوصف الملامح الخارجيةأو الداخلية أو هما معا . وبعضهم يدع الحوادث والحركات ترسمها .
5- الزمان والمكان : كل حادثة تقع لابد أن تقع في مكان معين وزمان بذاته, وهي لذلك ترتبط بظروف وعادات ومبادئ خاصة بالزمان والمكان اللذين وقعت فيهما .الارتباط بكل ذلك ضروري لحيوية القصة , لأنه يمثل البطانة النفسية للقصة . ويسمى هذا العنصر setting)), ويقوم بالدور الذي تقوم به المناظر على المسرح بوصفها شيئا مرئيا يساعد خيال القارئ . وتزداد عندما يساعد على فهم الحالة النفسية للقصة أو الشخصية , فهو هنا يقوم بنفس الدور الذي تقوم به الموسيقى المصاحبة للمسرحية أو القصة السينمائية . وأخيرا يصبح التصوير مهماأحيانا حتى إنه يكاد يقوم بدور الممثل في القصة , أي تكون له قوة درامية .
6- الفكرة : يتحدث القارئ المتوسط عن (الإطار) في القصة، و هو يعني بذلك عادة ماذا حدث، و لكن عندما نحلل القصة لا يكون لهذا السؤال من الأهمية ما يكون لسـؤالنا: لماذا حدث؟ صحيح أن نهاية كل قصة تعطي نوعا من النتيجة فهناك شـئ يحدث فعلا و لكن أسباب هذه النتيجة أكثر أهمية من الحوادث الواقعة ذاتها. فخلف الحوادث يقع المعنى، و هذا المعنى يقبله القارئ أو يرفضه معتمدا على ما إذا كان المؤلف قادرا على إقناعه بأن النتيجة تتفق سـؤا مع خبرته بالحياة أو مع الحياة كما يصورها المؤلف.
فالقصة إذا إنما تحدث لتقول شئيا، لتقرر فكرة. فالفكرة هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفني للقصة، و الموضوع الذي تبنى عليه القصة لا يكون دائما إيجابيا في إثره فمع أنه يجب أن يقرر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة حقيقة عن الحياة أو السـلوك الإنسـاني فإنه غير محتاج لأن يحل مشـكلة. و قد بين كاتب القصة الروسي العظيم تشـيكوف ذات مرة لصديق شـاب أن هناك فرقا بين حل المشكلة و وضعها وضعا صحيحا، فيكفي الفنان أن يصور مشكلته تصويرا صحيحا.
و حين نبحث عن مصدر اعجابنا بقصة قرأنها سنجد أن فكرتها كان لها أثر في هذا الإعجاب. و لكن هل نقرأ العمل الفني لفكرته فحسـب؟ إن القصة صورة الحياة و نحن نعرف الحياة معرفة جيدة و ننتظر من القصة دائما أن تكون صادقة حية. مقنعة كالحياة الواقعة. و لكن القصة تمتاز عن الحياة بأن لها صورة فنية خاصة فالكاتب يقدم إلينا قصة - و قصة بالذات- حين يقدم إلينا فكرة، كما أن مصدر إعجابنا لا يمكن دائما أن يحدد بقاعدة لأننا في كل قصة يُكشـَ ف لنا شئ جديد. و لكن المؤكد أن القصة -ككل عمل فني- لا يتحدد لها شكل حتى تتحق فيها فكرة الكاتب.
الأنواع القصصية الرئيسية هي:
الرواية، القصة، القصة القصيرة، الأقصوصة.
و يغلو بعض كتاب القصة في هذه الأيام في اتجاهين:
الإتجاه إلى الصراع الإجتماعي، و الإتجاه إلى التحليل النفسـي، و ليس لنا اعتراض على أي اتجاه، ما دام لا يؤثر في سـمة العمل الإنسـانية و لا يطغى على حقائقه الفنية. و من واجب الفنون كلها أن تحيا في محيطها.
وإذا كان الشـعر تعبيرا عن اللحظات الخاصة في الحياة، فالقصة هي التعبير عن الحياة. الحياة بتفصيلاتها و جزئياتها كما تمر في الزمن، ممثلة في الحوادث الخارجية و المشـاعر الداخلية، بقارق واحـد: هو أن الحياة لا تبدأ من نقطة معينة و لا تنتهي إلى نقطة معينة، أما القصة فتبدأ و تنتهي في حدود زمنية معينة، و تتناول حادثة أو طائفة من الحوادث بين دفتي هذه الحدود.
************
المصادر:
الأدب و فنونه، عز الدين اسـماعيل.
النقد الأدبي: أصوله و مناهجه، سـيد قطب.
تحياااااااااتي
قيثارة