رسائل
اتبع الإمام الحسن خط أبيه (ع) مع معاوية ، فأرسل الرسائل ، ومن ضمن ما حوته إحدى رسائله نورد الآتي :
(( ثم حاججنا نحن قريشاً بمثل ما حاججت به العرب فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها ، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنصاف والاحتجاج فيما صرنا إلى محاجتهم وطلب النَصَف منهم باعدونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا ، فالموعد الله وهو الولي النصير ، ولقد كان تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان بيتنا ، وإذ كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الإسلام أسكنا عن منازعتهم مخافةً على الدين أن يجد المنافقون والأحزاب في ذلك فغمزاً يثلمون به أو يكون لهم بذلك سببٌ إلى ما أرادوا من إفساده ، فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمرٍ لستً من أهلهِ لا بفضل في الدين معروفٍ ولا أثر في الإسلام محمود وأنت ابن حزبٍ من الأحزاب وابن أعدى قريش لرسول الله (ص) ولكتابه ، فدع التمادي في الباطل وأدخل فيما فيه الناس من بيعتي ، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله وعند كل أوابٍ حفيظ )) .
(( واحقن دماء المسلمين ، فوالله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به ، وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليكَ بالمسلمين ، فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )) .
فكانت رسائله دعوةً لحقن الدماء وبيَّن فيها الحجج وأحقيته وتوعده بالحرب لإضعاف معاديه عن المقاومة بأضعاف عزمه .
أما رسائل معاوية إلى الإمام الحسن (ع) فكانت تأخذ بظاهر الموضوع دون جوهره ، فكانت تثير النعرات بين المسلمين فلوَّح في بعض رسائله لاختلاف أهل البيت على بيعة أبي بكر وكانت رسائل معاوية ينقصها الحجة لخروجه على الإمام الحسن (ع) فبينما في حروبه مع الإمام علي (ع) ادعى أنه يطالب بدم عثمان نجد أن حجته في رسائله للإمام الحسن (ع) :
(( إنه أطول منه ولاية واقدم منه تجربة وأكبر سناً )) وأي تجارب التي يدعيها ، وكانت كلها انحراف عن الإسلام ولم تكن له سوابق مشرفة تدعوها لطلب الخلافة .
ثم كاتب معاوية الإمام الحسن (ع) ثانية ولكن غيَّر أسلوبه ، فكان التهديد بالاغتيال (( فاحذر أن تكون ميتك على أيدي رعاع من الناس وأياس في أن تجد فينا غميزة ثم الخلافة للأمن بعدي فأنت أولى بها والسلام )) .
وتذكر السحن وصيه والده له (( لاتدعون إلى مبارزة فإن دعيت بها فأجب فإنَّ الداعين إليها باغ والباغي مصدوع )) فكان ينظر إلى الحرب على إنها ضرورة بغيضة ، وكان يعلم ما تعج به المجتمعات من روح الهدم والتحزيب وكانت ميوعه الأخلاق في قسم كبير من جيشه ، فرأى التريث بالحرب ، ورأى أن يدفق بالناس ، ولم يتنكر لأحد من رعيته ، ولو أراد الإمام الحسن (ع) الأخذ بسياسة الشدة لتعجل الفتنة ولفتح الباب للثورات الداخلية التي لن تكون أقل خطراً من حربه مع معاوية كما أنه لو بدأ معاوية الحرب لكان هذا منفذاً للأختلاف عليه ؛ لأنه ابتدى بالعدوان .
بداية الجهاد
بادر معاوية للعدوان فزحف باتجاه العراق بعد وفاة أمير المؤمنين (ع) وحيث بلغ أعالي الفرات رفع صوته بالعواء الذي حاول أن يجعل منه زئيراً لإضافة الثغور ولاستدراج الإمام الحسن (ع) للنزال ، وكانت اختياره – مع مستشاريه – لذلك الوقت كأحسن خدمته حيث لا يزال الناس مشغولون بوفاة الإمام (ع) ولم يستقر الإمام الحسن (ع) بعد في الخلافة ، وكان معاوية قد اشترى الضمائر الرخيصة في الكوفة وبث الجواسيس في كل مكان ، ولما علم الإمام الحسن باستنفار معاوية ارتجل الأمر بالجهاد .
ونادى منادٍ الكوفة (( الصلاة جامعة )) ، فاجتمع الناس ، فخرج الإمام الحسن (ع) ، وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : (( أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه !!! ، ثم قال لأهل الجهاد : اصبروا ، إن الله مع الصابرين ، فسلتم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ، وأنه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه ، فتحرك لذلك ، أخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم في النخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون )) .
وسكت الناس ، فلم يتلكم أحدٌ ولا أجابه أحدٌ منهم
بحرفٍ ، ورأى ذلك عدي بن حاتم فانتفضت انتفاضة المؤمن وقال فيما قال : (( ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم ؟ أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جد الجد راوغوا كالثعالب ؟ .
ثم خرج من المسجد ، ومضى للنخيلة ، وكن في طيئ – قبيلته – ألف مقاتل لا يعصون لعدي أمراً ، ثم قام بعد عدي خطباء آخرون ، فكلموا الإمام الحسن بمثل كلام عدي .
واستخلف الإمام الحسن (ع) على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب وأمره بحث الناس للخروج إليه في النخيلة وخرج هو بمن معه في يوم إعلانه للجهاد .
وانتظم شيعته وشيعة أبيه وآخرين في السقيفة ، واستحث المغيرة بن نوفل الناس للجهاد ، ولكن كان هناك الفتور والتقاعس عن استجابة الدعوة للجهاد ، حتى السرايا التي جهزها أمير المؤمنين (ع) لقتال أهل الشام كره أخرى قبيل وفاته ، وكانت تعد أربعين ألف مقاتل قد تمدد بعضها وتثاقل أكثر حملة السلاح عن الانصياع للأمر .
وغادر الإمام الحسن (ع) النخيلة وبلغ ( دير عبدالرحمن ) ، فأقام ثلاثاً حيث التحق به مجاهدون .
خطة الإمام الحسن (ع)
كانت المدائن رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها وكانت النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا من الكوفة والبصرة وفارس بالأخرى ، وكانت فارس معرض الانتفاضات الخطرة على الدولة .
وكانت مسكن في أقصى الحدود الشمالية للعراق ، وكانت مواطن عامرة بالمزارع والسكان ، وقرى كثيرة مشهورة ، ومنها قرية العلث التي بإزائها الجنوبية التي انحدر إليها معاوية والتقى عندها الجمعان .
واختار الإمام الحسن (ع) مسكن للنزال والحروب لخيراتها وسهولها
الواسعة ، كما اتخذ المدائن مقر القيادة العليا ليستقبل نجدات الجيش من الأقطار الثلاثة القريبة ؛ ولأن المسافة بين المدائن ومسكن لا تزيد عن خمسة وعشرين فرسخاً .
وكانت هذه الخطة وهذا الاختيار السليم يدل على حنكة الإمام الحسن (ع) ومعرفته بالحروب ، كيف لا وقد قاتل بين يدي أبيه (ع) من قبل الذي كان أشجع الشجعان .
كان عدد جيش الإمام الحسن عشرين ألفاً أو يزيد قليلاً ،وكان عدد جيش معاوية ستين ألفاً ، أما الطريقة التي تم بها تأليف جيش الإمام الحسن (ع) فقد كانت طريقة الإسلام بالحث على الجهاد ، فزاد الإمام الحسن (ع) المقاتلة مائة مائة ، وزاد عطاءها كما بعث حجر بن عدي لعمَّاله يحثهم على الجهاد ، وكان الخطباء يلومون الناس لتثاقلهم – الذي سببه حب السلامة وتأثراً بدعاوي أهل الشام – وحثوا الناس على إجابة الداعي إلى الجهاد ، وذكروا بوجوب طاعتهم للإمام الحسن (ع) ، وكان الجيش تطوعيا لا إجبارياً ، فانظم إليه من أحب الحق والجهاد في سبيل الله وانظم إليه من رآه وسيلة لأخذ المغانم وانظم إليه أصحاب الفتن والعصبيات وانظم الشكاكون ،وكان الجيش المكون من كل تلك الأصناف مهدداً بالانقسام عند أقل اختلاف ، ولما كانت شروط الانضمام للجيش ادعاء الإسلام وحمل السلام ، فلقد قبلهم الإمام الحسن جميعاً في الجيش ، ولم يعمل على تصفية الجيش ؛ لأن الحرب كانت بعد فترة منذ توليه الخلافة ، فلم يمكِّنه الوقت من استصلاح الناس كما أن التصفية لم يفعلها جده وأبوه رغم أن جيوشهما في بعض المعارك حفلت بما حفل به جيش الإمام الحسن (ع) ولو صفى الحسن (ع) الجيش لاستعجل الفتنة ولأُعلنَ العصيان .
وعهد الإمام الحسن (ع) لعبيد الله بن عباس بن عبدالمطلب وقيس بن سعد بن عبادة الانصاري وسعيد بن قيس الهمداني بالترتيب السابق ، ثم دعا عبيدالله ، وتكلم معه فقال إنه سيبعث معه اثنى عشر ألفاً من الجيش وفيهم الأصحاب للإمام علي (ع) ، وكل واحد من هؤلاء كتيبة ، كما أمره أن لا يفعل شيئاً إلا بعد مشاورة قيس وسعيد ، وأنه سيلحق به وشيكاً .
أما الأسباب في اختيار عبيدالله مع وجود قيس مثلاً فهي : -
1- الجيش كان يحوي العديد من الرجال المخلصين المجاهدين ، ذوي السوابق المشرفة ، وكان في اختيار قيس مزيد من التنافس بينهم فقدم عبيدالله مع الاستفادة من قيس حيث أمر عبيدالله باستشارته في كل شيء .
2- الإمام الحسن (ع) بهذا الاختيار اتخذ التدابير التي ترفع لوم الناس ، فلو فرضاً فشل وخسر الجيش لقالوا لو كان القائد من أهله لكان أولى بالصبر .
3- معاوية قتل ولدي عيبدالله في غارة بسر بن أرطأة على اليمن ، فالإمام الحسن (ع) لن يجد أشد من عبيدالله حنقاً على معاوية لقتاله قتالاً لا هوادة فيه .
4- كان أكثر الجيش بقايا من الجيش الذي أعده أمير المؤمنين (ع) قبيل وفاته لقتال أهل الشام ، وكان القائد هو قيس بن سعد مما يعني توثيق الصلة بينهم ، فإذا جنح لحرية التصرف دون الرجوع للقيادة العليا فسيتبعه الجيش ، لذا لم يختاره كقائد أول ، واختياره كقائد ثاني فإنه بعد وفاة سلفه سيكون مصمماً على السير في طريقه ، والإمام كان سيلحق بهم وشيكاً ، فلا يكون لديه وقت لحرية التصرف .
الجيش المفكك
كان عبيدالله يتطلع للسبق ، ولما رأى الجيش وما فيه من أنماط مختلفة من الناس ندم على قبوله قيادة الجيش ؛ لأن في ذلك قتلاً لطموحه
العسكري ، وخاف أن يستقيل ؛ لأن في ذلك اعترافاً بالفشل ، وكان معاوية قد راسله (( إن الحسن سيضطر إلى الصلح ، وخير لك أن تكون متبوعاً ، ولا تكون تابعاً )) وجعل له ألف ألف درهم .
وبسبب المال وبسبب حب السبق ولسبب التعاظم لم يؤثر الدين ولا القرابة ولا ميثاق البيعة – التي هو من دعا إليها – ولا الخوف من الناس في منعه من خذلان الإمام الحسن (ع) فدخل في حمى معاوية ليلاً ، ومعه ثمانية آلاف مقاتل من أهل البيوتات والشرف الذين طمعهم معاوية في المال وخافوا على مصالحهم وأنفسهم فانضموا إليه بالتصدع الفظيع في الجيش فلم يبقى في سكن سوى أربعة آلاف قادهم بعد عبيدالله قيس بن سعد الذي أرسل للإمام الحسن (ع) يخبره بأحوال الجيش ويخبره بما فعل عبيدالله ، ولما علم الإمام الحسن (ع) بالأحوال كان لا يزال يحدوه الأمل في الازدهار ثانية ، فكان يدير الجيش رغم إحساسه بوميض الفتنة .
أما معاوية فلقد جمع ما أرسله الخونة في الكوفة من رسائل إليه يتخذون بها عنده الأيادي ويضمنون له فيها تسليم الإمام الحسن (ع) أو الفتك به ، جمع هذه الرسائل وأرسل المغيرة بن شعبة مع آخرين بالرسائل إلى الإمام الحسن (ع) ليروه هذه الرسائل ويحبطوا معنوياته ، ويكلموه في الصلح إذا وجدوا بادرة للصلح ، فلما رأى الإمام الحسن (ع) الرسائل أخذ يدقق في الخطوط والتوقيعات رغم علمه بأصحابها وما طوته نفوسهم من مَكَرَ ، ولما تأكد من صحة نسبة الكتب لأصحاب التواقيع وكلموه في الصلح لم يصر بشيءٍ من قبول الصلح ودعا المغيرة ومن معه بالرجوع إلى الله ونصحهم ، وخرجوا فقال أحدهم للآخر بصوت مرتفع ليسمع الجيش :
(( إن الله قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة وأجاب إلى الصلح )) وكان هذا كذباً وافتراءً ولكنهم أرادوا الفتنة .
وكانت أكثرية المدائن مصرة على الحرب إما لأنها تظن أن في الجيش الكفاية أو لإصرارها على قتال معاوية دون النظر للظروف كما في حالة الخوارج الذي أثاروا الشغب لما سمعوه من جند معاوية ،وكان شغبهم سبباً في إثارة الشكاكين وأصحاب الفتن ، ولم يكتفي معاوية بما فعل بل دس في المدائن من يتحدث أن قيساً صالحَ معاوية ودس في مسكن من يتحدث أن الإمام الحسن صالح معاوية ، وينشر في المدائن (( أن قيساً قُتل فانفروا )) فصار جيش الإمام الحسن (ع) طعمة للاضطرابات التي لاتناسب ساحة القتال .
إضافة إلى قلة عدده بالنسبة لجيش معاوية صار عدد الجنود اثني عشر ألفاً بينما صار عدد جنود معاوية ثمانية وستين ألفاً ، مع تفرقهم واختلافهم .
جمع الإمام الحسن (ع) الناس فخطبهم وقال لهم في خطابه : (( ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزٌّ ولا نصفة ، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عزَّ وجل بظبا السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه منه وأخذنا لكم الرضا )) ؟ فناداه الناس من كل جانب (( البقية البقية وأمضى الصلح )) ! .
العجب كل العجب كيف يرفضون الصلح فيما بينهم ويتمردون ، فإذا سألهم أجابوا بالصلح ، لقد كان هذا بوادر الانقسام والفوضى .
وكان هناك النداء بالتكفير للإمام الحسن (ع) من الخوارج ، وذلك بقصد التذرع لأعظم جريمة ، وهي قتل الإمام الحسن ، فقد طعن أحدهم الإمام الحسن (ع) في فخذه فشقه حتى بلغ العظم ، كما كان هناك النهب والسلب وتناولوا حتى رداء الإمام الحسن ومصلاه من قبل أصحاب الغنائم .
وكان لأصحاب الفتن دورٌ في هذا ، فما داموا لم يقاتلوا معاوية فليقتلوا الإمام الحسن !! وما داموا لم يأخذوا غنائم من الحرب فليأخذوا النهب الذي نهبوه من الإمام الحسن ومن معه .
أسباب صلح الإمام الحسن (ع)
إن الإمام الحسن (ع) لم يعمل للدنيا ولو عمل لها كان أقوى عليها من خصومه ، ولو كان كذلك لما قبل الصلح وتنازل عن خلافته التي ندر من يتنازل عنها ويكون مجبراً على ذلك ، ولكنه لم يؤتَ الأنصار – كما سكت عن حقه وذلك لصيانة المعنويات الإسلامية من الانقراض، والعقائد الدينية من الزوال ، كما أنه اقتدى بسيده جده (ص) في يوم الحديبية .
خرج الإمام الحسن (ع) من السلطة الدنيوية ، وضحى بها في سبيل مبدأه فما شك إنسان في نيته وإخلاصه ودوافعه الدينية من صلاح الأمة وحقن الدماء .
ولم يكن الصلح لجبن الإمام الحسن (ع) وهو الذي (( إذا سار سار والموت حيث يسير )) على حد تعبير عدوه ، وليس صلحه رضاً بالحياة وخوفاً من الموت ، ولكن أُغلقَ في وجهه طريق الشهادة ، وذلك لأن الظرف المؤسف في المدائن كما سبق شرحه تبين أن هناك من كان يريد قتل الإمام الحسن (ع) ،وكانت أي حركة من الإمام سواء في سبيل الحرب أو في سبيل الصلح أو في سبيل الانضمام لمسكن أو العودة للكوفة تنقلب لخلاف حادٍ ، فتمَرُّدٌ ، فثورةٌ مسلحةٌ ، ولن يطفئ الثورة عندئذٍ إلا دم الإمام الحسن ، ولم يكن صلح الإمام الحسن رضا منه بمعاوية ، وفد كان كلامه صريحاً في نسبة البغي لمعاوية ووجوب قتاله .
كما أن النزاع بين الإمام الحسن (ع) ومعاوية لم يكن نزاعاً بين شخصين بل نزاعاً بين مبدأين ، ومعنى الانتصار هو خلود المبدأ المنتصر ، وكان القائلين بمبدأ التشيع قد ناصروا الإمام الحسن (ع) ، وجاءوا معه ، ولكن أكثرهم كان في مسكن ، فلو قاتل هو مع شيعته في مسكن ، هذا ما لايمكن أن يكون لوجود الخوارج ، وغيرهم في المدائن الذين سيحولون بينه وبين الذهاب ، لكان معاوية قد انتصر وقد قتل الشيعة ، وكان انقطاع الصلة بين الإمام علي (ع) وبنيه والأجيال القادمة ، لا سيما والعدو المنتصر هو معاوية ، وتكون بذلك نهاية تاريخ الإسلام وبداية تاريخٍ أمويٍ ، فكان أحد أسباب الصلح ما قاله الإمام الحسن (ع) في جوابٍ لشيعته الذين نقموا عليه الصلح : -
(( ما أردت بمصالحة معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل )) ، والسبب الآخر – كما بينا – ما قاله للإمام الحسين (ع) عندما قال له (( ما الذي دعاك إلى تسليم الأمرٍ )) قال : (( الذي دعا أباك فيما تقدم )) .
نقضوا عهده فلم يرَ في الـ
دون تفريطه بنخبة أهل الد
لا يطيقون دفع جيش ابن هند
ومصير الجميع في الحرب منهم
ويضحي بنفسه وأخيه
ويموت الإسلام حين يبادرون
قد تجلى أمام عينيه هذا
فرأى الحكمة البليغة في
فاقرَّ الأمر الذي ليس منه
ـصلح عهداً يصون سفك الدماء
ين من خير شيعة أنقياء
وهم قلة بيوم اللقاء
وبني هاشم معاً للفناء
معهم ضيعة دون غناء
جميعاً في ساعة الهيجاء
كله بعد جنده وبلاء
الصلح تراءت له بدون خفاء
أي بدٍ له مع الالتجاء
دوافع معاوية للصلح
لم تكن دوافع معاوية للصلة العجز عن القتال أو حقن الدماء أو
الإسلام ، بل كان هدفه نفعياً ، ونذكرها :
1- خُيِّل إليه أن تنازل الإمام الحسن (ع) له عن الحكم سيكون معناه في الرأي العام تنازل عن الخلافة ، وسيصبح الخليفة الشرعي في المسلمين .
2- أنه كان يرى أن الإمام الحسن صاحب الحق في الأمر وأولى به ، ولا سبيل لاقتناص الخلافة إلا بإسكات الإمام الحسن ، ولو بالصلح .
3- كان رغم قوة جيشه خائفاً من نتائج حربه مع الإمام الحسن (ع) ، خاصة ومعه شيعته ، حتى قال : (( فوالله ما ذكرتُ عيونهم تحت المغافر بصفين إلا لبس على عقلي )) .
4- كان يهاب موقع الإمام الحسن (ع) كابن رسول الله (ص) ومقامه الروحي إذا قاتله ، لذا اتقى حربه بالصلح ، وكان يخشى أن يتطوع شخص لتنبيه الناس في الشام إلى حقيقة الإمام الحسن ، التي يجهلها أهل الشام ، مما يؤدي إلى انفضاض الناس عنه ،وكان معاوية يحبس أهل الشام عن التعرف على أعلام المسلمين .
5- كان من سياسة معاوية الدعوة للصلح والإلحاح عليه حتى يشهد أكبر عدد من الناس على ذلك حتى إذا قاتل الإمام الحسن (ع) وانتصر عليه وقتل الحسن والحسين (ع) ، قال للناس : (( إني دعوت الحسن للصلح فأبى ، وكنت أريد له الحياة وحقن الدماء ، ولكنه أبى )) .
معاهدة الصلح
المادة الأولى :
تسليم الأمر لمعاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين .
المادة الثانية :
يكون الأمر للإمام الحسن بعده ، فإن حدث به حدثٌ فلأخيه الإمام الحسين ، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد .
المادة الثالثة :
أن يترك سب أمير المؤمنين (ع) والقنوت عليه بالصرة وأن لا يذكره إلا بخير .
المادة الرابعة :
استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة ألاف ، فلا يشمله تسليم الأمر ، وعلى معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسين كل عام ألفي درهم ، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرِّق في أولاد من قتل أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصيف ألف ألف درهم وأن يجعل ذلك من خراج دار أبجرد .
المادة الخامسة :
أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم ومجازهم ويمنهم وأن يؤمن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يبتع أحداً بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق
بأحنة ) .
أمان أصحاب علي حيث كانوا وأن لا ينال أحداً من شيعة علي بمكروه ، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم ، وأن لا يتعقب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحدٍ منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حقٍ حقه ، وعلى ما أصاب أصحاب الإمام علي حيث كانوا ، أن لايبغي للحسن بن علي ولا لأخيه ولا لأحدٍ من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من ا لآفاق ) .
ثم كتب عبدالله بن عامر – رسول معاوية للإمام الحسن (ع) – إلى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه ، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه وختَمَه بخاتمه ، وبذل عليه العهود المؤكدة والإيمان المغلظة وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام ووجه به إلى عبدالله بن عمر فأوصله إلى الإمام الحسن (ع) .
وبهذا انتهت خلافة الإمام الحسن (ع) التي أسفرت ستة أشهر وثلاثة
أيام ، وانتهى عهد الخلافة ، وصارت ملكاً عضوضاً .
الاجتماع في الكوفة
اتفق الفريقان بعد توقيع الصلح أن يلتقوا في الكوفة ليكون ذلك تطبيقاً عملياً للصلح ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه للآخر من نفسه ، وبما يلتزم له من الوفاء بعهده .
نوديَ في الناس إلى الجامع لسماع الموقعين على معاهدة الصلح فاستبق معاوية إلى المنبر وجلس عليه وخطب خطبة طويلة نورد منها ما يلي : - (( يا أهل الكوفة اترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ، وقد علمتُ أنكم تصلون وتزكون وتحجون ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وإلى رقابكم وقد أتاني الله ذلك وأنتم كارهون ، ألا وأن كل شيءٍ أعطيت الحسن بن علي تحت قدميَّ هاتين لا أفي به )) ، وذكر علياً (ع) فنال منه ثم نال من الإمام الحسن(ع) .
ثم قال الإمام الحسن (ع) وكان أشبه بالرسول (ص) خَلقَاً وخُلُقاً وهيبةً وسؤدداً ،وكان رابط الجأش وخطب في الناس خطبة طويلة نذكر منها :
(( وأن معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً ، ولم أرَ نفسي لها أهلاً ، فكذب معاوية ، نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل ، وعلى لسان نبيه ، ولم نزل – أهل البيت – مظلومين منذ قبض الله نبيه ، فالله بيننا وبين من ظلمنا وتوثب على رقابنا وحمل الناس علينا ، ومنعنا سهمنا من الفيء ومنع أمنا رسول الله لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها ولما طمعت فيها يا معاوية ، فلما خرجت من معدنها تنازعتها قريش بيتها ، فطمع فيها الطلقاء فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء أنت وأصحابك )) .
(( أيها الذاكر علياً ، أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند ، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن
ربيعة ، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرنا قديماً وحديثاً ، وأقدمنا كفراً ونفاقاً )) فقالت طوائف من أهل المسجد (( آمين )) .
وتجهز الإمام الحسن (ع) مع آل محمد للخروج من الكوفة إلى المدينة فجأةً من شيعته المسيب بن نجيبة الفزاري وظبيان بن عمارة ليودعاه وفي طريقه مر بالحيرة ، فنظر إلى الكوفة ، وقال :
ولا عن قلىً فارقتُ معاشري
هم المانعون حوزتي وذماري
فالإمام الحسن ، لم يذكر في وداعه ما فعله سكان الكوفة من خيانة ومكر ، ولكن تذكَّرَ الأوفياء المخلصين الثابتين على طاعته المانعين الحوزة والذمار .
الوفاء بالشروط
الوفاء بالشرط الأول : -
الشرط الوحيد لمعاوية على الإمام الحسن (ع) وهو الوحيد الذي وفى به رغم إعلان معاوية التخلف عن شروطه ، فجاءه (ع) شيعته بعد هذا الإعلان وهو في المدينة فأعلنوا له أنهم سيجاهدون بين يديه وضمنوا له السلاح لإعادة الكرة على الشام ، ولكنه ردهم رداً جميلاً ، واستمهلهم حتى موت معاوية ؛ لأنه صاحب عهده فيما تعاهدا عليه ؛ ولأنه أخذ درساً في تجربته في الكوفة .
أما عمل معاوية بالكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الصالحين فهذا ما لم يحدث .
الوفاء بالشرط الثاني :
ونقض معاوية هذا العهد علناً ، وعهد من بعده إلى ابنه يزيد ، وكان المغيرة بن شعبة هو الذي اقترح على معاوية ذلك ، فحاول معاوية البيعة لابنه في حياة الإمام الحسن رغم العهود والمواثيق ، وفشلت لوجود صاحب العهد ، فلما قتل الإمام الحسن (ع) حاول ثانية ، وتمت بأساليبه الظالمة الملتوية .
الوفاء بالشرط الثالث :
نقض معاوية هذا العهد مباشرة في خطبته في الكوفة ، حيث سب علياً (ع) ، وكان معاوية يقول في آخر خطبته (( اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك ، وصدَّ عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وعذِّبه عذاباً أليماً )) ، وكتب بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات على المنابر ، وكانت السبَّةُ سُنَّةً في المسلمين ، ويذكرون من يتركها إذا تركها .
وفي الكوفة كان الناس يجمعون لتحريضهم على سب الإمام علي (ع) ، ومن أبى عرَضَه على السيف ، وفي المدينة حيث الإمام الحسن كان مروان لا يدع سب الإمام علي(ع) على المنبر كل جمعة ، فكان الإمام الحسن (ع) لا يدخل إ عند الإقامة ، فأرسل مروان للإمام الحسن (ع) في بيته بالسب له ولأبيه .
الوفاء بالشرط الرابع : -
وحال أهل البصرة بأمر من معاوية بين الحسن وبين خراج دار أبجرد وقاموا فيئنا .
الوفاء بالشرط الخامس : -
لم يعمل بهذا الشرط ، بل عمل على نقيضه .
اشتد البلاء بالأمصار على شيعة علي (ع) وأهل بيته وخاصة الكوفة لكثرة من بها من الشيعة ،واستعمل عليها زياد ، وكان يتتبع الشيعة وقتلهم تحت كل كوكب وتحت كل حجر ، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل منهم ، وصلبهم على جذوع النخل وطردهم وشردهم ،وكتب معاوية للقضاة والولاة أن لا يجيزوا لأحدٍ من شيعة علي الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة ، وزاد عطاء من يروي في فضائل عثمان ، فكثر الوضع على الرسول (ص) وأمر بزيادة عطاء من يروي أيضاً
في فضائل أبو بكر وعمر ، حتى أن معاوية قتل حجر بن عدي وجماعة معه ؛ لأنهم رفضوا سب الإمام علي (ع) .
عبادته وحلمه
1- حج عليه السلام خمساً وعشرين حجةً ماشياً وأن النجائب
تنقاد له .
2- كان إذا ذكر الموت بكى ،وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله شهق شهقةً يغشى عليه منها ، وإذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار ، وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل
( يا أيها الذين آمنوا ) إلا قال : لبيك لبيك ، اللهم لبيك ، ولا يمر في شيء من أحواله إلا ذكر الله سبحانه .
3- كان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه ، فقيل له في
ذلك ، فقال : حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله .
4- إن شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه والإمام الحسن لا يرد ، فلما فرغ أقبل الإمام الحسن (ع) وضحك وقال : أيها الشيخ : أظنك غريباً ، لعلك شبهت ، فلوا استعتبتنا اعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا ارشدناك ، ولو استحملتنا حملناك ، وإن كنت محتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك ؛ لأن لك موضعاً رحباً وجاهاًً عريضاً ومالاً كبيراً .
فلما سمع الرجل كلامه بكى ، ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في
أرضه ، الله أعلم حيث يضع رسالته ،وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليَّ ، والآن أنت أحب خلق الله إلىَّ ، وحوَّل حوله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم .
حج عشرين حجة بعد خمسٍ
والمطايا تقاد بين يديه
سألوه عن كثرة الحج منه
قال إني لأستحي أن يراني
ماشياً فوق تربة الحصباءِ
دون ركب لظهرها وامتطاءِ
ماشياً دون سائر الحنفاءِ
غير ما شد للبيت عند اللقاءِ
ألقابه وعطاءاته وكرمه
1- قاسَمَ اللهَ ماله ثلاث مرات ، حتى كان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً ، وخرج من ماله لله تعالى مرتين .
2- اشترى حائطاً من قومٍ من الأنصار بأربعمائة ألف ، فبلغه أنهم احتاجوا ما في أيدي الناس فرده عليهم .
3- اجتاز جماعة من الفقراء قد وضعوا على وجه الأرض كُسيرات من الخبز كانوا قد التقطوها من الطريق وهم يأكلون منها ، فدعوه إلى مشاركتهم ، فأجابهم إلى ذلك وهو يقول : ( إن الله لا يحب المتكبرين ) ، ولما فرغ من تناول الطعام دعاهم إلى ضيافته فأطعمهم وكساهم .
وهذا يدل على التواضع الذي جُبل عليه الإمام الحسن (ع) .
4- اجتاز الإمام (ع) على غلام أسودٍ بين يديه رغيف يأكل منه لقمةً ويدفع لكلب كان عنده لقمة أخرى ، فقال له ا لإمام : ما حملك على ذلك ؟ فقال : إني لأستحي أن آكل ولا أطعمه . فقال له الإمام : لا تبرح من مكانك . فانطلق (ع) فاشترى البستان الذي هو فيه وأعتقه ، وملَّكه البستان .
5- اجتاز يوماً في بعض أزقة المدينة ، فسمع رجلاً يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانطلق إلى بيته وأرسلها إليه في الوقت .
6- قيل للإمام الحسن (ع) : لأي شيءٍ نراك لا ترد سائلاً وإن كنت في فاقة ؟ فقال : إني لله سائلٌ وفيه راغب وأنا استحي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً ، وإن الله تعالى عودني عادة أن يفيض نعمه عليَّ وعوَّدته أن أفيض من نعمه على الناس ، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة ، وأنشد يقول :
إذا ما أتاني سائلٌ قلتُ مرحبا
إذا ماأتاني سائلٌ قلتُ مرحبا
ومن فضله فضلٌ على كلِّ فاضلِ
وأفضل أيام الفتى حين يُسألُ
7- جاءه أعرابي سائلاً ، فقال (ع) : اعطوه ما في الخزانة ، وكان فيها عشرة آلاف درهم ، فقال له الأعرابي : يا سيدي هلا تركتني أبوح بحاجتي ، وأُنشِد مدحتي ؟ فأجابه الإمام :
نحن أناسٌ نوالنا خضلٌ
تجود قبل السؤال أنفسنا
لو علم البحر فضل نائلنا
يرتع فيه الرجاء والأملْ
خوفاً على ماء وه من سئلْ
لخاض من بعد فيضه خجلْ
8- إن جارية حيته بطاقة ريحان ، فأعتقها لوجه الله ، فلامه أحدهم على ذلك ، فقال : أدبنا الله فقال تعالى (( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها )) ، وكان أحسن منها إعتاقها .
زهده وهيبته
1- حدَّث مدرك بن زياد فقال : كنا في حيطان ابن عباس ، فجاء الحسن والحسين وابنا العباس فطافوا في تلك البساتين ، ثم جلسوا على ضفاف بعض السواقي ، فقال الإمام الحسن : يا مدرك : هل عندك غذاءٌ ؟ فقلت له : نعم ، ثم انطلقت فجئته بشيء من الملح وخبز من طاقتين من بقل ، فأكل منه وقال : يا مدرك ما أطيب هذا ؟ .
وجيء بعد ذلك بالطعام ، وان في منتهى الحُسْنِ والجودة ، فالتفت (ع) إلى مدرك وأمره أن يجمع الغلمان ويقدم لهم الطعام ، فدعاهم مدرك فأكلوا منه ، ولم يأكل الإمام منه شيئاً ، فسأله مدرك ، لماذا لا تأكل منه ؟ فقال : إن ذلك الطعام أحب عندي ؛ لأنه طعام الفقراء والمحرومين .
2- زهد في الملك طلباً لمرضاة الله وخوفاً على مبادئه وحقناً لدماء المسلمين .
3- من هيبته ما قال محمد بن إسحاق : ما بلغ أحدٌ من الشرف بعد رسول الله (ص) ما بلغ الحسن بن علي ، كان يبسط له على باب داره ، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما يمر أحد من خلق الله إجلالاً له ، فإذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس .
وعلى باب داره كان يؤتى
فإذا جاء للجلوس وأضحى
قطع الدرب هيبة من علاهُ
فيقوم الإمام للبيت منه
قال شخصٌ وقد رأى العزَّ فيه
قال كلاماً فيه زهوٌ إنما
ببساطٍ له وخير وطاءِ
مستقراً فيه مع الجلساءِ
عن مرورٍ فيه لعظم البهاءِ
حيث يبلا وذا بدون بطاءِ
فيك تبدو مظاهر الكبرياءِ
ذاك عزُّ الهداةِ والأولياءِ
كرامة من كرامات الإمام الحسن (ع)
روى حسين بن عبدالوهاب بإسناده عن أبي عبدالله (ع) قال : خرج الإمام الحسن بن علي في بعض أسفاره ومعه رجلٌ من ولد الزبير كان يقول بإمامته ، فنزلوا في منزلٍِ تحت نخلٍ يابسٍ قد يبس من العطش ، ففُرِشَ للإمام الحسن تحت نخلةٍ منهما وفرشَ الزبيري بحذائه قال : فرفع الزبيري رأسه إلى النخلة وقال : لو كان عليها رطبٌ لأكلنا منه فقال له الإمام الحسن : إنك لتشتهي الرطب ، قال : نعم ، فرفع يده إلى السماء ودعا بكلماتٍ ، فاخضرَّتْ النخلةُ وحملت رطباً ، فقال الجمَّال الذي اكتروا منه : سحرٌ والله ، فقال الإمام الحسن : ليس هذا بسحر ، ولكن دعوة أولاد الأنبياءِ مستجابةً ، فصعد أحدهم النخلة وجنى من الرطب ما كفاهم .
أجوبة الإمام الحسن (ع)
1- سأل شامي ٌالإمام الحسن بن علي (ع) : كم بين الحق والباطل ؟ فقال : أربع أصابع ، فما رأيته بعينك فهو الحق ، وقد تسمع بإذنيك باطلاً كثيراً ، قال الشامي : كم بين الإيمان واليقين ؟ ، فقال أربع أصابع : الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه . قال الشام : كم بين السماء والأرض ؟ فقال : دعوة المظلوم ومد البصر . قال الشامي : كم بين المشرق والمغرب ؟ فقال مسيرة يومٍ للشمس .
2- كان الإمام الحسن عليه السلام يجلس في مسجد الرسول (ص) ويجتمع الناس حوله . جاء رجل فوجد شخصاً يحدث عن رسول الله (ص) والناس حوله مجتمعون فجاء إليه فقال : أخبرني عن شاهدٍ ومشهود ؟ فقال : نعم ، أما الشاهد فيوم الجمعة ، وأما المشهود فيوم عرفة . فتجاوزه إلى آخر يحدَّث في المسجد ، فسأله عن شاهد ومشهود كذلك ، فقال : أما الشاهد ، فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر . فتجاوزهما إلى ثالث وسأله عن شاهد ومشهود أيضاً . فقال : الشاهد رسول الله (ص) والمشهود يوم القيامة ، أما سمعته تعالى يقول : ( يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً ) وقال تعالى : ( ذلك يوم مجموعٌ له الناس وذلك يومٌ مشهود ) . فسأل عن الأول فقال : ابن عباس وسأل عن الثاني فقال : ابن عمر ، وسأل عن الثالث فقالوا : الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام .
3- سأله عليه السلام شاميٌ عن عشرة أشياء بعضها أشد من بعض . فقال : أشد شيء خلق الله الحجر ، وأشد من الحجر الحديد وأشد من الحديد النار ، وأشد من النار الماء ، وأشد من الماءِ السحاب وأشد من السحاب الريح ، وأشد من الريح الملك ، وأشد من الملك ملك الموت ، وأشد من ملك الموت الموت ، وأشد من الموت أمر الله .
زوجاته وأولاده (ع)
تزوج أم إسحاق بنت طلحة بن عبيدالله وحفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر ، وهند بنت سهير بن عمرو وجعدة بنت الأشعث بن قيس .
ولم يختص من الزوجات – على التعاقب – بأكثر من ثمان أو عشر بما فيهن أمهات أولاده .
ونسب الناس إليه زوجات كثيرات صعدوا في أعدادهن ما
شاءوا ، وخفي عليهم أن زواجه الكثير الذي أشارو إليه لا يعني الزواج الذي يختص به الرجل لمشاركة حياته وإنما كانت حوادث استدعتها ظروف شرعية محضة من شأنها أن يكثر فيها الزواج والطلاق .
ولا غضاضة في كثرة زواجٍ تقتضيه المناسبات الشرعية بل هو دليل على قوة الإمام بالنظر إلى ظروف المناسبات .
كان له خمسة عشر ولداً بين ذكر وأنثى ، هم زيد والحسن وعمرو والقاسم وعبدالله وعبدالرحمن والحسن الأثرم وطلحة وأم الحسن وأم الحسين وفاطمة وأم سلمة ورقية وأم عبدالله وفاطمة .
استشهاد الإمام الحسن (ع)
لما أراد معاوية البيعة لابنه يزيد وجد وجود الإمام الحسن (ع) يحول بينه وبين ذلك ، لذا فإنه استعمل مروان بن الحكم على اقناع جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ، وكانت إحدى زوجاته بأن تسقي الحسن السمَّ فإن هو قضى نحبه زوجها بيزيدٍ وأعطاها مائة ألف درهم .
وكانت جعدة بحكم بنوتها للأشعث بن قيس المنافق الذي أسلم مرتين بينهما ردة منكرة أقرب الناس لقبول هذا العمل .
فدسَت له السمَّ ، ولما حضرت الإمام الحسن(ع) الوفاة استدعى الإمام الحسين (ع) وقال له : يا أخي إنني مفارقك ولاحقٌ بربي ، وقد سُقيتُ السم ورميت بكبدي في الطست وإني لعارف بمن سقاني ومن أين دُهيتْ وأنا أخاصمه إلى الله عز وجل .
فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشيء وانتظر ما يُحدِثُ الله تبارك وتعالى في ما إذا قضيت نفسي فغسلني وكفني واحملني على سريري إلى قبر جدي لأجدد به عهداً ، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة (بنت
أسد ) ، فادفني هناك ، وستعلم يا ابن أم أن ا لقوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله (ص) فيجلبون في منعكم من ذلك ، وبالله أقسم عليك أن لا تهرق في أمري محجمة من دم ، ثم وصَّى إليه بأهله وولده وتركاته ، وما كان وصى أمير المؤمنين حين استخلفه .
فلما مضى لسبيله وغسله الإمام الحسين (ع) وكفنه وحمله على سريره لم يشك مروان وبنوا أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله (ص) ، فتجمعوا ولبسوا السلاح ، فلما توجه به الإمام الحسين (ع) لقبر جده ليجدد به عهداً أقبلوا في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغلٍ وهي تقول : نحوا ابنكم عن بيتي ، فإنه لا يدفن فيه ويهتك عليه حجابه ، فقال محمد بن الحنفية : يا عائشة ، يوماً على بغلٍ ويوماً على جمل ، فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم ؟
فقالت : يا ابن الحنفية هؤلاء بنو الفواطم يتكلمون فما
كلامك ؟
فقال الحسين : وأنى تفقدين محمداً من الفواطم ، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم : فاطمة بن عرمان وفاطمة بنت ربيعة وفاطمة بنت أسد .
فقالت عائشة : نحَّوا ابنكم فإنكم قومٌ … ؟ فدفنه في البقيع ، وكان من شدَّةِ الزحام أنه لو رمى دبوسٍ لوقع على رأس إنسان .
وورد بريد مروان إلى معاوية ، فلم يملك نفسه من إظهار
السرور ، وكان بالخضراء فكبر وكبر معه أهل الخضراء ، ثم كبر أهل المسجد فخرجت فاختة زوج معاوية وقالت : ما الذي بغلك فسُررتَ به ؟
فقال : موت الإمام الحسن .
فقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم بكت وقالت :
(( مات سيد المسلمين وابن بنت رسول الله (ص)، فقال معاوية: نعم والله ما فعلت ، إنه كان كذلك أهل أن يبكى عليه )) .
وتوفي الإمام الحسن بعد إمامة دامت 10 سنين في السابع من شهر صفر سنة 50هـ ، فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حياً .
الحسن والحسين (ع)
إن الاختلاف الذي حدث في طريقة كل من الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام من صلح أحدهما وقتال الآخر كان بسبب ظروف كل منهما بالنسبة للأنصار والأعداء فخيانة الكوفيين للإمام الحسين كانت قبل تعبئته للحرب ، فكان جيشه من أنصاره الخلص أما بالنسبة للإمام الحسن فكان الكوفيون عقبة للجهاد ، وكانوا قد صحبوه للقتال ثم نكثوا البيعة ، وفر منهم من قد فر وثار منهم من ثار ، وانتشرت الفوضى في الجيش ، فلم يطمئن لتوجيه تحركاتهم .
وكان عدو الإمام الحسن هو معاوية , وقد عرف دهاؤه ومكره واستخدامه الجواسيس وحربه النفسية التي يقوم بها ، أما الإمام الحسين فكان عدوه يزيد الغلام المترف الذي لا يعرف حباكة الخطط .
وكانت الحرب – لو وقعت – بين الإمام الحسن ومعاوية لأدت إلى القضاء على التشيع لأهل البيت وللقضاء على الإسلام الصحيح .
ولقد أفاد الإمام الحسين (ع) من غلطات معاوية في غاراته على
البلاد الآمنة وفي موقفه من الصلح ومن بيعة يزيد ، مما زاد حركته قوة ومعنوية ، وأفاد من مزالق يزيد وفجوره .
لذا فإنه من الصعب أن نقول أن الإمام الحسن تحكمت به طباعة فحقن الدماء وأن الإمام الحسين تحكمت به طباعه فقاتل الدولة الأموية ؟
ويمكن اعتبار واقعة الطف حسينية وحسنية أيضاً .
مقارنة
إن أي مقارنة بين الإمام الحسن عليه السلام وبين أي شخص آخر ( من عامة الناس ) فيها ظلم للإمام الحسن وظلم لهذا الشخص ؛ لأنه مقارنة بين إنسان معصوم قد رباه جده رسول الله (ص) وأبوه علي(ع) وأمه الزهراء عليها السلام وبين إنسانٍ عاديٍ يخطئ ويصيب ، ومهما كان من ربَّوهُ فلن يكونوا كرسول الله ولا كعليٍ ولا كفاطمة ، ولكن سنوجد مقارنة بينهما في بعض الأفعال ، وخاصة في الوقت الحالي الذي قلَّ فيه من يتمسك بالعروة الوثقى وقلَّ فيها من يتمسك بخلق الإسلام .
1- نجد الرجل في هذه الأيام يحب مصلحته ، وحتى لو تعارضت مع مبادئه ، ولو أدى ذلك للخروج على والديه ، بينما نجد الحسن (ع) عندما أرسل له معاوية في صفين للخروج على أبيه (ع) ويكون الخليفة بدلاً عنه فرفض الإمام الحسن ذلك .
2- نجد تكدس الأموال عند أناس وفقر آخرين ونجد الأغنياء – أغلبهم – لا يخرجون سوى الزكاة – وبعضهم الخمس مع أنه من فروع الدين – دون أن يتصدق على الفقراء وأن تصدق فبالقليل على عكس الإمام الحسن (ع) الذي كان يتصرف بكل ما معه من مال .
3- نجد البعض يحج مرة واحدة وكفى ، ورغم راحة المركبات التي يركبها وكأنه سيمن على الله أنه حج ، ولا يعلم أن الفائدة في ذلك كله له لا لله . والإمام الحسن عليه السلام حج خمسة وعشرين مرة ماشيا .
4- قدم الإمام الحسن (ع)مصلحة الآخرين على مصلحته في الصلح الذي سيذهب به سلطانه ، ونجد الناس اليوم أنانيون لا يريدون سوى مصلحتهم .
5- حلم الإمام الحسن (ع) حتى على من يخطئ في حقه بينما نجد غضب البعض لأشياء تافهة ، ولا يترك عند غضبه شيء إلا قاله ، حتى يصل بأحدهم إلى القذف في العرض
هذا قليل من كثير فعسى أن نستفيد
والحمد لله رب العالمين