السلام عليكم /
أصبح هذا المشهد بالنسبة لي مألوفا ً , فلا يمر أسبوع إلاّ وأشاهد هذا المنظر الضاحك الباكي في الصباح الباكر :
طالبات صغيرات من بناتنا ينزلن من باص ليركبن باصا ً آخر والسبب أنّ ذلك الباص به خلل ٌ تسبب في عطله , ولكن لماذا ؟
باص ٌ أكل الدهر عليه وشرب كما يقال , فتجاعيد الزمن مرسومة على جبينه , وآلام الشيخوخة قد أحنت ْ ظهره , ومـمـّا يزندني ضحكــاً عندما أرى الباص الآخر وهو من نفس جنسه ولكن لونه أبيض قد أتى بعرجتــه يدب ّ دبيب النمل ليحمل العبء عن أخيه ويصطف إلى جانبه ليقـل َّ الطالبات إلى مدرستهن وربما توقف هو الآخر في الطريق قبيل وصوله للمدرسة ليستنجد بباص ٍ آخر يكمل عنه مشواره الصباحي المرير , فلم يرق َّ لهذه الباصات قلب ٌ رحيم ليحيلها إلى التقاعد بعد خدمة طويلة وشاقة ٍ , فيكفيها ما قطعت من آلاف الأميال والأميال عبر عمرها الذي امتد إلى عشرات السنين فقد ركبها أباؤنا من قبل في رحلاتهم إلى الحج وزيارة الأماكن المقدّسة .
ما ذنب هؤلاء الصغيرات وقد تراكمن في هذا الباص العجوز منذ الصباح الباكر قبل أن تشرق الشمس , فمشواره الطويل يحتم عليهن أن يكنَّ مستعدات ٍ في ساعة مبكرة ؟ وما ذنبهن وقد أصلت ْ جلودهن ووجوههن الشمس في عودتهن بعد الظهر خصوصا ً في حرّ الشمس القائظ ليدخلن إلى بيوتهن بوجوههن البرونزية بعد تعرضهن لحمام شمس ٍ صيفي مميز داخل ذلك الباص المحموم ؟ وهل يقبل المسئولون الغيارى بهذه المشاهد أن تصور وتبث عبر القنوات الإعلامية والالكترونية ليطلع عليها عامة الناس ؟ وهل سيصدّق من يرى هذه المشاهد أنـّها في بلد ٍ تنفق ما تنفق لقطاع التعليم بمختلف مراحله لتنهض بمستواه ليحاكي مستوى التعليم في الدول المتقدمة ؟
لم أقل ْ هذا إلاّ بعد أن أصبح هذا المشهد متكرراً أمام عيني أياما ً وأياما ً , ولذا أخاطب بناتي في السيارة مداعبا ً وهن يشاركنني في مشاهدة هذا المشهد : ( حمدوا ربكم اني أقدر أوصلكم كل يوم وتصوروا لو كنتوا معهم ) في هذا المسلسل المريع .
لا أدري لماذا كتبت هذه السطور , ولكن هي آهة ٌ عفوية خرجت من القلب , أو قل هي حيرة ٌ لازمت ْ صدري وأنتظر من يفكـّها .
تحياتي