بما انني ( طبيب في أجازة ) فلاضي إن اتخذت أوراقي المبعثرة سيرا مختلفا !
و لأنني مجاز ، فباستطاعتي فعل أي ٍ من الأمور التي لم أكن متفرغا لفعلها أوقات العمل ، حتى و إن كان هذا الامر هو مرافقة أخواتي في الأسواق !
المعروف عن النساء عشقهن الشديد للتسوق ، بخلاف الرجال !
ما رأيك أن ترافق إمرأة في جولة تسوية ؟
المكان كان مزدحما جدا بالناس ... مجتمع بأسره قد حضر تلك الليلة الى ذلك السوق ...
النساء متكدسات بشكل مكثف عند محلات الملابس و الزينة و المجوهرات ، و الأحذية أيضا !
في الواقع ، كن يملأن السوق بنسبة 80% تقريبا ...
في مكان هكذا يمكن أن تلتقي بأي كان صدفة !
لم أكن أود ان التقي بأحد من مرضاي ! لست أود تذكر أي شيء له علاقة بالمستشفى .
لعلي أحظى هذا اليوم بنزهة تسوقية مريحة !
عندما أنظر إلى وجوه الأشخاص من حولي أشعر بالفرق !
الناس هنا ، كلهم سعداء و مبتهجون ... ملامحهم مليئة بالسرور و الاستمتاع و الحيوية !
لقد اعتدت أن وجوها كئيبة ، حزينة ، متألمة متأوه متكدة !
الكل كان يأتيني بشكواه و همومه و أوجاعه الجسديةو النفسية ...
ألا تعتقد ان مثل هذه المهنة قد تطبع عليك نمطا معينا من المزاج ؟
أما هنا ... في هذا السوق الكبير ... المليء بالحركة .... فالنمط الذي سيتركه على نفسيتك سيكون مختلفا تماما ...
كم أتمنى لو كنت مجرد بائع في أحد هذه المحلات !
تذكرت ، و أنا أنظر إلى أحد الباعة جالسا خلف طاولة المحاسبة ، و طابور الزبائن كل ينتظر دوره ...
و منهم من يشتري و يشكر و يخرج ، و منهم من يرد السلعة مستنكرا معترضا و يصرخ ثم يخرج !
تذكرت ... كيف أكون جالسا خلف مكتبي في العيادة ، و طابور المرضى المتذمرين في ازدياد !
يدخل الواحد منهم ، فيبث إلي ّ بشكوى معينة ، و أقوم بفحصه ، و تقديم النصائح و العلاج ، فيخرج اما مسرورا و شاكرا ، أو متذمرا و مستنكرا !
لم تكن حالة طفليها تستدعي أي زيارة لاي طبيب !
كل ما هنالك ، زكام بسيط ، يمكنه ان يزول تلقائيا دون أية أدوية .
دخلت عيادتي مستنكرة متأبطة شرا .
- ما المشكلة ؟
- الطفلان يعانيان من زكام و سعال .
- و هل هذه حالة طارئة حتى تحضريهما إلى قسم الطوارىء ؟
- ليس من شأنك ! إنها ليست مستشفاك ، و هنا احضر متى شئت .
قمت بالفحص على الولدين المشاغبين ، الذين كانا يعبثان هنا و هناك و يسببان الفوضى .
و على فكرة
كون الطفل يلهو و يلعب بشقاوة فهذا دليل على أنه صحيح و معافى !
بع انتهائي من فحصهما - و لم اجد لديهما شيء يذكر ، عدت إلى مقعدي ...
- ما بهما أيها الطبيب ؟
- مجرد زكام بسيط .
- هذا كل ما في الأمر ؟
- نعم !
- و ماذا ستصف لهما ؟
- دواء للسعال و الزكام .
- فقط ؟
- أجل فقط ! فهما لا يحتاجان لأكثر من ذلك .
- هذه المستشفى رديئة و الأطباء هنا كلهم رديئون و لا يعرفون كيف يشخصون الأمراض !
قامت ، و سحبت ورقتي الوصفتين الطبيتين اللتين كتبتهما للولدين ، و قالت و هي تغادر :
- لسوف آخذهما الآن إلى المستشفى الفلاني ، حيث الأطباء الحقيقيين الذين يفهمون ! و الذين سيصفون لهم أدوية أجدى و أنفع من مجرد شراب السعال !
لماذا تذكرت هذه السيدة في هذا الوقت بالذات ، و أنا اتجول في ذلك السوق ... !؟
الباعة يعاملون بطريقة أكثر احتراما و تهذيبا و تقديرا من ...
طبيب ما يجلس ( على أعصابه ) في عيادة ما في قسم الطوارى ، في احد المستشفيات !
و للعلم ...
فإن القصة لم تنته عند هذا الحد !