وعلى ذلك تكون الأحرف التي سمع بها العرب لثغتها في النطق هي أربعة أحرف فقط ، ولم يسمع غيرها ، وهي حروف ( س ق ل ر ) .
1- أما السين فسمع من يقلبها ثاءاً وشيناً .
فمن الأول قولهم : ( باثم الله ) ويريد بها ( بسم الله ) وقولهم ( عثراً ) ويريدون بها ( عسراً ) .
ومن الثاني قولهم : ( باشم الله ) ويعني به ( باسم الله ) ، و ( يشافر ) أي ( يسافر ) .
2- أما القاف فتقلب دالاً وطاءاً .
فمن الأول قولهم : ( أدول لك ) أي ( أقول لك ) ، ومن الثاني قولهم ( أطول لك ) أي ( أقول لك ) .
3- وأما لثغة اللام فمنهم من يجعلها ياءاً ، وهو كثير ، ومنهم من يجعلها كافاً وهو قليل ، فمن الأول : ( موياي ) أي ( مولاي ) ، وفي ( لا إله إلا الله ) يقولون ( يا إياه إيا أياه ) ، ومن الثاني قولهم لي كلمة ( علة ذلك ) ( عكة ذلك ) .
4- وأما الراء قلبها لأربعة أحرف : ( الياء والغين والذال والظاء ) .
فقالوا في عمرو ( عمر وعمغ وعمذ وغمظ ) ، وقلبها ياء أقبحهن وأوضعهن لذي المرؤة ، وقلب الراء غيناً مليح ، وقد اشتهر من فصحاء العرب واصل بن عطا ، فكان يتمكن من تجنبها في خطبه كما أوردنا سابقاً .
ويمكن أن نلاحظ عيوباً أخرى في نطق حروف ( ك ـ ش ـ ح ) ، فمنهم من يقلب الكاف تاءاً ، فيقول يريد ( يا كافي ) ـ يا تافي ـ و ( نعم الوكيل ) ـ نعم الوتيل ـ .
ومنهم من يقلب الشين سيناً ، فيقول ( ما سعرت بها ) يريد بها ( ما شعرت بهذا ) .
ومنهم من يقلب الحاء هاءاً فيقول ( همار وهشي ) ويريد بها ( حمار وحشي ) .
ومما يعتري اللسان في النطق عيوباً أخرى نفسيه صرفة ، وهي التأتأة والفأفأة والثأثأة واللكلأة ، وقد تعم جميع حروف الصبيان قبل أ، يشبوا وتتعدل ألسنتهم ـ وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم المسترخي الحنك المرتفع اللثة الذي فض فوه من الأسنان ، فإن له دراسة خاصة تدخل في نطاق أمراض الشيخوخة .
ومن الجميل ما أنشده أبو نواس بلسان جارية لثغاء بالغين قوله :
[poet font="Simplified Arabic,4,darkblue,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
أما وبياض الثغر ممن أحبه = ونقطة خال الخد في عطفة الصدغ
لقد فتنتني لثغة موصلية = رمتني في تيار بحر هوى اللثغ
تقول وقد قبلت واضح ثغرها = وكان الذي أهوى ونقلت الذي أبغي
تغفق فشغب الخمغ من كغم غيقتي = يزيدك عند الشغب سكغاً على سكغ
[/poet]
وهو يقصد قولها :
ترفق فشرب الخمر من كرم ريقتي = يزيدك عند الشرب سكراً على سكر
وقال شاعر أخر :
[poet font="Simplified Arabic,4,crimson,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
في فمه درياق لدغ إذا = أحرق قلبي شدة اللدغ
إن قلت في شمي له أين هو = تفديك روحي قال لا أدرغي
[/poet]
ويريد بها ( لا أدري ) ، ولكن الصيغة هي صيغة التشبيب بالمذكر .
إن عدوى هذه العيوب سريعة الانتشار بين الصغار الذين هم في مرحلة الطفولة ، أي مرحلة التنشئة والتعليم ، وإذا تجاوزنا فقلنا إن هذه العيوب ما هي إلا أمراض في نطق اللغة العربية فإننا لا نكون قد ذهبنا بعيداً ـ صحيح إن اللغة العربية بعيدة عن كلمة مرض وعلاج ودواء وشفاء إلى أخر ذلك ، ولكن ما يصيب جهاز نطق العربية لا يمكن أن نسميه عيب إذا انتشر بالعدوى بين الناطقين بها ، وهذه العدوى تأتي عن طريق المحاكاة والمشاركة الوجدانية والتقليد .
أنشد أبو نواس يخاطب الثغا بالسين :
[poet font="Simplified Arabic,4,purple,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char="" num="0,black" filter=""]
وسادن قلت له ما أسمكا = فقال لي باللثغ عباث
بات يعاطيني ثخامية = وقال لي هل هجع الناث
فعدت من لثغته الثغا = فقلت أين الطاث والكاث
[/poet]
ومن هنا وجب على المتعلم لهذه اللغة أن يجد من يعلمه صحيح اللفظة ـ سليم الأداء التعبيري محافظاً على إخراج كل حرف من مخرجه ـ معطياً كل صفات الحروف حقها ، حتى يتم التعليم مبرئاً من كل عيب .
تمت وبالخير عمت
***10***
،،،،،
،،،،
،،،
،،
،